من انكسار الأيديولوجيا إلى بناء رمز قومي للكورد في سوريا

07-02-2026
اسماعيل كاملة
الكلمات الدالة روجافا كوردستان
A+ A-
يدخل الوضع في سوريا وكوردستان سوريا اليوم نفقاً هو الأكثر تعقيداً وإرباكاً منذ سنوات؛ حيث لم تعد المعادلة تقتصر على مواجهة عسكرية كلاسيكية، بل استحالت صراعاً وجودياً متعدد الأطراف. 
 
فبينما تتصارع القوى الإقليمية والمحلية، تبرز سياسات حكومة دمشق كخطر داهم، مستغلةً الفراغ الأمني لإعادة رسم خارطة النفوذ، وبالتوازي مع ذلك، تطل الجماعات الجهادية الراديكالية برأسها من جديد، مستثمرة حالة الفوضى لتستنزف القوى الكوردية وتضرب أي مشروع استقرار.
 
في قلب هذا الإعصار الميداني والسياسي، يجد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي نفسه أمام سلسلة من التهديدات المركبة؛ بدءاً من معالجة آثار الانسحاب غير المنظم من الرقة ودير الزور، وصولاً إلى التصدي لمحاولات النظام الحثيثة لكسر الإرادة السياسية والعسكرية الكوردية.
 
وفي هذا المناخ المضطرب، يبدو أن مشروع "أخوة الشعوب" أو "الأمة الديمقراطية" الذي قُدم يوماً كطوباوية سياسية ونموذج مثالي للتعايش قد وصل إلى طريق مسدود. لقد عجز هذا المشروع عن الصمود أمام "إرهاب الدولة" الممنهج الذي مارسته دمشق عبر القمع العسكري والحصار الاقتصادي، وما زاد الطين بلة هو الهجمات العشوائية للفصائل التي استهدفت ترويع المدنيين. هذا المزيج من العنف المنظم والفوضى المفتعلة شكّل الحاضنة المثالية لتوسع الجماعات الراديكالية، مستغلة هشاشة التنسيق بين القوى الكوردية وداعميها الدوليين، مما كشف عن فجوة هائلة بين "النظرية الأيديولوجية" و"الواقع الأمني" القاسي على الأرض.
 
إن فشل الاتفاقيات التي حاولت قوات سوريا الديمقراطية إبرامها مع دمشق لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي، بل كان اصطداماً بحقيقة أن النظام لا يرى في الكورد شركاء في الوطن، بل أعداءً محتملين يجب عليها محاصرتهم باستخدام الفصائل والجماعات المتطرفة كأدوات ضغط. هنا، يبرز التحول الاستراتيجي الكبير: فبينما تكتفي فرنسا بدعم للحفاظ على التوازن، وتترك الولايات المتحدة الكورد يواجهون قدرهم بمفردهم، يتدخل إقليم كوردستان بوعي سياسي ناضج، ليس كجهة مراقبة فحسب، بل كمهندس لبناء "رمز قومي" كوردي في سوريا. هذا الرمز ليس مجرد أيقونة ثقافية، بل هو أداة استراتيجية تهدف لتوحيد الصفوف وخلق منصة قوية تضمن حضور الكورد كلاعب أساسي على طاولة التسويات الدولية والإقليمية.
 
وعند تشريح المشهد بعمق، يتضح أن صعود مظلوم عبدي كرمز قومي جاري اعداده، يتزامن مع الأفول الحتمي لمشروع الأمة الديمقراطية. هذا المشروع، رغم بريقه الفكري، فشل في أن يتحول إلى "هوية جامعة" في مناطق الغالبية العربية كدير الزور والرقة، حيث بقي خطاباً إدارياً فوقياً لم ينفذ إلى وجدان المجتمع المحلي. وبمجرد اهتزاز المظلة الأميركية، تبخرت هذه الشعارات، وكان انسحاب القوات الكوردية اعترافاً علنياً بأن إدارة التنوع لا تنجح بالقوة العسكرية أو بالوعود الأيديولوجية العابرة للهويات. هذا الانكسار أدى إلى "عودة الوعي القومي" والانتقال من خطاب ما بعد القومية الراديكالي إلى صيغة أكثر براغماتية تعترف بالهوية الكوردية كركيزة أساسية، وتتعامل مع دمشق من منطق التفاوض بين مركز يريد السيطرة وأطراف تريد تثبيت مكتسباتها في ظل الدولة القائمة.
 
المرحلة القادمة ستكون الاختبار الأصعب لمظلوم عبدي وفريقه؛ فالبقاء لم يعد مضموناً بالحياد أو بالدفاع السلبي، بل بصياغة استراتيجية شاملة تزاوج بين الصمود العسكري والدبلوماسية الإقليمية الذكية. إن نجاح أي "رمز قومي" أو مشروع سياسي جديد مرهون بقدرته على مواجهة الإرهاب المنظم، وتحويل حالة الفوضى إلى فرصة لإعادة بناء الثقة التاريخية بين الشعب الكوردي ومحيطه، مع التأكيد على أن المصالح الكوردية في سوريا باتت اليوم مرتبطة عضوياً باستراتيجية إقليم كوردستان العراق في رسم ملامح النفوذ المستقبلي.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

معد فياض

دروس الزعيم مسعود بارزاني

تبرهن القيادة الكوردستانية، البارزانيون خاصة، حكمتها السياسية وبأنهم رجال دولة من طراز متميز ويمنحون ساسة العراق من قادة الأحزاب والبرلمانيين والحكومة دروساً في معنى إدارة البلد في ظل الأزمات الكبيرة، وآخرها أزمة قصف الفصائل المسلحة لمدن الإقليم، أربيل ودهوك وزاخو والسليمانية بحجة استهداف القواعد والمصالح الأميركية، موجهين مسيراتهم نحو حقول النفط والأحياء السكنية الآمنة.