في خضم الأزمات المتكررة بين بغداد وأربيل، من رواتب تُقطع، وميزانيات تُجمد، وصلاحيات تُنتهك، وحروب تصريحات لا تنتهي، بات من الواضح أن المعادلة القديمة بين المركز والإقليم قد وصلت إلى طريق مسدود.
لا بغداد استطاعت أن تفرض نظاماً عادلاً وشاملاً لجميع المكونات، ولا أربيل تمكنت من تحقيق الاستقلال الكامل. النتيجة؟ لا أحد رابح، والجميع خاسر. المواطن يُسحق بين مطرقة الخلافات السياسية وسندان الفشل الإداري.
وهنا، يطرح سؤال نفسه بإلحاح هل سنبقى ندور في الحلقة المفرغة نفسها؟ أم نملك شجاعة اقتراح حلّ مختلف أكثر نضجاً؟ ذلك الحل هو: الكونفدرالية.
الكونفدرالية هي صيغة حكم تعني اتحاداً بين كيانين أو أكثر، يحتفظ كلٌّ منهما بسيادته الداخلية والخارجية، لكنهما يتعاونان في بعض المجالات المشتركة (مثل الدفاع، السياسة الخارجية، أو العملة) عبر اتفاق طوعي، وليس خضوعاً لمركز قسري ببساطة ليست وحدة قسرية، وليست انفصالاً عدائياً، بل شراكة متكافئة تقوم على الإرادة الحرة والاحترام المتبادل.
لماذا تصلح للعراق الآن؟
العراق بلد متعدد القوميات، والأديان، والمذاهب. هذا الواقع لم يُدار يوماً بعدالة. من المركزية القومية في زمن الدكتاتور صدام حسين، إلى ديمقراطية مشوهة بعد 2003، ظلّت العلاقة بين بغداد وكوردستان هشة ومبنية على عدم الثقة، كلما اتفقت بغداد وأربيل، كان الاتفاق هشاً لا يصمد أكثر من أشهر. وكلما طال الخلاف، كانت النتيجة مزيداً من العقوبات الجماعية ضد المواطنين الكورد، بدءاً من الرواتب وانتهاءً بمحاولات تقويض سلطات الإقليم.
في ظل هذا الفشل المستمر، آن الأوان لتفكيك السؤال السياسي إلى أساسه الحقيقي، أربيل لا تريد التبعية وبغداد لا تريد الانفصال، إذاً الحل لا انفصال ولا تبعية، بل كونفدرالية.
ماذا تكسب أربيل؟
-الاعتراف الرسمي بخصوصيتها القومية والسياسية داخل العراق.
-إدارة كاملة لشؤونها الداخلية: التعليم، الاقتصاد، الثقافة، الأمن الداخلي.
-حرية التصرف بمواردها المالية والنفطية ضمن إطار اتفاق واضح مع بغداد.
-الخروج من دوامة الابتزاز المالي والسياسي عبر قطع الرواتب والميزانيات.
-تحقيق الاعتراف الدولي التدريجي دون الحاجة لإعلان الاستقلال الكامل الذي ترفضه القوى الإقليمية والدولية.
-ضمان الحقوق القومية للكورد في الدستور العراقي دون أن تكون "امتيازات مشروطة بالولاء".
وماذا تكسب بغداد؟
-استقرار سياسي طويل الأمد مع الإقليم بدل التوتر المزمن.
-نموذج ناجح أمام العالم: دولة تحترم التعددية وتحولها إلى مصدر قوة.
-شريك موثوق إدارياً واقتصادياً وأمنياً في شمال البلاد، بموقع ستراتيجي حساس.
-تعزيز مكانتها أمام الجيران كنموذج متقدم للحكم المرن الذي يضم ولا يُقصي.
-الحفاظ على وحدة العراق الرمزية والسياسية دون فرض سلطة مركزية فاشلة.
العراق ليس بحاجة إلى وحدة قسرية
منذ 2003 وحتى اليوم، جُرّب كل شيء تقريباً: الفيدرالية، المركزية الجديدة، الاتفاقات المرحلية، محاولات الهيمنة الناعمة، وحتّى سياسة العقاب الجماعي، والنتيجة؟ خراب إداري، انعدام الثقة، وتهديد دائم بالانفصال.
الكونفدرالية ليست تفككاً، بل حماية للعراق من التفكك، وليست تمرداً من الإقليم، بل نضج في العلاقة السياسية، و ليست نزوة قومية، بل اعتراف صريح بأن إدارة العراق كأنه كيان واحد متجانس هو وصفة للفشل.
قد تكون الكونفدرالية خياراً صادماً للبعض، لكنها في الواقع أكثر الحلول واقعيةً واعتدالاً. إنها تعني أن العراق يبقى، لكن بشكل مختلف. أن الكورد يُحترمون، دون أن ينعزلوا، أن المركز لا يهيمن، بل يتشارك، والاختيار واضح، إما البقاء في دائرة الخلافات والتجاذب، حتى يصل الجميع إلى الحافة أو القبول بتحديث العقد السياسي، والتأسيس لدولة تحترم مواطنيها، ولنكن صريحين: الاستمرار على هذا النمط من العلاقة بين بغداد وأربيل ليس فقط فاشلاً بل خطراً وجودياً، وإن رفض الكونفدرالية تحت ذريعة "وحدة العراق ليس حرصاً على الوطن، بل تمسك بسلطة فاشلة فشلت في إدارة التنوع، وأساءت استخدام المركزية كأداة خنق لا أداة تنظيم، وإذا كان البعض في بغداد يظن أن التلاعب بالرواتب والميزانيات كفيل بإخضاع شعبٍ له تاريخه وهويته، فهو واهم، لأن الكرامة لا تُشترى، والشعوب لا تخضع إلى الأبد، والسؤال الحقيقي ليس: "هل نقبل بالكونفيدرالية؟".
بل: هل نملك شجاعة الاعتراف بأن "العراق القديم" قد انتهى، وأن من أراد الحفاظ على ما تبقى، عليه أن يعيد بناءه من جديد، والكونفيدرالية ليست نهاية العراق، بل بدايته الحقيقية كدولة متعددة، محترِمة، ناضجة. فإما أن نعيد ترتيب العلاقة اليوم، أو نستعد لوداع مؤلم ذات غد.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً