الانتخابات المحلية البريطانية ومصير ستارمر

أمس في 01:17
بختيار مام شيخ
الكلمات الدالة بريطانيا
A+ A-

*بختيار مام شيخ
 
تكتسب الانتخابات المحلية وانتخابات اسكتلندا في المملكة المتحدة، والمقرر إجراؤها في 7/5/2026، أهمية قصوى. ويعود ذلك إلى أنه قبل 22 شهراً فقط من ذلك التاريخ، حقق حزب العمال بقيادة (سير كير ستارمر) أكبر انتصار تاريخي في المملكة المتحدة بفوزه بـ 411 مقعداً من أصل 650 مقعداً، مقابل 121 مقعداً لحزب المحافظين الذي كان يمسك بزمام السلطة منذ عام 2010.
 
الخلفية التاريخية منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914 وحتى يومنا هذا، ومن بين جميع الانتخابات التي أجريت، حكم حزب العمال لمدة 34 عاماً، مقابل 78 عاماً لحزب المحافظين. وهذا يثبت حقيقة أن مجتمع هذا البلد يميل إلى المحافظة أكثر من التوجهات اليسارية. إن سبب الفوز التاريخي لحزب العمال في الانتخابات العامة التي جرت في 4/7/2024 يعود إلى الإخفاقات المتتالية لحزب المحافظين، لاسيما قضايا الفساد وسوء استخدام السلطة من قبل وزراء وأعضاء البرلمان عن حزب المحافظين بين عامي 2010 و2024، وبالأخص في الفترة ما بين 2019-2024، حيث كان حزب العمال هو البديل الوحيد المتاح.
 
خطأ ستارمر 
 
يتولى سير كير ستارمر منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ 4/7/2024، وهو ينتمي إلى جناح ومدرسة توني بلير. عمل ستارمر محامياً، وشغل منصب رئيس الادعاء العام لمدة خمس سنوات في الفترة من 2008 إلى 2013. كان خطأ ستارمر الفادح هو تعيين (الورد بيتر ماندلسون) سفيراً في واشنطن. إذ تبين لاحقاً أن ماندلسون كان متورطاً بشكل عميق مع جيفري إبستين، وأنه أرسل له معلومات حساسة عندما كان اليد اليمنى لتوني بلير.
 
ترتيب الأحزاب السياسية
 
من الناحية التاريخية، سيطر حزبا المحافظين والعمال على المشهد السياسي في المملكة المتحدة كما ذكرنا آنفاً، ولكن هذه المرة حدث تغيير كبير: حزب الإصلاح (ReformUK) بقيادة نايجل فاراج حاضر في الساحة، ومن المحتمل أن يصوت له معظم اليمينيين والمتشددين في بريطانيا على حساب حزب المحافظين. ومن جهة أخرى، استطاع حزب الخضر جذب ميول الناخبين المسلمين وأقصى اليسار من خلال دعمه للفلسطينيين ومعارضته للحرب في غزة، ومن المتوقع أن يحصدوا أصواتاً كبيرة على حساب حزب العمال. وبناءً على ذلك، فإن جميع أولئك الذين صوتوا لحزب العمال في انتخابات 2024 نكايةً بحزب المحافظين، سيكون لديهم هذه المرة خيارات أكثر من ذي قبل، وربما تذهب الأصوات الحسم لهذين الحزبين ولحزب الليبراليين الديمقراطيين، الذين حققوا نتائج جيدة في المرة السابقة بعد هزيمتهم الكبرى في عام 2015.
 
لماذا تعتبر هذه الانتخابات مهمة؟ 
 
انتخابات الخميس 7 أيار 2026 هي انتخابات محلية للبلديات ولبرلمان اسكتلندا، لكنها ستكشف حقيقة حجم الدعم الشعبي لجميع الأحزاب السياسية. وتشير كل المؤشرات إلى أن حزب العمال قد يواجه هزيمة كبيرة على يد حزبي (الإصلاح) و(الخضر)، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الضغوط على زعيم حزب العمال ورئيس الوزراء ستارمر لإجباره على الاستقالة، ليتسنى لنواب حزب العمال اختيار رئيس وزراء جديد.
 
منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، هذه هي المرة الأولى التي تقف فيها حكومة المملكة المتحدة بشكل صريح ضد السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وذلك بعدم مشاركتها في الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران. وقد تسبب هذا الموقف في إحداث شرخ كبير بين بريطانيا وأميركا، وخلال فترة الحرب، كان دونالد ترامب يهاجم ستارمر وحكومته باستمرار. وفي المقابل، كان حزبا (الإصلاح) و(المحافظين) منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب مع خيار ضرورة المشاركة جنباً إلى جنب مع أميركا وإسرائيل. ورغم أن ستارمر قد يكون على حق في هذه السياسة، إلا أنها ربما تسببت في إغضاب جزء من الناخبين "المترددين" الذين قد يصوتون يوم الخميس لحزبي (الإصلاح) و(المحافظين) كرد فعل على ذلك.
 
لماذا يشعر الناخبون بالغضب تجاه رئيس الوزراء وحزب العمال؟
 
قبيل أي انتخابات، تقوم جميع الأحزاب السياسية بإعداد ونشر مانيفيستو (بيان الوعود – البرنامج الانتخابي)، تقدم فيه وعوداً للناخبين بتنفيذها خلال فترة حُكمها. على سبيل المثال: وعد حزب الليبراليين الديمقراطيين في برنامجه الانتخابي لعام 2010 الناخبين بعدم السماح لحزب المحافظين برفع الرسوم الدراسية الجامعية من 3000 جنيه إسترليني إلى 9000 جنيه. ولكن بعد الانتخابات، تحالفوا مع حزب المحافظين، وأصبح زعيم الحزب (نيك كليغ) نائباً لرئيس الوزراء، وكان أول عمل قاموا به داخل الحكومة هو رفع الرسوم الجامعية من 3000 إلى 9000 جنيه، وهو ما جاء على عكس الوعود التي قطعوها للناخبين تماماً.
 
إلا أنه في انتخابات عام 2015، انتقم الناخبون في المملكة المتحدة من ذلك الكذب، حيث تراجع الحزب من 57 مقعداً في عام 2010 إلى 8 مقاعد فقط في عام 2015.
 
ووفقاً لهذا المقياس، فقد قطع حزب العمال مجموعة من الوعود الضخمة لناخبي هذا البلد، كان أهمها عدم رفع الضرائب، لكنهم نكثوا بوعودهم ورفعوا الضرائب، كما وصلت البطالة إلى أعلى مستوياتها، وتفاقمت جميع المشكلات لتصبح أكبر مما كانت عليه في السابق. لذلك، من المتوقع أن يعاقب الناخبون هذا الحزب أيضاً ويصوتوا لحزب (الإصلاح) وحزب (الخضر) وأحزاب أخرى، في حين لا يُتوقع أن يتمكن حزب المحافظين المنهك من استعادة قوته في الوقت الحالي.
 
الخلاصة
 
إذا صدقت هذه التوقعات، فمن المرجح أن يكون رئيس الوزراء هو أول من يدفع ثمن هذه الهزيمة، على الرغم من تحقيقه لأكبر انتصار تاريخي في يوليو 2024. وقد يُضطر ستارمر إلى تقديم استقالته عقب هذه الخسارة المتوقعة. وهذا بالضبط ما حدث مع بوريس جونسون، زعيم حزب المحافظين ورئيس الوزراء الأسبق، الذي حقق أكبر فوز انتخابي في عام 2019، لكنه أُجبر على الاستقالة في عام 2022. في تمام الساعة العاشرة من مساء يوم الخميس الموافق 7/5/2026، ستُغلق صناديق الاقتراع وتُنقل إلى قاعات البلديات لفرز الأصوات يدوياً طوال الليل، لتظهر النتائج في صباح يوم الجمعة ويُعلن حينها عن الفائزين والخاسرين.
 
*بختيار مام شيخ، عضو في بلدية (كنسينغتون وتشيلسي) الملكية في لندن منذ 12 عاماً. فاز في ثلاث دورات انتخابية (2014، 2018، 2022)، وشغل منصب نائب المحافظ وزعيم المعارضة في هذه البلدية.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

مقداد فيض الله

العالم لا يحترم الآبار بل يحترم المؤسسات

في عالم اليوم، لم يعد جواز السفر مجرد دفتر صغير يُبرز عند بوابات المطارات، بل صار مرآة دقيقة لقوة الدولة، وكفاءة مؤسساتها، واحترام العالم لمواطنيها. وبينما يتربع جواز سفر سنغافورة على قمة التصنيفات العالمية، يقف جواز العراق في مراتب متأخرة، رغم أن العراق يطفو فوق بحر من النفط والغاز والثروات الطبيعية، ويحتل موقعاً جغرافياً يكاد يكون قلب الشرق الأوسط.