إقليم كوردستان والاستقرار في عراق مضطرب

06-03-2026
عطا شميراني
الكلمات الدالة اقليم كوردستان
A+ A-
في خضم ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة وتوترات سياسية وأمنية، يبرز إقليم كوردستان بوصفه أحد العوامل الأساسية في معادلة الاستقرار داخل العراق. فالإقليم لم يكن يوماً مجرد كيان إداري ضمن الدولة العراقية، بل تجربة سياسية وإدارية تشكلت عبر عقود من التضحيات والصراعات، حتى أصبحت اليوم جزءاً معترفاً به دستورياً من النظام السياسي العراقي.
 
إن الحديث عن إقليم كوردستان لا ينبغي أن يُختزل في خطاب قومي ضيق أو في صراع سياسي عابر، بل يجب النظر إليه ضمن إطار أوسع يتعلق بمستقبل العراق كدولة متعددة القوميات والثقافات. فالدستور العراقي لعام 2005 أقرّ بوضوح النظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان ككيان يتمتع بصلاحيات محددة ضمن الدولة، وهو اعتراف لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة مسار تاريخي طويل من النضال السياسي والتفاوض.
 
من هذا المنطلق، فإن التعامل مع الإقليم يجب أن يقوم على أساس الشراكة الدستورية لا على أساس الشكوك السياسية أو الاتهامات المتبادلة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاستقرار في العراق لا يمكن أن يتحقق عبر تهميش أي مكوّن رئيسي من مكوناته، بل من خلال بناء الثقة بين بغداد وأربيل وتعزيز مفهوم الدولة الاتحادية.
 
لقد لعب إقليم كوردستان دوراً مهماً خلال السنوات الماضية في الحفاظ على قدر من الاستقرار داخل العراق، خاصة في فترات الأزمات الكبرى. فعندما واجه العراق تهديد تنظيم داعش، كان التنسيق بين القوات العراقية وقوات البيشمركة أحد العوامل التي ساهمت في وقف تمدد التنظيم في العديد من المناطق. كما استقبل الإقليم مئات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات العراقية، في لحظة إنسانية كشفت عن قدرة المجتمع الكوردستاني على التعايش والانفتاح.
 
ومع ذلك، لاتزال العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان تمر بمراحل من التوتر بين الحين والآخر، غالباً بسبب ملفات معقدة مثل إدارة الموارد الطبيعية، وتوزيع الموازنات، وصلاحيات الإدارة المحلية. هذه القضايا بطبيعتها تحتاج إلى حوار مستمر وإرادة سياسية حقيقية لحلها ضمن إطار الدستور والقانون.
 
إن الخطاب السياسي المتشنج أو الاتهامات المتبادلة لا يخدم مصلحة العراق ولا مصلحة الإقليم. فالعراق اليوم يواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، تتطلب درجة أعلى من التنسيق والتفاهم بين جميع الأطراف السياسية. كما أن التطورات الإقليمية المتسارعة تجعل من الضروري الحفاظ على الجبهة الداخلية متماسكة، بعيداً عن أي تصعيد سياسي غير محسوب.
 
في هذا السياق، يمكن لإقليم كوردستان أن يلعب دوراً إيجابياً في تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي للعراق. فالإقليم يمتلك تجربة إدارية واقتصادية يمكن الاستفادة منها، كما أن موقعه الجغرافي وعلاقاته الإقليمية والدولية يمنحانه قدرة على أن يكون جسراً للتواصل الاقتصادي والاستثماري بين العراق والعالم.
 
وفي المقابل، يحتاج الإقليم أيضاً إلى استمرار الحوار مع بغداد لضمان حل القضايا العالقة بطريقة مؤسسية. فنجاح التجربة الاتحادية في العراق يعتمد على احترام الدستور وتطبيقه بروح الشراكة، وليس فقط بنصوصه القانونية.
 
إن مستقبل العراق كدولة مستقرة لا يمكن أن يتحقق دون ترسيخ مفهوم التعددية والشراكة بين مكوناته المختلفة. وإقليم كوردستان، بما يمثله من تجربة سياسية خاصة، يمكن أن يكون جزءاً من هذا المستقبل إذا ما توفرت الإرادة السياسية اللازمة لتعزيز الثقة المتبادلة.
 
في نهاية المطاف، يبقى الاستقرار في العراق مسؤولية مشتركة بين بغداد وأربيل وسائر القوى السياسية. فالحوار والتفاهم هما الطريق الوحيد لضمان بقاء العراق دولة مستقرة قادرة على مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية.
 
إن تجربة إقليم كوردستان، بكل ما فيها من نجاحات وتحديات، تظل مثالاً على إمكانية بناء نموذج للتعايش ضمن دولة اتحادية، وهو نموذج يحتاج إلى دعم وتعزيز بدلاً من أن يكون موضوعاً للجدل السياسي المستمر.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب