يثير الحضور السياسي الفرنسي المتجدد في الملف السوري تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تسعى باريس إلى لعبه في المرحلة المقبلة، ولاسيما في ظل التصريحات الصادرة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته، والتي توحي بأن فرنسا ترى نفسها طرفاً فاعلاً في إدارة الشأن السوري والمشاركة في رسم مساراته السياسية والأمنية في مرحلة ما بعد حكم الأسد.
يعكس هذا الخطاب الفرنسي طموحاً واضحاً لتعزيز الحضور السياسي لباريس في الساحة السورية خلال المرحلة المقبلة، مستنداً إلى إرث تاريخي من العلاقات، وشبكة ارتباطات سياسية معقّدة، ومواقف تُقدَّم بوصفها أكثر توازناً مقارنة بدول أخرى تنظر إلى سوريا باعتبارها ساحة لتقاطع النفوذ والمصالح.
يلاحظ المتابعون للشأن السوري أن الموقف الفرنسي من القضية الكوردية يتسم بقدر من الوضوح النسبي، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو في المحافل الدولية. إذ لا تخفي باريس دعمها لحقوق الكورد الثقافية والسياسية، وتؤكد في أكثر من مناسبة على ضرورة التوصّل إلى حل عادل يضمن شراكتهم الفعلية في مستقبل سوريا، ضمن إطار وطني جامع.
هذا التوجّه يفتح الباب أمام تساؤل مركزي: هل يمكن أن يشكّل أي إشراف أو دور فرنسي محتمل فرصة أفضل للكورد مقارنة بتجارب الرعاية الدولية السابقة، التي غالباً ما غلّبت مصالحها الاستراتيجية على حساب المكونات المحلية؟.
تزداد مشروعية هذا السؤال عند العودة إلى صفحات منسية من التاريخ السوري. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، إبّان الانتداب الفرنسي على سوريا، تقدّم عدد من رؤساء العشائر والوجهاء الكورد بعريضة رسمية إلى سلطات الانتداب، طالبوا فيها بإدارة ذاتية للمناطق ذات الغالبية الكوردية، بما يحفظ خصوصيتهم القومية ويضمن حقوقهم السياسية ضمن إطار الدولة السورية.
لم تكن تلك المطالب ذات طابع انفصالي، بل جاءت في سياق البحث عن صيغة تضمن التعايش والاستقرار، وتحدّ من سياسات التهميش التي عانى منها الكورد في مراحل لاحقة. ورغم أن تلك المطالب لم تجد طريقها إلى التطبيق آنذاك، فإنها شكّلت سابقة سياسية مهمّة، تعبّر عن وعي مبكر بأهمية التنظيم الذاتي والاعتراف بالتعددية القومية.
اليوم، ومع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، يبرز السؤال مجدداً حول إمكان إحياء نماذج الحكم الذاتي أو الإدارة اللامركزية، ولكن هذه المرة ضمن سياق دولي مختلف، وتحت رعاية أو إشراف دولي محتمل. صحيح أن الزمن تغيّر، وأن سوريا لم تعد ساحة انتداب كما كانت قبل قرن، إلا أن الثابت هو أن تجاهل القضية الكوردية، وعدم التوصل إلى حل عادل لها، سيبقي البلاد رهينة أزمات متجددة.
وإذا كانت فرنسا قادرة بالفعل على لعب دور ضامن، يحترم إرادة المكونات السورية، ويوازن بين المصالح الدولية وحقوق الشعوب، فإن ذلك قد يفتح نافذة أمل، لا للكورد وحدهم، بل لسوريا بأكملها، في بناء دولة ديمقراطية تعددية قائمة على الشراكة والمواطنة المتساوية.
إن الحديث عن دور فرنسي في سوريا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى عودة الوصاية أو الانتداب، بل كمطالبة بدور دولي مسؤول، يتعلّم من أخطاء الماضي، ويمنح الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، حقها المشروع في إدارة شؤونها ضمن دولة موحّدة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحوّل مطالب العشائر الكوردية التي كُتبت قبل قرن بالحبر على الورق، إلى واقع سياسي يُكتب اليوم بإرادة دولية مختلفة؟
ملاحظة تاريخية
وقّع على عريضة العشائر الكوردية عدد من الوجهاء ورؤساء العشائر والشخصيات السياسية الكوردية في تلك المرحلة، من بينهم: كامران بدرخان، جلادت بدرخان، ثريا بدرخان، ممدوح سليم، مصطفى شاهين، حمو مسلم، بوزان شاهين، نجيب برمده، رشيد شيخ إسماعيل زاده، صالح، قدري فؤاد جميل باشا، أحمد مليك، محمد فريد جميل باشا، أكرم قاسم جميل باشا، سعيد (قبيلة عزيزان – عشيرة كيكي)، إبراهيم (عشيرة مللان)، حاجو (عشيرة هفيركان)، حاج سليمان عباس (عشيرة دوركان)، عبدى مرعي آغا (عشائر آليان)، وعبدي آغا خلو (عشيرة ميرسنيان). ولاتزال تقييمات أدوار هذه الشخصيات ومواقفها محل نقاش وجدال في الكتابات التاريخية والسياسية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً