مجموعة من الصحفيين يتواجدون في غرفة بالبيت الأبيض حيث يجتمع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع أعضاء حكومته. الصحفيون خليط من النساء والرجال، وجميعهم من القنوات الأمريكية، باستثناء واحد هو ديار كوردة، مراسل رووداو في واشنطن، والذي دُعي كممثل لوسائل الإعلام الأجنبية.
في تلك الغرفة، ومثل الصحفيين الأمريكيين، رفع ديار يده لطرح سؤال. سمح له ترامب بذلك. وبهدوء، سأل ديار ترامب: "إقليم كوردستان، صديق أمريكا الذي تستثمر فيه الشركات الأمريكية، يتعرض لهجمات بالطائرات المسيرة ويقولون إنهم بحاجة إلى مساعدة أمريكية". كانت كل كلمات ديار حقائق. قال ترامب: "لقد طرحت سؤالاً غير عادي" وهو ليس "على رأس" جدول أعمالي، لكننا "سننظر في الأمر".
ما فعله ديار يوم الثلاثاء كان حدثاً تاريخياً له، ولرووداو، وللصحافة الكوردية، وفي الواقع للأمة الكوردية كشعب بلا دولة. حسناً، كيف تحولت رووداو، التي نشأت في مدينة أربيل قبل نحو عشرين عاماً كصحيفة محلية، إلى هذه القناة المؤثرة التي تُدعى اليوم لحضور أهم الاجتماعات والمؤتمرات الصحفية في العالم؟
كشخص يعود عملي في رووداو إلى ما قبل تأسيس تلفزيون رووداو، وإلى الوقت الذي كانت فيه رووداو مجرد صحيفة أسبوعية تصدر من مكتب بسيط قرب منطقة "إسكان" (كنا نأكل مرق البطاطس والطماطم في معظم الأيام)، أعرف شيئاً عن كيفية تحول رووداو إلى هذه المؤسسة المؤثرة اليوم. الأسباب كثيرة، لكن الشيء الوحيد الذي يميز رووداو عن القنوات الأخرى ليس سوى "رؤية عالمية" وضعها آكو محمد، مدير رووداو، منذ البداية، حيث كان يقول دائماً: "لا يجب أن نكون مجرد وسيلة إعلام محلية". كان يؤمن دائماً بأنه من الضروري والممكن إنشاء وسيلة إعلام عالمية انطلاقاً من كوردستان. وبشكل أكثر تحديداً، أعني بالرؤية العالمية للسيد آكو، هذه الأركان الخمسة التي تأسست عليها رووداو:
أولاً: فتح مكاتب لرووداو في دول العالم المهمة
اليوم تتواجد رووداو في واشنطن، نيويورك، موسكو، بكين، أنقرة، دوسلدورف، بغداد والعديد من المدن الأخرى. وهذا يجعل رووداو قادرة على التواصل عن كثب مع السلطات والسياسيين في تلك البلدان وطرح الأسئلة التي تهم مشاهديها ومستمعيها.
ثانياً: تأسيس رووداو كشبكة متعددة اللغات
حيث تمتلك، إلى جانب الكوردية، موقعاً ومنصات تواصل اجتماعي باللغات العربية والتركية والإنجليزية، وكان لها دور كبير في عولمة رووداو. عندما نجري مقابلة مع شخص ما، يهمه أن تُنشر بلغة يفهمها وينشرها لديه. وكثيراً ما قام أعضاء في الكونغرس وسياسيون عالميون آخرون بمشاركة مواد من موقع رووداو الإنجليزي. هذا جعل الناس يعرفون رووداو أكثر ويثقون بها.
ثالثاً: تغطية القضايا العالمية والإنسانية
عندما اندلعت حرب أوكرانيا، كان مهماً لمدير رووداو إرسال مراسل لتغطيتها. غطت رووداو قضية غرينلاند بعد تهديدات ترامب بالاستيلاء على تلك المنطقة الجليدية قرب القطب الشمالي، والعديد من الأحداث العالمية الكبرى الأخرى التي لا علاقة لها بالكورد من قريب أو بعيد، وبسبب ذلك تعرضنا للانتقاد، لكن كان لرووداو هدف أكبر لم يره الجميع، وهو أن تكون شبكة إعلامية عالمية موثوقة، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة الكورد.
رابعاً: التغطية المحايدة
لكن العالمية لا تعني فقط فتح مكاتب وإرسال مراسلين لمدن العالم. قبل ذلك، تعني التغطية المحايدة والعادلة. في داخل كوردستان أثناء الانتخابات، وعلى عكس معظم القنوات الأخرى التي تظهر كأبواق دعائية للأحزاب، أصبحت رووداو منبراً للمناظرات المدنية بين مرشحي الأحزاب المختلفة. هذا لا يقل أهمية على المستوى العالمي، حيث أن نشر تصريح لمسؤول عالمي بالخطأ أو بشكل متعمد قد يشوه سمعتك تماماً ويفقدك الثقة.
عندما تطبق واشنطن، على سبيل المثال، سياسة سيئة للكورد، لا تقوم رووداو بتغيير فحواها، بل تنشرها كما هي، لأن رووداو تدرك أن وظيفة الإعلام هي فقط إيصال المعلومة الصحيحة. ذات مرة نشرت رووداو مادة عن قدرات طائرة (بيرقدار) المسيرة التركية. أتذكر أنه في التعليقات، وُجهت الكثير من الكلمات البذيئة والشتائم لرووداو. إنها حقيقة مرة أنه بينما كانت تركيا تقصف قرى كوردستان الحدودية، شهدت تطوراً كبيراً في مجال صناعة الطائرات المسيرة وحتى تصديرها لأوروبا، لكن هل يجب على رووداو نشر الحقائق الحلوة فقط؟ هل إذا فعل الإعلام ذلك فقط، ألن ينشأ شعب غافل وجاهل؟
قد لا يعرف الناس أنه يتم عقد اجتماعات يومية في رووداو حول ما يجب نشره، وما الذي يجب جعله خبراً رئيسياً، وما لا يجب تغطيته ولماذا! أجرينا اجتماعات ومناقشات طويلة حول المصطلحات التي نستخدمها لتغطية شيء ما بحيادية وصدق. على سبيل المثال، عندما أزيح محمد مرسي عن السلطة، وصفته رووداو بـ "الانقلاب" مثل وسائل الإعلام المحترفة الأخرى في العالم، لأن تعريف القاموس للانقلاب هو إزاحة سلطة منتخبة عن طريق القوة، وهذا بالضبط ما حدث في مصر. لا يهم ما إذا كنا نحب ذلك أم لا. إذا كنت سعيداً بذلك، اذهب وارقص بعد دوام رووداو. وإذا كنت مستاءً، فابكِ بحرقة عندما تعود للمنزل، لكن عندما تكون في رووداو، يجب أن تغطي بحيادية. في رووداو، حاولنا دائماً استخدام كلمات دقيقة ومحايدة ولا تحتمل الكثير من التأويلات، ومع ذلك لا توجد وسيلة إعلام مثالية، وتعترف رووداو بأنها مشروع لم يكتمل وتسعى باستمرار للتطور.
خامساً: الصحفي ليس ناشطاً
نقطة أخرى أكدت عليها رووداو دائماً هي أن الصحفي لا يجب أن يكون ناشطاً لأي قضية. صحيح أننا من كوردستان وشعب بلا دولة، ولكن عندما نشارك في المؤتمرات الصحفية العالمية، لا يجب أن نتحدث بانفعال أو أن تحمل أسئلتنا عداءً لأحد. يجب فقط أن نسأل بهدوء وباستخدام كلمات دقيقة وحقائق. وبما أن المشاهد والمستمع الرئيسي لقناتنا هو الكوردي، فبالتأكيد معظم أسئلتنا ستتعلق بالكورد، لكننا نسأل أيضاً عن هموم الشعوب الأخرى لأن رووداو، مرة أخرى، تريد أن تكون قناة عالمية، وأن يعرف الناس في كل زاوية من العالم أي قناة هذه بمجرد رؤية الحرف الإنجليزي (R) المحاط بأشعة الشمس.
منذ فترة، عندما أطرح أسئلة في الأمم المتحدة بنيويورك، أقول فقط: "أنا نامو عبد الله من شبكة رووداو الإعلامية". تماماً كما لا تقول الجزيرة "جزيرة قطر" ولا تقول بي بي سي "القناة البريطانية". لم يعد ضرورياً أن أقول من أين هي قناة رووداو لأن رووداو قناة عالمية، كل ما في الأمر أن مكتبها الرئيسي يقع في أربيل، عاصمة إقليم كوردستان العراق.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً