ليست مقاطع الفيديو في البصرة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مشاهد صادمة عابرة، بل وثائق إدانة أخلاقية مفتوحة، مشهد فتاة يلتف حولها حشد بشري متوحش، يضغط، يصرخ، ويمد الأيدي بلا رادع، هو مشهد لم أعتد أن أراه إلا في أفلام الرعب، حين تحيط كائنات مفترسة بفريستها قبل الانقضاض، الفرق الوحيد أن تلك الأفلام خيال، أما ما شاهدناه فكان واقعاً حياً في شوارع العراق.
المأساة لا تكمن في الجريمة وحدها، بل في السياق الذي سمح لها أن تحدث، وفي الصمت الذي أعقبها، وفي محاولات التبرير التي لحقتها. كأن ما جرى أمر طبيعي، أو انفلات لحظي، أو حادثة يمكن تجاوزها بالنسيان، لكن الحقيقة أكثر قسوة، ما حدث هو انهيار أخلاقي جماعي، وانكشاف فاضح لمنظومة فشلت في حماية الإنسان، لاسيما حين يكون ضعيفاً أو امرأة.
في الليلة نفسها، وفي المناسبة نفسها، كانت هناك صور أخرى قادمة من أربيل، عشرات الآلاف في الشوارع، عائلات كاملة نساء وأطفال، احتفالات جماهيرية واسعة، موسيقى وضحك وأضواء، بلا تحرش بلا فوضى، بلا خوف، لم تكن المدينة محصّنة بمعجزة، ولم يكن المجتمع ملائكيا، بل كانت هناك إقليم قررت أن الأمن ليس تفصيلاً، وأن الجسد خط أحمر، وأن الشارع مساحة عامة تدار بالقانون لا بالغريزة.
هنا لا يعود الحديث عن حادثتين منفصلتين، بل عن اختبار حضاري واحد، اختبار فشلت فيه الدولة العراقية، ونجح فيه إقليم كوردستان بهدوء وثبات، الجغرافية واحدة، لكن الوعي مختلف، الاسم واحد، لكن منظومة القيم والسلوك العام متناقضة. ووسط هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بمرارة: هل هذا ما تعلمه العراقيون من جدهم الإمام علي بن أبي طالب (ع)؟.
كثيرون يرددون بفخر أنهم أحفاد الإمام علي، ويتخذون اسمه راية أخلاقية وهوية جامعة، لكن الإمام علي (ع) بريء كل البراءة من هذه الأفعال، بل إن ما حدث يقف على النقيض التام من سيرته وقيمه، الإمام علي (ع) لم يكن رمزاً للقوة وحدها، بل كان رمزاً للعدل، ولحماية الضعيف، ولصون كرامة الإنسان أيا كان، وما قاله الإمام علي (ع): (ما يؤلمني يؤلم غيري). وكان يرى أن إيذاء الإنسان جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة اجتماعية. بل إن الروايات تشير إلى أنه، حتى في الجاهلية، كان يعتبر كرامة الإنسان خطاً أحمر لا يتجاوز، ويأنف من إلحاق الأذى بهم، لأنه كان يؤمن بأن ما قد يؤلمه هو قد يؤلم غيره، وربما أكثر. فأي فجوة هذه بين ما نردده بألسنتنا، وما نمارسه في شوارعنا؟.
وما يزيد بشاعة المشهد أن وجوه المعتدين لم تكن مخفية، لم نتحدث عن جريمة في الظل، بل عن اعتداءات ارتكبت أمام الكاميرات، وفي وضح المكان، وبحضور مئات الشهود. هذا وحده يضع مسؤولية مباشرة على عاتق الحكومة العراقية فالقانون، إن كان موجوداً فعلاً، يجب أن يطبق دون تردد التعرف على هؤلاء الرجال، إلقاء القبض عليهم، ومحاكمتهم علنا، لا بدافع الانتقام، بل ليكونوا درساً قانونياً وأخلاقياً لا ينسى.
الدولة التي تتهاون مع الجريمة العلنية ترسل رسالة خطيرة مفادها أن الشارع بلا سيد، وأن الجسد مباح، وأن المعتدي محمي بالصمت أو بالتقاعس لا يمكن الحديث عن قيم أو أخلاق أو انتماء ديني، في ظل عجز واضح عن فرض أبسط قواعد الردع.
التحرش الجماعي ليس اندفاع شباب، بل نتيجة مباشرة لسنوات من الإهمال، والفساد، وتفكيك فكرة الدولة حين لا يعاقب المعتدي، يصبح أكثر جرأة وحين لا تحمى الضحية، تتحول هي إلى متهمة. وحين تغيب الدولة، يحل محلها قانون الغاب، حيث الأقوى عددياً أو جسدياً يفرض سطوته بلا رقيب.
ومن موقعي كامرأة تعيش في إقليم كوردستان، لا أكتب من مسافة بعيدة عن الواقع، بل من تجربة يومية هنا، ورغم كل الأزمات السياسية والاقتصادية، أخرج إلى الشارع دون أن أحسب عدد الأيدي من حولي، ودون خوف من أن يتحوّل الزحام إلى تهديد، هذا الإحساس بالأمان لم يأت صدفة، بل نتيجة قرار واضح بأن حماية الإنسان، وبالأخص المرأة، ليست شعاراً إعلامياً، بل واجب دولة.
العالم لا يحاكم الدول عبر بيانات وزاراتها، بل عبر صور شوارعها، صورة فتاة تسحب وسط الزحام أقوى من ألف خطاب رسمي وصورة عائلة تحتفل بأمان أقوى من أي ادعاء حضاري. ولهذا، لا يمكن بعد اليوم تسويق فكرة أن العراق وإقليم كوردستان شيء واحد على مستوى الثقافة والسلوك العام قد تجمعهما الجغرافية، لكن الوعي يفرق، وطريقة إدارة الإنسان تفصل.
إقليم كوردستان لم يصل إلى هذا المستوى صدفة، ولا لأن شعبه مختلف بطبيعته، بل لأنه اتخذ، منذ سنوات، قراراً سياسياً واجتماعياً واضحاً، ربط الأمن بالثقافة، وربط القانون بالكرامة الإنسانية، بينما اختارت بغداد، أو فشلت، في أن تفعل الشيء نفسه، رغم المال، ورغم الموارد، ورغم السلطة المركزية.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، العراق اليوم، لن يصل إلى مستوى إقليم كوردستان في الثقافة العامة، واحترام الإنسان، وأمن الشارع، ما لم يواجه أزمته الأخلاقية بشجاعة، ويتوقف عن تبرير السقوط باسم الدين أو العادات أو الأعذار الجاهزة، هذه ليست دعوة للكراهية، بل دعوة للمواجهة مع الحقيقة، الحضارة لا تقاس بما نملكه من تاريخ، بل بما نفعله حين نختبر، والصور لا تكذب، والتاريخ لا يرحم من يبرر الانهيار بدل أن يعترف به.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً