ما قام به الإعلام الكوردي، وخصوصاً إعلام إقليم كوردستان تجاه ما تعرض له إخوتهم في روجافا كوردستان، لم يكن مجرد تغطية إخبارية أو تعاطف إنساني عابر، بل كان فعلاً سياسياً واعياً، وسلاحاً ناعماً مارس دوره بوضوح في لحظة اختبار حقيقية.
لقد أثبت هذا الإعلام أن الكورد حين يمتلكون الصوت والمنصة، قادرون على كسر العزلة، وتوحيد الصف، وفرض حضورهم على طاولة الاهتمام الدولي، التاريخ الكوردي مثقل بالمأسي التي لم تروا كما يجب، لا لأنها أقل فظاعة، بل لأنها حدثت في العتمة، الأنفال، حلبجة، التهجير القسري، دفن الناس أحياء، القرى التي مسحت من الخريطة. كلها جرائم كبرى، لكنها بقيت سنوات طويلة بلا سردية عالمية عادلة.
قتل الكورد لأن روايتهم لم تسمع، ودفنت الجرائم لأن من ارتكبها امتلك الكاميرات، وتحكم بالصورة، وفرض روايته على العالم، غياب الإعلام لم يكن تفصيلاً، بل كان جزءاً من الجريمة نفسها، اليوم تغير المشهد جذرياً، نحن نعيش في زمن لم يعد فيه السلاح وحده هو الحاسم في الصراعات، الصورة، الرواية، والقدرة على الوصول إلى الرأي العام أصبحت أدوات تأثير تفوق في كثير من الأحيان فاعلية المدافع، وقد نجح الإعلام الكوردي، عبر القنوات الفضائية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، في بناء حالة وعي غير مسبوقة، لا داخل كوردستان فقط، بل في أوساط الجاليات الكوردية المنتشرة في أوروبا وأميركا وأستراليا والشرق الأوسط.
ما جرى في روجافا كوردستان كشف حقيقة واضحة الإعلام قادر على تحويل الألم المحلي إلى قضية عالمية، والدم المسفوك إلى خطاب سياسي ضاغط، والحدث الميداني إلى ملف مفتوح أمام الرأي العام الدولي، لم تعد الجريمة ترتكب في صمت، ولم يعد بالإمكان عزل الكورد عن العالم كما في السابق، الإعلام الكوردي اليوم تجاوز الجغرافية، لم يعد أسير حدود إدارية أو لغوية، بل تحول إلى شبكة وعي عابرة للقارات، وحد الكورد حول سردية واحدة، مفادها نحن شعب يستهدف، لكنه لم يعد صامتاً، ولم يعد معزولاً، ولم يعد بلا رواية، ومع ذلك ورغم هذا التطور المهم، لا يمكن إنكار وجود نقص استراتيجي خطير في معركتنا الإعلامية.
لماذا نحتاج قناة كوردية عالمية ناطقة بالإنكليزية؟
لأن العالم لا يسمعنا بلغتنا فقط، ولأن صانع القرار الدولي، والإعلام الغربي، ومراكز البحث، والبرلمانات، ومنظمات حقوق الإنسان، يتلقون معلوماتهم عبر إعلام ناطق بالإنكليزية، يقدم الأحداث غالباً من زوايا لا تعكس الحقيقة الكوردية كاملة، وأحياناً تحولها إلى قضية بلا سياق سياسي أو مرجعية، نحن بحاجة إلى قناة فضائية كوردية ناطقة بالإنكليزية، قناة مهنية وجريئة، لا تعمل بمنطق الدفاع الدائم أو التبرير، بل بمنطق الرؤية الواثقة قناة تنافس المؤسسات الإعلامية الكبرى، لا لتقليدها بل لتقديم الرواية الكوردية من منظور مستقل، واضح، وراسخ، هذه القناة ليست مشروعاً ترفيهياً أو إضافة شكلية، بل ضرورة وجودية لعدة أسباب:
أولاً: نقل الحقيقة إلى العالم بلا وسيط حين نمتلك المنصة، لا ننتظر ترجمة ناقصة أو تحليلاً مشوهاً، نحن من يروي قصته، بلغته السياسية، وبمفاهيمه الحقوقية.
ثانياً: حماية الحقوق الكوردية سياسياً، لاسيما وأن الجريمة حين توثق وتبث عالمياً، تتحول من فعل عسكري إلى عبء سياسي وأخلاقي على مرتكبها الإعلام، وهنا يصبح أداة ردع حقيقية.
ثالثاً: كسر الصورة النمطية عن الكورد من شعب يقدم دائماً كأقلية مضطهدة أو قضية إنسانية إلى شعب منظم، واع يمتلك مشروعاً سياسياً وإعلامياً، ويعرف كيف يخاطب العالم بلغة المصالح والقيم.
رابعاً: بناء ضغط دولي مستدام، الإعلام الإنكليزي لا يصنع تعاطفاً لحظياً فقط، بل يؤثر في السياسات، ويغذي التقارير، ويشكل الرأي العام داخل مراكز القرار.
الإعلام هو خط الدفاع الأول
ما أثبته الإعلام الكوردي في روجافا كوردستان حقيقة قاسية لكنها واضحة حين لا نملك إعلاماً، يقتل شعبنا في الظل، وحين نمتلكه، يتردد المعتدي، ويحسب حساب الكلفة السياسية المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية حقيقية، لا تسكيناً مؤقتاً، بل استثماراً جدياً ومستداماً في الإعلام، إعداد كوادر محترفة متعددة اللغات تطوير منصات رقمية عالمية وإطلاق قناة إنكليزية قوية تمثل الكورد بلا خوف ولا اعتذار. الإعلام لم يعد مكملاً للنضال، بل أحد أعمدته الأساسية ومن دون معركة إعلامية واعية، ستبقى معارك الوجود منقوصة.
العالم لا يحترم من لا يسمع صوته والكورد اليوم، وللمرة الأولى في تاريخهم الحديث، يملكون فرصة حقيقية ليسمع صوتهم، فإما أن يستثمروها بوعي، أو يضيعوا بها، كما أضيعت فرص ثمينة من قبل.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً