سوريا: لورانس العرب، اتّصل بمكتبك! ̽

23-06-2021
حسين عمر
الكلمات الدالة جون بولتون سوريا
A+ A-
 
رووداو ديجيتال

أدناه ترجمة لجزء من الفصل السابع من كتاب جون بولتون، المستشار الأسبق للأمن القومي لأميركا، "الغرفة التي شهدت الأحداث"، وهو الجزء المتعلّق بسوريا وغرب كوردستان. 
  
بعد الضربة الانتقامية التي وجهّناها للأسد في أبريل/نيسان على هجومه بالأسلحة الكيميائية في دوما، عادت مسألة سوريا للظهور مجددّاً على نحوٍ غير مباشر، من خلال احتجاز تركيا للقسّ أندرو برونسون. كان القس، وهو واعظٌ إنجيلي لا علاقة له بالسياسة، يعيش مع أسرته ويعمل في تركيا قبل عقدين من توقيفه في عام 2016، بعد انقلابٍ عسكريٍّ فاشل ضدّ الرئيس رجب طيب أردوغان. أصبح برونسون ورقة مساومة، من خلال اتّهامه بكلّ وقاحة بالتواطؤ مع أتباع فتح الله غولن، وهو داعية إسلامي يعيش في أمريكا، كان فيما مضى أحد حلفاء أردوغان، ولكنّه أصبح الآن عدّوّاً مداناً على نحوٍ مهووس على أنّه إرهابي. بعد عودة ترامب من هلسنكي مباشرةً، اتّصل به أردوغان لاستكمال ما تمّ التطرّق إليه في لقائهم القصير خلال قمّة ناتو (ولاحقاً اتصال هاتفي) بشأن برونسون و«علاقته» مع غولن. كما طرح أردوغان موضوعاً أثيراً آخر، والذي كثيراً ما ناقشه مع ترامب، ألا وهو إدانة محمد أتيلا، وهو مسؤول كبير في بنك «خلق» الحكومي بتهمة الاحتيال المالي من خلال انتهاكات واسعة لعقوباتنا المفروضة على إيران(1).
 
كان هذا التحقيق الجنائي الجاري يهدّد أردوغان نفسه بسبب الادعاءات بأنّه كان هو وعائلته يستخدمون بنك «خلق» لأغراضٍ شخصية، تمّ تيسيرها بشكلٍ أكبر عندما أصبح صهره وزيراً للمالية في الحكومة التركية(2). بالنسبة إلى أردوغان، كان فتح الله غولن و«حركته» مسؤولين عن إثارة قضية بنك «خلق»، وبالتالي، كان يعتبر كلّ هذا جزءاً من مؤامرة ضدّه، ناهيك عن أنّها ضدّ ثروة عائلته المتنامية. أراد أن يتمّ إسقاط قضية بنك «خلق»، وهو أمر غير مرجح الآن بعد أن غرق المدّعون العامّون في الولايات المتحدة عميقاً في التحقيق في عمليات الاحتيال التي يقوم بها البنك. 
 
في النهاية، خشي أردوغان من التشريع المعلّق في الكونجرس والذي من شأنه أن يوقف بيع طائرات اف 35 لتركيا لأنّ أنقرة كانت قد اشترت منظومة الدفاع الجوي الروسية «اس-400». وإذا ما أُكمِلت هذه الصفقة، فسوف تؤدّي أيضاً إلى فرض عقوبات إلزامية على تركيا بموجب قانون العقوبات المناهض لروسيا، الصادر في عام 2017. وكان لدى أردوغان الكثير ممّا يدعو للقلق.  
 
غير أنّ ما أراده ترامب كان محدوداً: متى سيتمّ الإفراج عن برونسون ليعود إلى أمريكا، الأمر الذي كان يعتقد أن أردوغان كان قد تعهّد به؟ قال أردوغان أنّ هناك فقط استمرارية للإجراءات القضائية وأنّ برونسون لم يعد مسجوناً، وإنّما هو رهن الإقامة في منزله في مدينة ازمير التركية. وقد ردّ ترامب بأنّه يعتقد أنّ هذا ليس مجدياً أبداً لأنّه توقّع أن يسمع أردوغان يخبره بأنّ برونسون، وهو مجرّد كاهن محلّي، سوف يعود إلى بلاده. أكّد ترامب على صداقته مع أردوغان ولكنّه ألمح إلى أنّه سيكون من المستحيل بالنسبة إليه إصلاح المشكلات الصعبة التي تواجه العلاقات الأمريكية-التركية ما لم يعد برونسون إلى الولايات المتّحدة. كان ترامب بالفعل محتدّاً. نظر ترامب إلى تيلرسون وعلامات الحيرة بادية على وجهه بشأن قضية غولن (والتي زعم ترامب أنّه يسمع بها للمرّة الأولى)، ثمّ قال بشكلٍ لا يُصدّق (وبشكلٍ غير دقيق) بأنّ أردوغان قد أخبره بأنّ برونسون سوف يعود إلى بلاده. وأردف ترامب متذمّراً أنّه لهذا السبب سوف لن يتعامل أحدٌ مع أردوغان، خاصّة وأنّ المجتمع المسيحي الأمريكي بأكمله كان مستاءً بشأن هذا القسّ؛ وقد وصلوا إلى مرحلة الجنون. وقد أجاب أردوغان أنّ المجتمع الإسلامي في تركيا أيضاً قد وصل إلى مرحلة الجنون، ولكنّ ترامب قاطعه ليقول بأنّهم كذلك في العالم برمّته، وهم أحرار بذلك. ثمّ انحدر النقاش بعد ذلك إلى مستوى متدنٍ وخارجٍ عن السيطرة إن جاز التعبير.
 
وقد وجد ترامب أخيراً من يستمتع بفرض العقوبات عليه، قائلاً: «إنّ عقوبات كبيرة» سوف تترتّب إن لم يعد برونسون إلى الولايات المتّحدة. في الثاني من شهر أغسطس/آب، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين(3)، وبعد مضي يومين، فرضت تركيا عقوبات على نظيريهما الأمريكيين، سيشنز ونيلسن، كردٍّ على الإجراء الأمريكي(4). ومع أننا كنّا قد ناقشنا هذه الإجراءات مع ترامب، فقد أخبرني في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم أنّه يعتقد أنّه من المهين لتركيا أن يتمّ فرض عقوباتٍ على مسؤولين حكوميين، وأراد أن يضاعف الرسوم الجمركية المفروضة على الحديد الوارد من تركيا بنسبة 50% الأمر الذي طلبه من الفريق الاقتصادي. كان ترامب قد فرض في جميع أنحاء العالم رسوماً جمركية على الصلب والالمنيوم لأسباب تتعلّق بالأمن القومي في مارس/آذار 2018، بموجب المادة 232 من قانون التوسّع التجاري الصادر في عام 1962، وهو قانون غير مشهور كثيراً وأولاه ترامب اهتماماً كبيراً في سياسته التجارية. كانت ذرائع الأمن القومي غامضة في أحسن الاحوال، وكانت الرسوم الجمركية المفروضة بموجب المادة 232 حمائية، تقليديّاً. إنّ استخدام هذه الرسوم الجمركية الآن للتأثير السياسي من أجل الحصول على إطلاق سراح برونسون ينتهك كلّ مبرّر قانوني معروف، مهما كان السبب. بالطبع، أحسّ ترامب بأنّ لا أحد سوف يتحدّاه في هذه الظروف. لقد ذهبنا بعيداً. 
 
خشي الأتراك من تفاقم المشاكل مع أمريكا، فأرادوا مخرجاً، أو هكذا اعتقدنا، من خلال السعي في إجراء مبادلة بين برونسون والتحقيق الجنائي بشأن بنك «خلق». كان هذا في أحسن الأحوال أمراً غير لائقٍ، لكنّ ترامب أراد أن يخرج برونسون، ولذلك تفاوض بومبيو ومنوشن مع نظيريهما التر كيين (وقد شارك منوشن في هذه المهمّة لأنّ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة كان يبحث أيضاً في قضية بنك «خلق») (5). في محادثات ثلاثية، اتّفقنا، منوشن وبومبيو وأنا، على أنّه لن يتمّ عمل أيّ شيء من دون موافقة كاملة من المدّعين العامين في المنطقة الجنوبية من نيويورك، التي كانت القضية متعلّقة فيها، وهي قضية التورّط بأكثر من عشرين مليار دولار من خلال انتهاكات للعقوبات المفروضة على إيران. (خلال الأيام التي أمضيتها في وزارة العدل، كنّا نُسمي المنطقة الجنوبية في نيويورك «المنطقة الجنوبية ذات سيادة في نيويورك»، لأنّها كانت تقاوم غالباً سيطرة «العدالة الرئيسية» ناهيكم عن سيطرة البيت الأبيض). في مرّات عديدة، كان منوشن مندفعاً معتقداً بأنّه قد توصّل إلى اتفاقٍ مع وزير المالية التركي. كان هذا نموذجياً: كلّما كان منوشن يتفاوض مع المحتالين الأتراك أو كبار موظفي التجارة الصينيين، كان الاتفاق يلوح دائماً في الأفق. وفي كلّ حالة، كانت الصفقة تنهار عندما يفسدها القضاء، الأمر الذي كان سبباً في أنّ سلوك هذا الطريق لإطلاق سراح برونسون لم ينجح أبداً. قال بومبيو: «إنّ الأتراك لا يستطيعون أن يحيدوا عن طريقهم الخاصّة»، لكنّ في الحقيقة كان المدّعون العامون في القضاء هم الذين رفضوا بحقّ الاتفاقات التي تكاد أن لا تساوي شيئاً من وجهة نظر حكومة الولايات المتحدة. في هذه الأثناء، استمرّت قيمة العملة التركية بالانخفاض بسرعة، ولم يكن أداء سوق الأسهم فيها أفضل بكثير. 
 
كنّا نعاني من مشكلة مع مفاوضين متعددين على كلا الجانبين. كانت هالي تُجري مباحثات مع سفير تركيا لدى الأمم المتّحدة، والتي قال الأتراك بأنّهم لا يفهمونها. ولا نحن كذلك. قال بومبيو متجهّماً بأنّه سوف يحلّ هذه المشكلة بالطلب من هالي بأن تكفّ عن الاتصالات غير المأذون بها مع الأتراك، والتي تُربك ما هو مربكٌ أصلاً بما فيه الكفاية. لحسن الحظ، نجح الأمر هذه المرّة. ومع ذلك، لم تسفر الجهود الدبلوماسية عن شيء بشأن قضية برونسون. وافق ترامب على استمرار المباحثات، ولكن تبيّن أن ما كان يؤمن به ترامب حول أردوغان صائباً، وهو أنّ وحدها الضغوط الاقتصادية والسياسية كفيلة بأن تُطلق سراح القس برونسون، وهنا على الأقلّ، لم تكن لدى ترامب مشكلة في تطبيق هذا الخيار على الرغم من الحديث المفرح الذي أدلى به منوشن. وتحوّل أردوغان على الفور من أحد أقرب أصدقاء ترامب الدوليين إلى عدوٍّ لدود. وقد أبقى ذلك آمالي حيّة في أنّ فلاديمير بوتين، وشي جين بينغ، وكيم جونغ اون، أو آخرين، سوف يكشفون لا محالة، في الوقت المناسب، حقيقتهم أمام ترامب، وعندئذٍ، سوف نعيد سياساتنا الخاطئة إلى جادة الصواب. كما كان من الممكن بالطبع أن يعود ترامب إلى حالة «أفضل صديق»، وهذا ما حصل هنا بالفعل بعد بضعة أشهر. ومن المثير للسخرية أنّه على الرغم من أنّ وسائل الإعلام صوّرت ترامب على أنّه مناهضٌ للمسلمين بشدّة، إلا أنّه لم يستوعب أبداً- على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها الحلفاء الرئيسيون من قادة أوروبا والشرق الأوسط ومستشاروه الخاصّون في شرح ذلك- لم يستوعب أبداً أنّ أردوغان كان بنفسه إسلامياً متشدّداً. لقد كان مشغولاً بتحويل تركيا من دولة كمال أتاتورك العلمانية إلى دولة إسلامية. وقد دعم حركة: الإخوان المسلمون، وغيرها من الحركات المتشدّدة في الشرق الأوسط، من خلال تمويل حماس وحزب الله، ناهيكم عن عدائه الشديد لإسرائيل، كما ساعد إيران في الإفلات من العقوبات الأمريكية. يبدو أنّه لم ينجح في ذلك أبداً. 
 
في هذه الأثناء، سئم ترامب من التأخير والتسويف من جانب تركيا، وفي العاشر من أغسطس/آب، وعلى الرغم من السلطة القانونية المشكوك فيها، أمر برفع الرسوم الجمركية على الصلب التركي بنسبة 50% وعلى الألمنيوم بنسبة 20%، وهي ربّما المرّة الأولى في التاريخ التي يتمّ فيها فرض الرسوم الجمركية عبر التويتر، إذ غرّد ترامب: 
 
لقد أجزتُ للتوّ مضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم فيما يتعلّق بتركيا، في حين تتدهور عملتهم، الليرة التركية سريعاً مقابل دولارنا القويّ جدّاً بالفعل! سيكون الألمنيوم الآن 20%، والحديد 50%. علاقتنا مع تركيا ليست جيّدة في هذه المرحلة! 
 
اتّخذت تركيا اجراءات انتقامية من خلال رسومها الجمركية الخاصّة، وردّ ترامب بطلب فرض المزيد من العقوبات. حاول منوشن إبطاء اندفاع ترامب نحو العقوبات، الأمر الذي اعتقدتُ أنّه سوف يحبطه أكثر. ثمّ اقترح نائب الرئيس أن يتّصل جاريد كوشنر مع وزير المالية التركي، حيث كانا صهري قائدي بلديهما. وفي الواقع، ما الخطأ في ذلك؟ أخبرت بومبيو ومنوشن بشأن قناة «الصهرين» الجديدة هذه، الأمر الذي أغضب كليهما أشدّ الغضب، منوشن لأنّ الصهر التركي هو نظيره كوزير للمالية، وبومبيو لأنّ هذا الأمر كان مثالاً إضافياً لقيام كوشنر بمفاوضات دولية ما كان عليه أن يقوم بها (جنباً إلى جنب مع خطّة السلام في الشرق الأوسط غير الجاهزة تماماً). 
 
لطالما استمتعتُ بإحضار الأخبار السارّة. لقد طار ترامب وكوشنر لجمع تبرعات سياسية في هامبتونز التي كان قد وصل منوشن إليها، وقد اتّصل بي كوشنر لاحقاً لكي يخبرني أنّ منوشن «قد هدأ». كما قال كوشنر بأنّه قد أخبر الصهر التركي بأنّه قد اتّصل به بصفته الشخصية على سبيل «الصداقة» وأنّ هذا لا يشير بأيّ حالٍ من الأحوال إلى «ضعف» الأتراك. كنتُ أشكّ في أنّ الأتراك صدّقوا أيّ شيءٍ من ذلك.   
 
في 20 أغسطس/آب، اتّصل ترامب بي في إسرائيل بشأن حادثة اطلاق النار بالقرب من سفارة الولايات المتّحدة في أنقرة. وكنتُ قد وقفتُ على الحادثة، واكتشفتُ أن الأمر يتعلق بمسألة جنائية محلية، لا علاقة لها بالولايات المتّحدة. ومع ذلك، تساءل ترامب إن كان ينبغي علينا إغلاق السفارة، وبالتالي التصعيد بشأن قضية برونسون، وربّما القيام بشيءٍ إضافي، من قبيل إلغاء العقد المبرم مع تركيا بشأن طائرات اف-35. اتّصلت مع بومبيو وآخرين لاطلاعهم على المعلومات وطلبتُ من موظّفي مجلس الأمن القومي مرافقتي في السفر لكي نقيّم ما هي الخيارات التي يمكن أن تكون متاحة. ارتأى بومبيو أنّه يتعيّن علينا أن نعلن أنّ السفير التركي شخصٌ غير مرغوبٍ فيه وأن نوجّه المشرّعين في وزارة الخارجية بالاتصال بمستشار البيت الأبيض للبحث في اتّخاذ المزيد من الإجراءات. كانت هذه الخطوات غير تقليدية، ولكننا بذلنا جهداً كبيراً في قضية برونسون، ومع ذلك لم نضمن بعد إطلاق سراحه. ومع ذلك، وخلال بضعة أيام، عكس ترامب مساره، مقرراً عدم القيام بأيّ شيء بشأن سفارتنا في أنقرة أو السفير التركي، والعودة بدل ذلك إلى فكرة فرض المزيد من العقوبات. قال لي: «لك الأمر بشأن تركيا»، الأمر الذي يعني، بشكلٍ أساسي، معرفة ما ينبغي القيام به. وقد عاد وأكّد على هذه الرؤية بعد عدّة أيام، عندما قال: «اضربهم، انهِهم، لك ذلك»، وأخبر ميركل في مكالمة هاتفية أنّ أردوغان قد أصبح بليداً جدّاً بشأن قضية برونسون، وقال بأننا سوف نفرض عقوبات جوهرية في الأيام القادمة. أراد القطريون، الذين مدّوا تركيا بشريان حياة اقتصادي كبير(6)، أن يتطوّعوا بالمساعدة في قضية برونسون، ولكنّه كان من الصعب أن نرى جهودهم تحقّق أيّ نجاحٍ. 
 
في الواقع، كان هناك تقدّم طفيف من الناحية الدبلوماسية، حتى وإن ظلّت آثار العقوبات والانقسام الواضح مع الولايات المتّحدة حول قضية برونسون وقضايا أخرى (مثل شراء نظام الدفاع الجوي الروسي اس-400)، تعيثُ خراباً في الاقتصاد التركي. وقد تحرّكت تركيا، التي كانت بحاجة ملحّة إلى استثمارات خارجية مباشرة، سريعاً في الاتجاه المعاكس، الأمر الذي أثّر في نهاية المطاف على صناعة القرار فيها. مهّد نظامها القضائي الطريق أمام جلسة استماعٍ أخرى، يوم الجمعة، الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأوّل، في مدينة ازمير، حيث كان برونسون قيد الإقامة الجبرية منذ شهر يوليو/تموز. مع ظهور إشارات قويّة على أنّ المحكمة تتّجه نحو إطلاق سراحه، أعدّت وزارة الدفاع طائرة في ألمانيا في حال دعت الحاجة إلى نقل برونسون وأسرته. وعلى نحوٍ غريب، أدانت المحكمة برونسون بتهمة التجسّس وجرائم مرتبطة (كانت مثيرة للضحك)، وحكمت عليه بالسجن مدّة خمس سنوات، ومن ثمّ، وبسبب المدّة التي قضاها في الحبس وعوامل مخفّفة أخرى، تمّ الإفراج عنه. وقد أظهرت النتيجة أنّ مزاعم أردوغان بأنّ برونسون كان جاسوساً قد «بُرّرت» بأغراضه السياسية الداخلية، لكن برونسون أصبح حرّاً، طليقاً(7).    
 
في الساعة التاسعة وخمس وثلاثين دقيقة صباحاً، اتّصلت بترامب، والذي كان لا يزال كالعادة موجوداً في مقرّ إقامته، وأخبرته بأننا متأكدين بنسبة 95% بأنّ برونسون قد أصبح في الخارج. كان ترامب منتشياً، وشطح بالتغريد مباشرة وراح بعيداً، مازجاً في التغريدة الأسباب التي تُظهر أنّ إيفانكا ستكون سفيرة عظيمة لأمريكا في الأمم المتّحدة. أراد أن يُجلَبَ برونسون مباشرةً إلى البيت الأبيض، دون التوقّف في المركز الطبي الأمريكي في قاعدة لاندستول في ألمانيا، لإجراء الفحص الطبي وتقديم العلاج إن دعت الحاجة. وقد أدى تأخّر وصول طائرة البنتاغون إلى ازمير إلى أن يضطرّ برونسون إلى المبيت في ألمانيا، على أيّ حال. وهذا يعني بدوره أنّ زيارته إلى البيت الأبيض ستكون ما بعد ظهيرة يوم السبت، حيث سيكون أعضاء الكونجرس عن ولاية نورث كارولينا، ولايته الأمّ، بالإضافة إلى أسرته وأصدقائه في انتظاره. بعد رؤية طبيب البيت الأبيض فقط للتأكّد من أنّهم جاهزون للمشهد المثير الذي كان على وشك أن يتكشّف، سار برونسون وزوجته إلى الجناح الغربي. تحدّثتُ إليهما بإيجاز، متفاجئاً بأنّ برونسون كان يُتابعني منذ زمنٍ طويل ويتّفق معي تقريباً في كلّ شيء. ذهب آل برونسون إلى مقر إقامة ترامب للاجتماع به ومن ثمّ ساروا معه عبر الممرّ المؤدّي إلى المكتب البيضاوي، حيث تمّ استقبالهم من قبل المجتمعين بالهتافات. دخلت حشود الصحافيين وتحدّث القس والرئيس. في الختام، جثا برونسون بالقرب من كرسي ترامب، ووضع يده على كتفه وراح يصلّي من أجله، وغني عن القول أنّ هذا المشهد كان بمثابة صورة اليوم. إذاً، لقد انتهت قضية برونسون، ولكن العلاقات الثنائية مع تركيا كانت في أدنى مستوياتها على الإطلاق. 
 
ولكن، قبل إطلاق سراحه، كانت الأوضاع قد تدهورت في سوريا. وكنّا نخشى، في شهر سبتمبر/أيلول أن الأسد كان يخطّط لمهاجمة محافظ إدلب (8)، التي ظلّت لزمنٍ طويل معقلاً للمعارضة في شمال غرب سوريا. وكانت قد أصبحت الآن ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين السوريين الداخليين، المختلطين مع إرهابيين متشدّدين، فضلاً عن الوجود العسكري التركي الساعي إلى ردع أيّ هجوم يشنّه الأسد. وسوف تساعد روسيا وإيران بكلّ تأكيد قوات الأسد في هجومها الذي سوف يؤدّي إلى إراقة الدماء وإحداث الفوضى، وإطلاق أمواج كبيرة من النزوح من سوريا إلى داخل الأراضي التركية. وإلى جانب اللاجئين الشرعيين، سوف يتسرّب الآلاف من الإرهابيين الذين سوف يتوجّه الكثير منهم إلى أوروبا، وجهتهم المفضّلة. وكنتُ على نحوٍ خاصّ قلقاً من احتمال أن يستخدم الأسد مجدّداً الأسلحة الكيميائية، وحثثتُ على وجه السرعة وزارة الدفاع على التفكير بردٍّ عسكريٍّ محتَمَل (على أمل أن يكون مرّة أخرى مع بريطانيا وفرنسا)، إذا ما حدث ذلك. لم أشأ أن أكون غير مستعدٍّ، كما حدث في ابريل/نيسان. إذا لزم الأمر، سوف لن يكون الهدف من الضربة الانتقامية هذه المرّة مجرّد تحجيم قدرة الأسلحة الكيميائية السورية، بل إحداث تغيير دائم في نزعة الأسد في استخدامها. في هذه المرّة، خوّل ماتيس هيئة الأركان المشتركة للقيام بما ينبغي القيام به ؛ إذ كان هناك تخطيطٌ مسبقٌ شامل، قائم على أساس افتراضات بديلة، وقيود محدّدة (على سبيل المثال، التجنّب الصارم والدقيق لخطر إيقاع إصابات في صفوف المدنيين)، وأهداف. وبخلاف ما جرى في شهر ابريل/نيسان، شعرتُ أنّه إذا ما أصبح الوضع من سيءٍ إلى أسوأ، نحن على أتمّ الجاهزية لكي نقدّم لترامب خيارات حقيقية ليختار من بينها.
 
في هذه الأثناء، لم تنتظر إسرائيل، وعمدت إلى القصف المتكرّر لشحنات الأسلحة الإيرانية والإمدادات التي من شأنها أن تشكّل تهديداً لها (9). وكانت للقدس اتّصالاتها الخاصّة مع موسكو، لأنّ نتنياهو لم يلاحق أهداف أو قوات روسية، وإنّما استهدف فقط الإيرانيين والإرهابيين. كانت مشكلة روسيا الحقيقية حلفاءها السوريين، الذين أسقطوا طائرة استطلاعٍ روسية في أواسط سبتمبر/أيلول (10)، الأمر الذي دفع بموسكو إلى تسليم عناصر من نظامها اس-300 للدفاع الجوي إلى السوريين، وهو الأمر الذي أقلق إسرائيل غاية القلق(11).   
 
في العراق، يوم السبت، الثامن من سبتمبر/أيلول، اقتحمت مجموعات من الميليشيات الشيعية، المدعومة من إيران دون أدنى شكّ، سفارتنا في بغداد، وقنصليتنا في البصرة، وأطلقت إيران صواريخ على أهداف بالقرب من أربيل في كوردستان العراق(12). وإذ جاءت هذه الهجمات قبل بضعة أيامٍ من الذكرى السنوية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وبالتزامن مع ذكرى الهجوم على بعثتنا الدبلوماسية في بنغازي والتي كانت لا تزال ماثلة في أذهاننا، كنّا بحاجة إلى أن نفكّر بطريقة استراتيجية بشأن ردّنا على ذلك. ولكننا لم نفعل. وقد أخبرني كيلي أنّ ترامب، بعد الحملة الانتخابية، قد أطلق العنان له مرّة أخرى في الرغبة في الخروج من الشرق الأوسط تماماً. إنّ وقوع قتلى أمريكيين، ناهيك عن أنّها مأساة بحدّ ذاتها، قد يسرّع الانسحاب، ومن شأن هذا أن يُلحق الضرر، على المدى البعيد، بنا وبإسرائيل وبحلفائنا العرب، ما لم نفكّر بعناية وحذر. ومع ذلك، بحلول يوم الاثنين، انحدر «ردّنا» إلى مستوى إمكانية إصدار بيان يُدين الدور الإيراني في هذه الهجمات. عارض ماتيس حتى ذلك الطرح، وظلّ يجادل بأنّنا لسنا متأكدين تماماً من أنّ هذه الميليشيات الشيعية مرتبطة بإيران، الأمر الذي أظهر سذاجة بالغة. استمرّ عجزنا عن اتّخاذ القرار لغاية يوم الثلاثاء، حين دعا ماتيس إلى اجتماعٍ عاجل في المكتب البيضاوي حول ذلك المقطع من البيان، يحضره ترامب وبينس وماتيس وبومبيو وكيلي وأنا. لقد تأخّر الوقت كثيراً الآن ليلاحظ القليل من الناس ذلك، ومع ذلك فهو شيء يُذكر. كان هذا هو منهج العرقلة في عمل ماتيس: الامتناع عن الردّ العملي، بل ربّما الامتناع حتى عن بيان صحفي يردّ على الهجمات ضدّ الموظفين الدبلوماسيين الأمريكيين ومرافقنا الدبلوماسية. تُرى ما هو الدرس الذي أخذته إيران والميليشيات من سلبيتنا التامّة؟ 
 
كما كان متوقّعاً، كانت هناك تهديدات جديدة من قبل مجموعات الميليشيات الشيعية، خلال أسابيع، ووقع هجومان صاروخيان إضافيان على القنصلية في البصرة. وقد قرّر بومبيو مباشرة إغلاق القنصلية (التي كان يعمل فيها أكثر من ألف موظّف، من ضمنهم موظفون حكوميون ومتعاقدون) تجنباً لحدوث مأساة شبيهة بمأساة بنغازي. هذه المرّة، لم يستطع ماتيس حتى إنكار الاتّصال مع إيران. لكن المثير للسخرية هو أنّه مع بقائه معارضاً لأيّ ردّ عملي، كان يخشى أنّ إغلاق القنصلية في البصرة سوف يكون علامة على تراجعنا في العراق. ومع ذلك، أعلن بومبيو في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول إغلاق القنصلية (13). حينما نأتي إلى أحداث صيف 2019، وإسقاط المسيّرات الأمريكية وأعمال قتالية إيرانية أخرى في المنطقة، نتذكّر جيّداً فشل هذه الإدارة في الردّ على الاستفزازات قبل عامٍ واحدٍ.    
 
بعد ذلك بفترة قصيرة، انقلب ترامب مرّة أخرى على أردوغان وتركيا. فبعد أن أصبحت قضية برونسون الآن خلفنا منذ بضعة أسابيع، اجتمع الزعيمان بشكلٍ ثنائي في الأوّل من ديسمبر/كانون الأوّل 2018 في بوينس آيريس على هامش قمّة مجموعة العشرين، وناقشا بشكلّ موسّع قضية بنك «خلق». سلم أردوغان لترامب ملفاً أعدته شركة محاماة تمثل بنك «خلق»، والذي لم يفعل ترامب شيئاً به أكثر من قلبه سريعاً قبل أن يصرّح بأنّه متأكّد من أنّ البنك بريءٌ تماماً من تهمة انتهاكات عقوبات أمريكا على إيران. وسأل ترامب إن كان من الممكن الاتصال بالقائم بأعمال وزير العدل الأمريكي جيرالد ويتيكر، الأمر الذي تجاهلته. ثمّ أكّد ترامب لأردوغان بأنّه سوف يهتمّ بالأمر، شارحاً بأنّ المدّعين العامين في المنطقة الجنوبية من نيويورك ليسوا من جماعته، وإنّما من جماعة أوباما، وأنّ القضية سوف تُحلّ حينما يتمّ استبداله بأنصاره.
 
كان كلّ هذا بالطبع مجرّد هراء، طالما أنّ المدّعين العامّين كانوا موظّفين تابعين لوزارة العدل، وكانوا سيسلكون نفس الطريق، سواءً انطلق التحقيق في ملفّ بنك « خلق » في السنة الثامنة من رئاسة ترامب أو السنة الثامنة من رئاسة أوباما. وكان الأمر كما لو أنّ ترامب حاول اظهار أنّ لديه سلطة مطلقة مثل أردوغان، الذي قال قبل عشرين عاماً حينما كان رئيس بلدية استانبول: «الديمقراطية مثل قطار، تركبه إلى المحطّة التي تريد التوقّف فيها، ثمّ تنزل منه(14)». ثمّ قال ترامب بأنّه لا يريد أن يحدث أي مكروه لأردوغان وتركيا، وأنّه سوف يعمل بجدٍّ على هذه القضية. كما اشتكى أردوغان من القوات الكردية في سوريا (الأمر الذي لم يناقشه ترامب)، ثمّ أثار قضية فتح الله غولن، مكرّراً طلبه في أن يُسلّم إلى تركيا. افترض ترامب أنّ غولن لن يعيش أكثر من يومٍ واحد إذا عاد إلى تركيا. ضحك الأتراك ولكنّهم قالوا أنّه لا ينبغي أن يقلق غولن طالما أنّ تركيا لا تطبّق عقوبة الاعدام. ولحسن الحظّ، انتهى الحوار الثنائي بعد ذلك بوقتٍ قصير. إذ ما كنا لنجني أي نتائج إيجابية من العلاقة مع زعيمٍ استبدادي أجنبي آخر. 
 
في الواقع، كان الأوروبيون قد حوّلوا انتباههم بالفعل من مخاطر هجومٍ لقوات الأسد على محافظة إدلب إلى الانشغال بشأن هجومٍ تركي على شمال شرق سوريا، في منطقة المثلث بين شرق نهر الفرات وجنوب تركيا وغرب العراق. وفي هذه المنطقة الخاضعة على نحو واسع لسيطرة المعارضة السورية، والتي يهيمن عليها المقاتلون الكورد، كانت عدّة آلاف من قوات الولايات المتّحدة والحلفاء تنتشر هناك للمساعدة في مواصلة الهجوم على خلافة داعش. كان الهجوم الذي بدأ في عهد أوباما، الذي ساهمت سياسته المضلّلة في العراق بشكلٍ كبير على ظهور داعش وخلافتها، كان هذا الهجوم قد أوشك على النجاح. كان الهجوم يقترب من إنهاء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أراضٍ في غرب العراق وشرق سوريا، على الرغم من أنّه لم يقضِ على داعش نفسها، التي كانت لا تزال تحافظ على ولاء آلاف المقاتلين والإرهابيين الذين يعيشون ويتجولون في العراق وسوريا ولكن لا يسيطرون على أي منطقة محدّدة.  
 
كان أردوغان يزعم بأنّه مهتمّ بالقضاء على الخلافة، لكنّ عدوّه الحقيقي كانوا الكورد، الذين كان يعتقد، وفي ذلك شيء من الصحّة، بأنّهم حلفاء مع حزب العمال الكوردستاني PKK، في تركيا، والذي اعتبرته الولايات المتّحدة منذ طويلٍ مجموعةً إرهابية. لماذا كنّا مرتبطين بمجموعة إرهابية بغرض القضاء على مجموعة أخرى نابعة عن فشل أوباما في رؤية إيران على أنّها التهديد الأكثر جدّية بكثير، الآن وفي المستقبل. عارض الكثير من أطراف هذا الصراع داعش بما في ذلك إيران، وتابعها الإرهابي حزب الله، وسوريا الدائرة في فلكها. ومع ذلك، كانت إيران، وبخلاف أوباما، قد ركّزت أيضاً على الحرب المقبلة، الحرب التي سوف تلي القضاء على داعش. مع تقلّص خلافة داعش، كانت إيران توسّع نطاق سيطرتها في المنطقة، تاركة الولايات المتّحدة مع مجموعة حلفائها المحرَجين. وبالمناسبة، فقد دعمت أمريكا لفترة طويلة الجهود الكردية من أجل حكمٍ ذاتيٍّ أوسع، أو حتى الاستقلال عن العراق، وسوف تتطلّب إقامة الدولة الكوردية تعديلات حدودية لدول الجوار الحالية. كان الأمر معقّداً، ولكن ما لم يكن معقّداً هو الشعور الأمريكي القوي بالوفاء للكورد الذين قاتلوا مع الولايات المتّحدة ضدّ داعش، وكانوا يخشون أنّ التخلّي عنهم لن يكون خيانة فحسب، بل ستكون له عواقب وخيمة على مستوى العالم بشأن أي جهد مستقبلي لتجنيد حلفاء والذين قد يروا أنفسهم وقد تمّ استهلاكهم والتخلّي عنهم. 
 
في هذه الأثناء، كان هناك لغطٌ في البنتاغون. يوم الجمعة، السابع من ديسمبر/كانون الأوّل، أثناء فطورنا الأسبوعي، قال ماتيس لبومبيو ولي بكآبة: «أيّها السيّدان لديكما رأسمالٌ سياسي أكثر مما لديّ الآن»، الأمر الذي بدا مشؤوماً. كان تعيين مارك ميلي خلفاً لدانفورد كرئيس لهيئة الأركان المشتركة سوف يُعلَن في اليوم التالي، قبل مباراة كرة القدم بالكلية الأمريكية بين فرسان الجيش وضبّاط البحرية، ولكننا علمنا بأنّ ذلك حاصلٌ.  
 
كان ميلي، رئيس أركان الجيش آنذاك، قد أثار إعجاب ترامب وفاز بالمنصب بمفرده. حاول ماتيس أن يفرض مرشّحه المفضّل، لكن العديد من داعمي ترامب ارتأوا أنّ آخر ما يحتاجه هو نسخة من ماتيس رئيساً لهيئة الأركان. من خلال الدفع مسبقاً بمرشّحه، ربّما لأنّه كان يعلم أنّه سوف يُصرف قبل فترة طويلة من انتهاء ولاية دانفورد في 30 سبتمبر/أيلول 2019، أضرّ ماتيس بقضيّته. في جلسة فطورنا التالية، يوم الخميس، 13 ديسمبر/كانون الأوّل، كان المزاج معكّراً بالتأكيد لعدّة أسباب، ولكن إلى حدٍّ كبير لأننا شعرنا جميعاً، بصمتٍ لحين التأكّد، بأنّ ماتيس كان يقترب من نهاية رحلته. لم يزعجني أن منهج العرقلة لدى ماتيس سوف يغادر معه، ولكنّ رحيله كان جزءاً من نمطٍ إشكاليٍّ، يكاد يكون حتمياً. لم تشهد أيّ من الإدارات الجمهورية الثلاث السابقة التي خدمتُ فيها استبدالاً للمسؤولين رفيعي المستوى بهذه السعة وهذه الطريقة.
 
في 14 ديسمبر/كانون الأوّل، تحدّث ترامب وأردوغان مع بعضهما عبر الهاتف. أطلعتُ ترامب مسبقاً على الوضع في سوريا، وقال لي: «يجب أن نخرج من ذاك الجحيم»، وهو ما كنتُ أخشى أن يقوله أيضاً لأردوغان مباشرةً. بدأ ترامب الحديث بالقول بأننا قد اقتربنا كثيراً من حلّ لقضية بنك «خلق». وكان قد تحدّث للتوّ إلى منوشن وبومبيو، وقال بأننا سوف نتعامل مع صهر أردوغان العظيم (وزير المالية التركي) ليأخذ القضية على عاتقه. كان أردوغان ممتنّاً للغاية، وهو يتحدّث الإنكليزية بطريقة جيّدة. ثمّ تحوّل إلى موضوع سوريا. قال أنّ ترامب يعرف ما تتوقّعه تركيا بشأن وحدات حماية الشعب YPG (وهي ميليشيا كوردية سورية، وجزء من قوات الدفاع التابعة للمعارضة السورية) وبشأن شبكة فتو (التابعة لفتح الله غولن) الإرهابية، والتي يعتبرها أردوغان تهديداً للأمن القومي التركي، والتي تُسمّم العلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة. وانتحب أردوغان قائلاً، بخلاف الواقع، أنّ أمريكا تواصل تدريب قوات YPG بما في ذلك من 30 إلى 40 ألف مجنّداً جديداً. واشتكى من التناقض بين الإرادة السياسية لترامب والنشاطات العسكرية لأمريكا على الأرض، الأمر الذي يثير أسئلة في ذهنه. قال أردوغان أنّ تركيا أرادت أن تتخلّص من داعش وحزب العمال الكوردستاني PKK، على الرغم من أنّه، برأيي، كان يقصد بحزب العمال الكوردستاني المقاتلين الكورد عموماً. 
 
قال ترامب أنّه جاهز لمغادرة سوريا إذا أرادت تركيا التعامل مع بقايا داعش؛ يمكن لتركيا أن تقوم بما تبقى من العمل، وسوف يمكننا الخروج من هناك. قطع أردوغان وعداً بشأن هذه المسألة، ولكنّه قال أنّ قواته سوف تحتاج إلى الدعم اللوجستي. قال ترامب بأنّه سوف يطلب منّي (كنتُ أستمع إلى المكالمة، كما جرت العادة) العمل مباشرة على خطّة للانسحاب الأمريكي، مع تولّي تركيا مهمّة القتال ضدّ داعش. قال بأنّه عليّ أن أعمل على ذلك بهدوء ولكننا نغادر هناك لأنّ داعش انتهت. سأل ترامب إن كان بإمكاني التحدّث، وهو ما فعلته، قائلاً بأنني قد سمعتُ تعليماته. ومع انتهاء المكالمة بعد المزيد من النقاش حول قضية بنك «خلق»، قال ترامب أنّ على أردوغان أن يعمل معي فيما يتعلّق بالجانب العسكري (وطلب مني أن أقوم بعملٍ جيّد)، ومع منوشن فيما يتعلّق بقضية بنك «خلق». شكر أردوغان ترامب ووصفه بأنّه قائدٌ عملي للغاية. بعد ذلك بفترة قصيرة، قال ترامب أنّه علينا صياغة بيان بأننا قد كسبنا الحرب ضدّ داعش، وأننا أنجزنا مهمّتنا في سوريا، وأننا ننسحب الآن من هناك. راود ذهني بعض الشكّ في أنّ ترامب قد انتهز فرصة الانسحاب من سوريا كوعدٍ آخر من وعوده أثناء حملته الانتخابية، مثل افغانستان، وأنّه قد صمّم على القول بأنّه قد أوفى بهذا الوعد. اتّصلتُ بماتيس بعد ذلك بوقتٍ قصير لأطلعه على ما جرى، وغني عن القول بأنّه لم يكن سعيداً بذلك. 
 
كانت هذه أزمة شخصية بالنسبة إليّ. شعرتُ أنّ الانسحاب من سوريا خطأٌ جسيم، بسبب استمرار التهديد العالمي لداعش وحقيقة أنّ النفوذ الإيراني الكبير سوف ينمو دون أدنى شكّ. وكنتُ قد تجادلتُ مع بومبيو وماتيس في وقتٍ مبكّر من شهر يونيو/حزيران بأنّه ينبغي وضع حدّ لسياستنا التجزيئية في سوريا، والتي تنظر إلى إقليمٍ أو منطقة واحدة في كلّ مرّة (على سبيل المثال، منبج، إدلب، المنطقة الجنوبية الغربية)، والتركيز على الصورة الكبيرة. مع انهيار دولة خلافة داعش (مع أنّ تهديد داعش بذاته لم ينته تماماً) كانت الصورة الكبيرة هي لجم إيران. والآن، إذا تخلّت الولايات المتّحدة عن الكورد، سيكون عليهم إمّا التحالف مع الأسد ضدّ تركيا، التي يعتبرها الكورد الخطر الأكبر عليهم (وبالتالي تعزيز قوّة الأسد، التابع لإيران)، أو القتال لوحدهم، ومواجهة الاندحار شبه المؤكّد، محصورين بين ملزمة الأسد وأردوغان. ما الذي يجب القيام به ؟ 
 
أوّلاً، اجتمعنا، في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأوّل، ماتيس، ودانفورد، وكوتس، وهاسبل، وبومبيو، وأنا (وعدد قليل من آخرين) في غرفة العمليات في البنتاغون(التي يُطلق عليها لقب دبّابة) بدل الاجتماع في غرفة الجلوس، وذلك حتى لا نلفت الكثير من الانتباه. بناءً على المكالمة التي جرت بين ترامب وأردوغان، لا شكّ أنّ الأتراك قد أبلغوا كلّ من استمع إليهم بأننا قد سلّمناهم شمال شرق سوريا ووضعناه تحت رحمتهم. كانت الأخطار المحتملة على الأرض مروّعة، بدءاً من آلاف سجناء داعش المحتجزين من قبل الكورد، في انتظار قرارٍ بشأن وضعهم. تختلف التقديرات حول العدد الحالي للسجناء، وهذا يعود جزئياً إلى إرجاء التعاريف: هل كونهم «مقاتلون إرهابيون أجانب»، يعني من خارج الشرق الأوسط؟ من خارج سوريا والعراق؟ أم محليون؟ مهما كان عددهم، لم نرغب في أن ينتقلوا جماعياً إلى الولايات المتّحدة أو أوروبا. في أواسط شهر ديسمبر/كانون الأوّل، اقترح ترامب جلب سجناء داعش إلى معتقل غوانتانامو، لكنّ ماتيس رفض هذا الاقتراح. ثمّ أصرّ ترامب على أن تستردّ البلدان الأخرى السجناء التي يحملون جنسيتها من مخيمات الكورد، الأمر الذي لم يكن معقولاً على الإطلاق، وعارضته الحكومات الأجنبية بشدّة، غير راغبة في إعادة الإرهابيين إلى بلدانهم. لم يفعل أيّ بلدٍ ذلك، لكنّ هذه المقاومة الشديدة ساهمت في إيجاد حلٍّ. مع تطوّر الأحداث، لم نحلّ هذه المسألة قبل مغادرتي البيت الأبيض. 
 
في النهاية، ما هو الوقت الذي سوف يستغرقه بالضبط انسحاب قوات الولايات المتّحدة والقوات الحليفة الأخرى بطريقة آمنة ومنظّمة؟ قدّر مخطّطو دانفورد ذلك بمئة وعشرين يوماً؛ فبكلّ تأكيد لم يكن من شأن ذلك أن يتمّ خلال ثمان وأربعين ساعة. طالبتُ بالتمسّك بمنطقة الحظر في التنّف، والتي تقع داخل الأراضي السورية في المثلّث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، وليس في شمال شرق سوريا، ولكن القوات الأمريكية موجودة فيها. إنّ من شأن السيطرة على التنّف أن يلغي المعبر الرئيسي على الطريق بين بغداد ودمشق، الأمر الذي سيُرغم إيران وآخرين على العبور من العراق إلى داخل سوريا من معبرٍ حدوديٍّ أبعد نحو الشمال. وكانت المفاجأة أنّ ماتيس كان متشككاً في أهمية التنّف، وذلك على الأرجح لأنّه كان يركّز على داعش أكثر من التركيز على إيران. كانت إيران شاغلي الرئيسي، وبقيتُ حازماً بشأن قاعدة التنّف طيلة مدة شغلي لمنصب مستشار الأمن القومي. علاوة على ذلك، لماذا إعطاء الأرض مقابل لا شيء؟ 
 
كما كنّا قد اتّفقنا، بدأنا، ماتيس، ودانفورد، وبومبيو، وأنا، في الاتصال بحلفائنا لإخبارهم بما سيحدث قريباً، ولكننا لم نتلق إشارة دعمٍ لقرار انسحابنا من سوريا. أخبرني فيليب إيتيان المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي أنّ ماكرون سوف يرغب بكلّ تأكيد في التحدّث إلى ترامب بشأن القرار، الأمر الذي لم يفاجئني. كما كانت ردود فعل أخرى مماثلة متوقّعة. كنتُ في المكتب البيضاوي بعد ظهيرة ذلك اليوم، حينما وردت مكالمة الرئيس ماكرون، ولم يكن سعيداً. لم يكترث ترامب لقلقه، قائلاً بأننا قد هزمنا داعش وأنّ تركيا وسوريا ستتكفّلان بأيّ فلولٍ لها. ردّ ماكرون أنّ تركيا تركّز على الهجوم على الكورد، وأنّها سوف تتفاهم مع داعش. وناشد ترامب عدم الانسحاب من سوريا، قائلاً بأننا سوف ننتصر في وقتٍ قصيرٍ جدّاً، وعلينا أن ننهي المهمّة. اتّفق ترامب معه على استشارة مستشاريه مرّة أخرى، وأخبرني بأنّه عليّ التحدّث مع جماعة ماكرون (الأمر الذي كنتُ قد قمتُ به)، وأنّ على ماتيس ودانفورد التحدّث إلى نظيرهما الفرنسيين. وقد اتّصل ماتي على الفور تقريباً ليبلغنا بأنّ وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، لم تكن سعيدة على الإطلاق من قرار ترامب. وأخبرني السفير الإسرائيلي رون ديرمر أنّ ذلك كان أسوأ يومٍ يعاني منه حتى الآن في ظلّ إدارة ترامب. 
 
في اليوم التالي، يوم الأربعاء، 19 ديسمبر/كانون الأوّل، كنّا، ماتيس وبومبيو وأنا، نتناول فطورنا الأسبوعي في «مقصورة الطعام» وقد هيمنت سوريا على حديثنا، على الرغم من مناقشتنا المكثّفة في البنتاغون في اليوم السابق. ظهر العديد من القصص الصحفية المليئة بالمعلومات غير الدقيقة (16)، والتي اعتقدتُ أنّ مصدر معظمها البنتاغون، عبر حلفاء في الكونجرس. في وقتٍ متأخّرٍ من ذلك اليوم، نشر ترامب على حسابه على التويتر مقطع مصوّر مع شرحه الخاصّ، وانهالت المكالمات الهاتفية من الصحافة والكونجرس على البيت الأبيض الذي كان، بخلاف مجلس الأمن القومي، يركّز مرّة أخرى على الجدار الحدودي مع المكسيك ومواضيع الهجرة ذات الصلة به. عارض جمهوريون في الكونجرس بشكلٍ موحّدٍ تقريباً قرار ترامب بشأن سوريا، ولكن معظمهم قالوا بأنّهم سيتجنّبون وسائل الإعلام، وهو امتناع لم يشارك فيه الديمقراطيون. ومع ذلك، لم يساعد قبول الجمهوريين بسياسات الأمن القومي الخاطئة البلاد أو الحزب في نهاية المطاف. أبلغتُ ترامب عن ردّ فعل هيل السلبي، لكنّه لم يصدّق ذلك، وذلك ربّما لأنّه كان يعتمد مرّة أخرى على تطمينات راند بول في أنّه كان يمثّل قاعدة الحزب الحقيقية. وكما لو أنّ ذلك لم يكن كافياً، احتجزت تركيا عنصراً من الحرس الوطني في تكساس يخدم في قاعدة إنجرليك الجوية، قرب أضنة (وهي المشكلة التي حلّت سريعاً، بخلاف قضية برونسون).
 
بحلول يوم الخميس، أدرك ترامب أنّه كان يتعرّض للهجوم من التغطية الإعلامية للانسحاب من سوريا، وهو جزءٌ صغيرٌ ممّا قد يحدث إذا ما أقدم على الانسحاب كليّاً من أفغانستان. خلصنا إلى أنّه ليس من الحكمة تحديد موعد نهائي للانسحاب وإنّما التشديد على أنّ هذا الانسحاب يجب أن يكون «منظّماً». وقد وفّر العسكريون الأتراك طوق نجاةٍ محتملاً في هذا الصدد. لقد عرفوا جيّداً أنّه يجب أن تكون هناك مباحثات بين العسكريين من الجانبين حول نقلٍ منظّمٍ للسلطة في منطقة غير خاضعة للحكم بشكلٍ أساسي قبل أن ينجح تسليم السلطة الذي اقترحه ترامب. وهذه المباحثات سوف تستغرق وقتاً، وفي الواقع كان الوفد الأمريكي قد وضع خططاً للسفر إلى أنقرة يوم الاثنين، عشية عيد الميلاد، في الأسبوع التالي. 
 
بعد ظهيرة ذلك اليوم، علمتُ أنّ ماتيس كان في المكتب البيضاوي لوحده مع ترامب، وكان حفل توقيع مشروع القانون، الذي كان مقرراً سابقاً، قد تأخّر كثيراً. وكما تحدّثنا، خرج ماتيس مع ترامب وهو خلفه مباشرةً. كان بوسعي أن أقول على الفور أنّ شيئاً ما كان قد حدث. بدا ماتيس متفاجئاً برؤيتي أنتظر، ولكنه صافح مكفهرّاً. قال ترامب: «جون، ادخل »، الأمر الذي فعلته، فأصبحنا لوحدنا في المكتب البيضاوي. قال ترامب: «سوف يغادر. حقيقة لم أحبّه أبداً». 
 
بعد حفلة توقيع القانون، تحدّثنا، ترامب وأنا، ما يقرب من عشرين دقيقة حول منْ سيتعامل مع رحيل ماتيس. كان ترامب يريد أن يدوّن تغريدة قبل أن تبدأ ماكينة العلاقات العامّة لماتيس بالعمل. كان ماتيس قد سلّم ترامب رسالة استقالة مطوّلة يشرح فيها سبب مغادرته، كُتبَت ممّا لا شكّ فيه للتوزيع على نطاقٍ واسعٍ وعامّ، والتي لم يقرأها ترامب في الحقيقة. في الداخل، كان قد تركها ببساطة على طاولة المكتب والتي أُزيلت عنها من أجل حفلة توقيع القانون.       
 
حينما استرجعنا الرسالة، قرأتها وتفاجأت أنّ ماتيس قد أراد أن يخدم حتى نهاية شهر فبراير/شباط، ويقضي ما تبقى من وقته كوزير للدفاع للإدلاء بشهادته أمام الكونجرس وللحديث في اجتماع وزراء دفاع الناتو، الذي كان من المزمع عقده في فبراير/شباط. وكان الأمر الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة إلى ترامب، بالنظر إلى فحوى حديثه مع ماتيس، هو جوهر الرسالة، الرافضة لسياسات ترامب. شرحتُ لترامب أنّ جدول العمل لا يمكن الالتزام به تماماً، وإن لم أكن متأكّداً من أنّه كان متأثّراً به. ومع ذلك بالغ أكثر في التعبير عن عدم محبّته لماتيس، وقال: «لقد خلقتُ وحشاً حينما سمّيته «الكلب المسعور»، الأمر الذي كان صحيحاً إلى حدٍّ ما. (كان اللقب الحقيقي لماتيس هو «الفوضى»). عدتُ إلى مكتبي للاتصال مع بومبيو في الساعة الخامسة وعشرين دقيقة عصراً، وفي ذلك الوقت، كانت تغريدة ترامب قد نُشِرَت وحملة ماتيس الصحافية الخاطفة جارية. قال بومبيو أنّ ماتيس كان قد توقّف في مقرّ وزارة الخارجية في طريقه إلى البيت الأبيض وسلّمه نسخة من رسالة الاستقالة. يقول ماتيس في رسالته: «لم يعد الرئيس يعير اهتماماً بي، وهذه طريقته لكي يخبرني بأنّه لا يرغب في بقائي. لقد حان وقت المغادرة». عبرتُ عن اعتقادي بأنّ كلّ هذه الأمور كانت صحيحة ووافقني بومبيو الرأي. 
 
بالطبع، أثّر كلّ هذا اللغط حول ماتيس على مآسي السوريين والأفغان أيضاً، وخاصّة لأنّ ماتيس نفّذ أمر ترامب بخروج قوات الولايات المتّحدة من سوريا، وهو العامل الحاسم في استقالته. ومع ذلك ظلّت مسألة خلافة ماتيس. بحلول يوم السبت، بعد يومين من اجتماع ماتيس في المكتب البيضاوي، أخبرني ترامب بحدود الساعة السادسة والربع مساءً بأنّه لم ينتظر حلول شهر فبراير/شباط لرحيل ماتيس وأنّه قد قرّر تسمية نائب وزير الدفاع بات شاناهان وزيراً للدفاع بالوكالة. (في هذه النقطة، كان ترامب متردداً بين تسمية شاناهان في هذا المنصب بشكلٍ دائم وتعيين الجنرال المتقاعد جاك كين). بالإضافة إلى ذلك، كان ترامب يريد الآن إخراج ماتيس مباشرة وعدم مجيئه إلى البنتاغون يوم الاثنين. أشرتُ إلى قرب حلول عيد الميلاد، لكنّ ترامب قال: «لن يحلّ عيد الميلاد حتى يوم الثلاثاء، علينا أن نصرفه اليوم».
 
يوم الأحد، 23 ديسمبر/كانون الأوّل، تحدّثتُ إلى ترامب في الساعة العاشرة صباحاً قبل اتّصاله مع أردوغان تماماً. قال ترامب بأنّه قد أنهى «حديثاً جيّداً» مع شاناهان، وقد وجده «مبهراً جدّاً». تساءل ترامب عن سبب عدم تأثّره كثيراً أثناء لقاءاتهما السابقة. وقدّم ترامب جوابه الخاصّ، والذي اتّفقتُ معه بشأنه، وهو أنّ شاناهان «كان قد حُجِبَ [ في البنتاغون] من قبل ماتيس»، وأضاف «إنّه يحبّك ويحبّ بومبيو». ومع ذلك فإنّ تاريخ الأوّل من يناير/كانون الثاني سوف يترك ماتيس في مكانه حتى 31 ديسمبر/كانون الأوّل، بينما ردّد ترامب مرّة أخرى أنّه يريد صرفه في الحال. قلتُ سأرى ما الذي يمكن فعله ومن ثمّ اتّصلتُ على الفور مع شاناهان، الذي كان في سياتل مع عائلته. أخبرته بأنّه، بغضّ النظر عن عيد الميلاد، عليه أن يفكّر في العودة إلى واشنطن على الفور. كما اتّصلتُ مع دانفورد في الوقت الذي كان يحطّ في قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان. أخبرته بما حدث مع أردوغان بشأن سوريا، وبما حدث مع ماتيس، الأمر الذي قدّره لأنّه لم يكن أحدٌ آخر قد نقل أخبار البنتاغون. طمأنتُ دانفورد بأنّ ترامب يرغب في بقائه في منصب رئيس هيئة الأركان للقوات المشتركة، الأمر الذي اختلقته، ولكنني كنتُ أتوّقع أنّه صحيحٌ ومناسب للتخفيف من أيّ قلق بسبب اللغط الذي أحدثه ماتيس. على الأقلّ في الوقت الحالي، بدا لنا أننا نستعيد استقرارنا.
 
ولكنّ الوضع في سوريا ظلّ في حالة تغيّر مستمر. خلال عطلة نهاية الأسبوع، قرّر ترامب أنّه يريد إجراء مكالمة أخرى مع أردوغان للحديث عن مسألتين: المسألة الأولى هي ألا يُهاجم أيّ قوات أمريكية، والثانية هي أن يُهاجم داعش وليس الكورد، وهما مسألتان صحيحتان، ولكن الوقت كان قد تأخّر قليلاً لمعالجتهما بعد مكالمته السابقة مع أردوغان والدعاية اللاحقة لها(17). وبعد العبارات الترحيبية والملاحظات الافتتاحية، قال ترامب بأنّه، أوّلاً، يريد من أردوغان أن يتخلّص من داعش، وأننا سوف نقدّم المساعدة إذا ما احتاجت تركيا إليها. ثمّ شدّد على أردوغان ألّا يلاحق الكورد ويقتلهم، لافتاً إلى أنّ العديد من الناس يحبّون الكورد بسبب قتالهم إلى جانبنا لسنوات ضدّ داعش. وقال أنّ على تركيا والكورد أن يلاحقوا معاً فلول قوات داعش. أقرّ ترامب أنّ هكذا استراتيجية قد تكون بمثابة تغييرٍ بالنسبة إلى أردوغان، ولكنّه شدّد مرّة أخرى على حجم التأييد الذي يحظى به الكورد في الولايات المتّحدة. ثمّ جاء ترامب على ما كان يعتقد أنّها النقطة الفاصلة ألا وهي احتمال زيادة حجم التجارة مع تركيا بشكلٍ كبير. بذل أردوغان جهوداً لكي يقول بأنّه يحبّ الكورد وأنّهم يبادلونه هذا الحبّ، ولكنّه أضاف أنّ وحدات حماية الشعب YPG وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، وحزب العمال الكوردستاني PKK (المجموعات الكردية الثلاث في تركيا وسوريا، الأحرف التسعة الأولى من أسماء هذه المنظمات التي لفظها أردوغان كما لو أنّه يتهجّى أحرف اسمه.) يتلاعبون بالكورد ولا يمثلونهم. واشار إلى أنّه كان لحكومته رئيس وزراء كوردي ووزراء كورد، وأنّ الكورد يكنّون له حبّاً وتعاطفاً خاصّين، وأنّه كان الزعيم الوحيد الذي يستطيع أن يحشد مسيرات ضخمة في المناطق الكوردية. وأنّه لا ينوي قتل أحدٍ سوى الإرهابيين. وكنّا قد سمعنا كلّ هذا من قبل، وكان ذلك عبارة عن الدعاية القياسية لنظام أردوغان. 
 
المسيرات! يا له من نداءٍ لترامب! هنا، ربّما أدرك أنّه قد استُدرِجَ إلى فخٍّ حول الكورد – الكورد الذين خطّط أردوغان لتدميرهم مقابل الذين أحبّوا أن يأتوا للاستماع إليه، وهو تمييزٌ لا علاقة لنا به لنحاول مساعدة أردوغان فيه- سألني ترامب عن رأيي بتعليقات أردوغان. قلتُ على نحوٍ ارتجالي أنّه علينا أن نترك ذلك للمباحثات العسكرية-العسكرية المقبلة لتميّز بين الإرهابيين وغير الإرهابيين. كان شعوري هو أنّ تحليل هذه المسألة سوف لن يؤدّي إلى أيّ مكان على الإطلاق، وبالتالي تأجيل مغادرتنا لسوريا. 
 
مرّ عيد الميلاد وعشيّته بهدوء. في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة من ليلة عيد الميلاد، بدأت خدمتي السرية وغادرت إلى قاعدة أندروز، حيث كان ترامب، والسيّدة الأولى، ومجموعة صغيرة من المسافرين في رحلة قد استقلوا، وسط اجراءات أمنية مشدّدة، الطائرة الرئاسية العسكرية للتوجّه إلى العراق (بفارق ثماني ساعات مع واشنطن). حصلتُ على قسطٍ من النوم، ثمّ استيقظتُ في الوقت المحدّد لكي أرى إن كانت الرحلة لا تزال متواصلة، وأتأكّد من أنّ الأمن متوفّرٌ بما فيه الكفاية لكي نواصل نحو وجهتنا إلى قاعدة عين الأسد الجوية، حيث كنّا نتوقّع، من بين أمورٍ أخرى، أن نجتمع برئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي والعديد من المسؤولين رفيعي المستوى. استيقظ ترامب بدوره «باكراً»، على الرغم من أنّ الوقت كان قد بلغ بالفعل فترة ما بعد الظهيرة حسب توقيت العراق، وأمضينا قدراً لا بأس به من الوقت في مكتبه ندردش لوحدنا لأنّ قلّة قليلة ممن كانوا معنا كانوا قد استيقظوا. تراوح حديثنا بين ما سوف يقوله لقوات الجيش والبحرية في قاعدة عين الأسد والخطاب الذي سوف يوجّهه حول حالة الاتحاد في يناير/كانون الثاني، وإرسال التهاني بمناسبة رأس السنة الجديدة إلى الزعيم الصيني شي جين بينغ، واحتمال أن ينال ترامب جائزة نوبل للسلام. كما أثار ترامب موضوع الشائعات السياسية المنتشرة على نحوٍ واسع والتي تقول بأنّه سوف يتخلّى عن مايك بنس في انتخابات عام 2020 وأنّه سوف يرشّح هالي بدلاً عنه، وسألني عن رأيي في ذلك. كانت الإشاعة السائدة في البيت الأبيض هي أنّ إيفانكا وكوشنير كانا يفضّلان هذه المقاربة التي ارتبطت بمغادرة هالي لمنصبها كسفير في الأمم المتّحدة في شهر ديسمبر/كانون الأوّل 2018، الأمر الذي أتاح لها القيام ببعض النشاطات السياسية في جميع أنحاء البلاد قبل تسميتها في انتخابات عام 2020. وكانت الذريعة السياسية لتفضيل هالي هي أنّها سوف تستطيع الفوز بأصوات النساء اللواتي ينفرن من ترامب. وفي المقابل، لقد قيل أنّ الإنجيليين الذين يدعمون بنس ليس لديهم مكان يذهبون إليه في انتخابات عام 2020، وبالتالي ليست هناك مخاطرة في فقدان أصواتهم، إذا ما حلّت هالي محلّه. شرحتُ له أنّها فكرة سيئة أن يتمّ التخلّي عن شخصٍ وفيٍّ في ولائه، وأنّ القيام بذلك ينطوي على المجازفة بالتسبّب في نفور الناس الذين يحتاج إليهم (والذين سوف يبقون في منازلهم حتى لو لم يصوّتوا لخصم ترامب) دون أن يؤّدي ذلك بالضرورة إلى دعمٍ جديد بسبب الاستبدال. وقد بدا أن ذلك كان رأي ترامب أيضاً. 
 
حطّت طائرتنا في قاعدة عين الأسد حوالي الساعة السابعة وخمسين دقيقة مساءًـ بالتوقيت المحلّي، في ظلامٍ شبه كامل، ووسط تدابير أمنية بأقصى درجات الصرامة الممكنة. انصرفنا بعيداً عن الطائرة الرئاسية العسكرية بعربة مدرّعة ثقيلة من طراز هامفي، متوجّهين نحو الخيمة التي سوف يجتمع تحتها قادة الولايات المتّحدة العسكريون معنا. بينما كنّا نسير بالعربة، بات واضحاً أننا لم نكن متأكّدين حقّاً أنّ عبد المهدي سوف يأتي بالفعل أم لا. لدواعٍ أمنية، كان قد تلقّى ملاحظة صغيرة، ولكننا سمعنا أنّ طائرة كانت في طريقها من بغداد، في حين كان عدم اليقين الوحيد هو إن كان عادل عبد المهدي على متنها! ولتحية الرئيس والسيّدة الأولى واستقبالهما في الخيمة، المجهّزة بطاولات وكراسٍ وأعلامٍ، كان هناك الفريق بول لاكاميرا، قائد عملية العزم الصلب في (في العراق وسوريا)؛ والجنرال في القوّات الجوية، دان كاين (الملقّب بـ: ريزن- زبيب)؛ ونائب القائد، والعديد من الضباط الآخرين. كنتُ أريد أن يكون هناك أكثر بقليل من «العزم الصلب» في الإدارة، ولذلك أخذتُ لاكاميرا جانباً وحثثته على أن يشدّد على التهديد من إيران في سوريا، بالإضافة إلى ما كان ينوي قوله.  
 
إذا اخترتُ نقطة واحدة واضحة أنقذت الوجود العسكري الأمريكي في سوريا (على الأقلّ حتى نهاية مدّة عملي في البيت الأبيض)، فهي كانت هذه: الجلوس في هذه الخيمة، على طاولة المؤتمرات التي يتصدّرها الرئيس والسيّدة الأولى ويتوزّع على جانبيها منْ تبقّى منّا، بعد الأداء الإلزامي أمام تجمع الصحافيين المسافرين معنا. غادر الصحافيون حوالي الساعة الثامنة مساءً وبدأ لاكاميرا وزملاءه بما كنتُ متأكّداً من أنّهم اعتقدوا أنّها ستكون إحاطة قياسية، حيث تحدّثوا واستمع الرئيس إليهم. هل كانوا متفاجئين! كان لاكاميرا قد وصل فقط إلى جملة «من الواضح تماماً أننا سنخرج من سوريا» حينما قاطعه ترامب بالأسئلة والتعليقات. قال لاكاميرا في نقطة، «أستطيع أن أحمي مصالحنا في سوريا أثناء الانسحاب، ويمكنني فعل ذلك من هنا». قال ترامب بأنّه قد أخبر أردوغان بأن لا يهاجم القوات الأمريكية في سوريا، وشرح لاكاميرا وكاين ما الذي يقومان به حالياً ضدّ داعش حينما سأل ترامب: «هل يمكنكما سحق هذا التنظيم في طريق خروجكم من هناك ؟» فأجاب كلاهما: «نعم، سيّدي»، ثمّ قال ترامب: «هذا أمري، نفّذاه من الآن». 
 
شرع لاكاميرا في الشرح بأنّ الولايات المتحدة قد سعت إلى بناء «قدرة شراكة» على مدى سنوات، لكن ترامب قاطعه ليقول بأنّه قد مدّد مراراً الوقت الذي نحتاجه للقضاء على داعش، وأنّه قد تَعِب من القيام بذلك. ثم سأل: «ما الذي بوسعنا فعله لحماية الكورد؟» فسارعت إلى التدخّل لأخبر القادة أنّ الرئيس قد أخبر أردوغان صراحة أنّه لا يُريد إلحاق الأذى بالكورد الذين ساعدونا في سوريا. أوضح لاكاميرا وكاين بأنّهم سوف ينتهون من دولة خلافة داعش خلال الأسبوعين أو الأسابيع الأربعة المقبلة. فقال ترامب: «افعلوا ذلك! لديكم الموافقة على ذلك»، متسائلاً لماذا لم يستطع ماتيس وآخرون انجاز هذا العمل خلال مدة سنة ونصف الأخيرة. ظهر ترامب وكأنّه يسمع الكثير من هذه المعلومات للمرّة الأولى، الأمر الذي ربّما لم يكن صحيحاً، إلا أنّ هذه كانت، مع ذلك، وجهة نظره.
 
مع استمرار المناقشة، قال لاكاميرا أنّ قاعدة عين الأسد حاسمة في إبقاء الضغط على إيران. فسأل ترامب باهتمام، «هل البقاء في العراق يضع المزيد من الضغط على إيران؟» فأجاب سفير الولايات المتّحدة في العراق، دوغلاس سيليمان على نحوٍ قاطع، «نعم»، ووافقه لاكاميرا وآخرون الرأي. بدأ ترامب بإنهاء الاجتماع، قائلاً بأنّه يريد «انسحاباً أكثر تنظيماً» من سوريا، وأنّه يرى استمرار الوجود الأمريكي في العراق على أنّه « ركيزة أساسية" لعددٍ من الأسباب. قرّرتُ أن أجرّب حظّي، فسألتُ لاكاميرا وكاين حول أهمية منطقة الحظر في التنّف. كان لاكاميرا يقول: «لم أُطلع رؤسائي على ذلك بعد»، حينما قاطعته وأشرتُ إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وقلت: «يمكنك فعل ذلك الآن»، وللإنصاف، استدرك لاكاميرا الأمر سريعاً وقال بأنّه يجب علينا التمسّك بقاعدة التنّف. وأجاب ترامب: «حسناً، وسوف نقرّر الجدول الزمني لذلك لاحقاً». بعد ذلك بقليل، غادر ترامب والسيّدة الأولى إلى خيمة مطعم الضباط المجاورة للقاء عناصر الخدمة، في حين بقينا، ستيفن ميلر، وساره ساندرز، وأنا، مع لاكاميرا وكاين والقادة الآخرين لصياغة بيانٍ يمكننا اصداره علناً. كتبنا أنّ الرئيس والقادة «ناقشوا الانسحاب القوي والموزون والمنظّم لقوات الولايات المتّحدة والتحالف الدولي من سوريا والأهمية المستمرة لحضور أمريكا في العراق لمنع خطر عودة ظهور داعش وسيطرتها على أراضٍ ولحماية المصالح الأمريكية الأخرى»، وقد اتّفق الجميع على أنّ هذا هو الملخّص الحقيقي للاجتماع(18).
 
اعتقدتُ أنّ الحصيلة كانت رائعة، ليس لأننا امتلكنا القرار النهائي حول النشاط العسكري الأمريكي في سوريا، وإنّما لأنّ ترامب جاء بتقديرٍ مختلفٍ تماماً لما كنّا نفعله وسبب أهمية عملنا. كان السؤال عن مدى استمرارية هذا الأمر سؤالاً منفصلاً، ولكنني خطّطتُ للتحرّك على الرغم من أنّ الانطباع كان قويّاً. ولماذا لم يقم مستشارو ترامب بقيادته نحو أفغانستان أو العراق في وقتٍ سابقٍ؟ لقد فشلنا جميعاً وبشكلٍ جماعي في هذه النتيجة. 
 
مع مرور الوقت، انتهينا من صياغة البيان، وكان من الواضح أنّ رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، لم يكن قد أتى، وهو خطأٌ جسيم من جانبه. كان مستشاروه قد أقنعوه بأنّه من غير اللائق برئيس وزراء العراق أن يجتمع مع الرئيس في قاعدة أمريكية، على الرغم من أنّ منشآتنا كانت محاطة بالكامل بقاعدة عراقية (والتي كانت أيضاً لنا، ذات مرّة). وقد جرت بدل ذلك مكالمة هاتفية ناجحة بينهما، ودعا ترامب عادل عبد المهدي إلى البيت الأبيض، وكانت هذه إشارة إيجابية. صعدنا إلى العربة وتوجّهنا إلى حظيرة الطائرة حيث كان ترامب يوجّه كلمة إلى القوات العسكرية التي استقبلته استقبالاً حماسياً. حتى الأمريكيين القساة تجاه بلادنا وغير المبالين بعظمتها سوف يتأثرون بالحماسة والتفاؤل وقوّة الروح لدى أفرادنا في الخدمة حتى وسط الصحراء العراقية. كان هذا هو «العزم الصلب» الحقيقي لأمريكا في الصميم. انتهى التجمّع حوالي الساعة العاشرة وخمس وعشرين دقيقة مساءً، وعدنا وسط الظلام إلى الطائرة الرئاسية العسكرية لنطير إلى قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا للتزوّد بالوقود. 
 
اتّصلت ببومبيو لكي أطلعه على تفاصيل الزيارة إلى العراق، ثمّ تحدّثتُ إلى شاناهان ودانفورد (الذي كان في بولندا، بعد أن كان قد غادر قاعدة عين الأسد قبل ليلةٍ من وصولنا إليها). حطّت طائرتنا في قاعدة رامشتاين في الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة فجراً، بتوقيت ألمانيا، واجتمعنا مع القادة العسكريين الأمريكيين هناك، ومن ثمّ توجّهنا إلى حظيرة الطائرات مع حشدٍ كبيرٍ من أفراد الخدمة الذين كانوا ينتظرون للترحيب بالقائد العامّ للقوّات المسلّحة (في الساعة الثانية صباحاً!). صافح ترامب أفراد الخدمة والتقط صور السيلفي مع العديد منهم على طول الرتل الذي شكّلته القاعدة. ثم، أثناء العودة إلى الطائرة الرئاسية العسكرية، المتوجّهة إلى قاعدة أندروز، التي حطّت فيها طائرتنا في الساعة الخامسة والربع من صباح يوم السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأوّل، بعد عشرين دقيقة من الجدول الزمني المحدّد. 
 
اتّصل ترامب بي لاحقاً في فترة ما بعد الظهيرة لكي يحثّني على المضي قدماً بسرعة في «خطّة الأسبوعين» لإنهاء دولة خلافة داعش في سوريا. قلتُ له بأنني سمعتُ عبارة «من أسبوعين إلى أربعة أسابيع» من لاكاميرا وكاين، الأمر الذي لم يعارضه ولكنّه قال بأيّ حال: سمِّها «خطّة الأسبوعين». أطلعتُ دانفورد على المزيد من التفاصيل، مكتشفاً على نحوٍ غير مباشر بعد رحيل ماتيس أنّ دانفورد سوف يستطيع التعامل مع مجموعة متداخلة ومتضاربة في بعض الأحيان من أولويات ترامب في سوريا (الانسحاب، سحق داعش، حماية الكورد، إقرار كيفية التعامل مع قاعدة التنّف، عدم إطلاق سراح السجناء، الاحتفاظ بالضغط على إيران). كانت هناك هبّات رئاسية، وتعليقات غير منضبطة، ولم تكن هناك استراتيجية متماسكة وقويمة، وإنّما كانت هناك جزئيات احتجنا إليها للتهديد في طريقنا للوصول إلى نتيجة مرضية. ما كنّا نخشاه، دانفورد وأنا، من بين العديد من الأمور الأخرى، كانت عودة داعش إلى مناطق كانت قد تمّت السيطرة عليها رسمياً، وبالتالي تجدّد التهديد في أن تتحوّل هذه المناطق قاعدة للتنظيم لشنّ هجمات إرهابية منها ضدّ أمريكا وأوروبا. 
 
كما أردتُ أن أقلّص أيّ مكاسب محتملة لإيران، وهو الأمر الذي لم يبدُ أبداً أنّ ماتيس قد أولاه أولوية، ولكن دانفورد كان يفهم الأمر على نحوٍ أفضل. ناقشنا، هو وأنا، تطوير خطّة لاستيعاب كلّ هذه الأولويات، وكان هذا أمراً صعباً ولكنّه أرفع بكثير من أسلوب ماتيس، الذي انحرف عن اصرارنا على البقاء في سوريا إلى أجلٍ غير مسمّى، والذي سوف يُغضِبُ، في الواقع، الرئيس من خلال القيام بالضبط بما قاله: الانسحاب الفوري. نظراً لأنّ أردوغان بدا وكأنه يعتقد أن «الكردي الجيد الوحيد هو الكردي الميّت»، على الرغم من المسيرات الضخمة، اعتقد دانفورد أن الهدف العسكري المباشر لتركيا في سوريا سيكون طرد الكورد من المنطقة الواقعة على طول الحدود التركية-السورية، ومن ثمّ نقل مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من تركيا عبر الحدود إلى المنطقة الحدودية التي ستصبح مهجورة إلى حدٍّ كبير.
 
اقترح تشكيل قوّة مراقبة أساسها حلف الشمال الأطلسي (ناتو)، مدعومة من قوات أمريكية في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ؛ أي تأمين غطاء جوي ؛ وإمكانية التدخّل في حالة الطوارئ إذا ما تعرّض أفراد قوّة المراقبة لمشكلة، مع الحدّ الأدنى من الوجود العسكري الأمريكي على الأرض (19). كما أنني أحسستُ بالسعادة حينما وافق دانفورد سريعاً على الإبقاء على القوات الأمريكية في قاعدة التنّف، الأمر الذي لم يفعله ماتيس. ربّما كانت هناك طريقٌ للسير قدماً إلى الأمام. 
 
اقترح دانفورد أن ينضمّ إلى الرحلة التي كنتُ أنوي القيام بها في أوائل يناير/كانون الثاني إلى تركيا ومن ثمّ البقاء إلى فترة ما بعد الظهيرة لإجراء محادثات مع العسكريين الأتراك، الأمر الذي وافقتُ عليه. من هنا، سوف يسمع الأتراك رسالة موحّدة من الحكومة الأمريكية، وبالتالي، تحجيم قدرتهم على استغلال الاختلافات بين مختلف اللاعبين الأمريكيين، وهي استراتيجية مفضّلة لدى الحكومات الأجنبية. أطلعتُ بومبيو على هذه النقاشات، قائلاً بأننا قد تجنّبنا نتيجة سيئة للغاية في سوريا وأننا الآن نوشك على بناء شيءٍ ملائم وقابل للتنفيذ. أراد بومبيو أن يتأكّد من أنّ مبعوث وزارة الخارجية المكلّف بشؤون سوريا سيكون حاضراً في اجتماعات تركيا، الأمر الذي وافقتُ عليه على مضض. وذلك لأنّ بومبيو بنفسه كان قد أخبرني قبل يومين من حلول عيد الميلاد أنّ جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق لدى تركيا، «لا يكنّ حبّاً للكورد، ولا يزال يرى تركيا شريكاً موثوقاً به لحلف الناتو». كانت تلك إشارات تحذيرية واضحة لحالة متطوّرة من «الزبائنية» وهو بلاء مزمن لوزارة الخارجية حيث تصبح وجهة نظر الدول الأجنبية أكثر أهمية من وجهة نظر الولايات المتّحدة (20). اتّفقنا، بومبيو وشاناهان ودانفورد وأنا، على إعداد صفحة واحدة من «اعلان مبادئ» حول سوريا لتجنّب حالات سوء التفاهم، والذي كان فكر الدفاع يحظى فيه بأهمية خاصّة. 
 
اتّصل بي زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل يوم الرابع من يناير/كانون الثاني، حيث غادرتُ إلى إسرائيل، وهي محطّة توقفي الأولى قبل تركيا، ليقول: « لقد خطرت على بالي»، بشأن سوريا وأفغانستان، مشيراً إلى أنّه كان هناك «مستوى عالٍ من التحذير» حول مجلس الشيوخ بشأن التطوّرات الأخيرة. قلتُ أنّ الغرض الرئيسي من رحلتي هو تحديد ما سنفعله بالضبط في سوريا. 
 
في الواقع، في لقاءٍ رسمي مع الصحافيين الذين سافروا معي يوم الأحد، 6 يناير/كانون الثاني، في فندق الملك داوود في القدس، قلت: « نتوقّع أنّ الذين قاتلوا إلى جانبا في سوريا، من المعارضة، الكورد على نحوٍ خاصّ، ولكن كلّ منْ قاتل إلى جانبنا، سوف لن يتعرّضوا للخطر من جرّاء انسحاب قوات التحالف من سوريا. وهذه نقطة أوضحها الرئيس تماماً في محادثاته مع الرئيس التركي أردوغان» (21). في الواقع، هذا ما كان ترامب قد قاله، وكان صحيحاً عندما قلت ذلك في إسرائيل. في وقتٍ لاحقٍ من اليوم نفسه، بتوقيت واشنطن، سأل أحد الصحافيين ترامب عن الملاحظات التي أدليتُ بها، أثناء صعوده إلى المروحية الرئاسية (مارين ون)، للتوجّه إلى كامب ديفيد، فقال ترامب: «كما تعلمون، جون بولتون، في هذه اللحظة بالذات، موجودٌ هناك. وأنا لديّ نجمان رائعان. وجون بولتون يقوم بعملٍ رائع، ومايك بومبيو يقوم بعملٍ رائع. إنّهما قويّان جدّاً ويعملان بجدّية... لقد عدنا ببعض النتائج الممتازة» (22). وبالطبع، كان صحيحاً أيضاً أنّ ترامب قد غيّر رأيه مرّة أخرى حينما تراجع الأتراك بعد قراءة هذه التصريحات والتصريحات التي أدليتُ بها في القدس، خلال اجتماعي مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو. ولكن كان هذا هو المكان الذي كنّا فيه في بداية الرحلة. 
 
اتّصل بي ترامب في حوالي الساعة الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ليلاً، يوم السادس من يناير/كانون الثاني، قائلاً: «أنت مستيقظ، أليس كذلك؟»، وبالتأكيد، لم أكن كذلك. كان أحدهم قد أخبره بأنّ الأتراك غير سعداء من مختلف تصريحاتي التي نُشِرَت في الصحافة. بالطبع، لم أكن قد قلتُ شيئاً لم يقله ترامب لأردوغان. ومع ذلك، قال ترامب عدّة مرّات خلال تلك المكالمة القصيرة: «قاعدتي تريد الخروج [من سوريا]،» الأمر الذي يعني أن زيارة تركيا سوف تكون ممتعة بالتأكيد. في الواقع، في اليوم التالي، بينما كنّا نطير من القدس، سمعت السفارة في أنقرة أنّ أردوغان غاضبٌ جدّاً لدرجة أنّه قد يلغي الاجتماع المقرّر معي. في الدوائر الدبلوماسية، يُنظر إلى هكذا موقف على أنّه إهانة، ولكنني رأيتُ ذلك دليلاً على أنّ سياستنا في سوريا كانت صحيحة، من منظور الولايات المتّحدة، إن لم يكن من منظور تركيا.
 
بعد أن وصلتُ إلى أنقرة في الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة مساءً، اتّصل بي بومبيو ليخبرني بأنّ ترامب غير سعيد بالمادة التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، والمليئة حتى بأكثر من المعتاد بالأخطاء، وهي تسرد التناقضات في سياستنا حيال سوريا، وتذكر تصريحات من مسؤولين في الإدارة (23). بالطبع، كان العديد من التناقضات تصدر من ترامب نفسه، وقد أقرّ بومبيو بأنّه قد أدلى بالعديد من التصريحات التي تتبع لي (مثل القول بأننا لن نسمح لتركيا «بذبح الكورد»، الأمر الذي لم يحظ باهتمام إعلامي واسع، ولكنّه بكلّ تأكيد أثار حفيظة الأتراك) (24). اتّفقنا على أنّه لا ينبغي أن تطلب سفارتنا اجتماعاً مع أردوغان، وأننا ربّما قد وصلنا إلى اللحظة التي نعرف أنّها آتية لا محالة، حيث اصطدمت رغبة ترامب في الخروج من سوريا مع تصريحه بشأن حماية الكورد. وكان هذا أمراً لن يتسامح أردوغان معه. اتّصل بي ترامب بعد ذلك بحوالي ساعة. لم تعجبه التقارير حول الخلافات الداخلية في الإدارة، ولكنّه كان قلقاً في المقام الأوّل حول إن كانت وزارة الدفاع لا تزال تعمل بجدية على «خطّة الأسبوعين» لدحر خلافة داعش أم لا. حثثته على الاتصال بالوزير شاناهان لكي يُطمئن نفسه وقلتُ بأنني رأيتُ دانفورد لوقتٍ قصير في أنقرة، وأنني سوف أتابع الأمر أيضاً معه. 
 
ومن المفارقات، أنّ صحيفة واشنطن بوست، في اليوم التالي، نشرت للأسف تقريراً تقول فيه أننا، ترامب وأنا، لنا نفس الرأي بشأن الملفّ السوري (25) – أقول للأسف، لأنّ واشنطن بوست كانت تناقض مادتها التي كانت قد نشرتها قبل يوم (26). كشفت كلّ هذه التغطية الإعلامية المشوّشة في آنٍ واحد عدم الانسجام في تفكير ترامب، والتقارير المبنية على مصادر ثانية وثالثة، والتي تفاقمت في ظلّ رئيسٍ يقضي جزءاً غير متناسبٍ من وقته في مشاهدة إدارته تحت التغطية الإعلامية. إنّه لأمرٌ في غاية الصعوبة لدرجة لا توصف اتّباع سياسة معقّدة في جزء تسوده النزاعات من العالم حينما تخضع السياسة لتعديلٍ آنيٍّ بناءً على تصوّر الرئيس لكيفية نشر معلومات غير دقيقة، وغالباً ما تكون قديمة أساساً، ينشرها كتّابٌ لا يدركون في المقام الأوّل المصالح الفضلى للإدارة في الصميم. إنّ الأمر أشبه بصنع السياسة وتنفيذها داخل آلة لعبة الكرة والدبابيس، وليس في الجناح الغربي من البيت الأبيض.  
 
في غضون ذلك، وبخلاف إعلان المبادئ، وزّع جيم جيفري خارطة ملوّنة تُظهر ما هي الأجزاء من جغرافية شمال شرق سوريا التي يقترح السماح لتركيا بالسيطرة عليها والمناطق التي سيمكن للكورد الاحتفاظ بها. لم يُعجب دانفورد ما ظهر في الخارطة على الإطلاق. وسألت إن كان يجب أن يكون هدفنا إبقاء الأتراك بالكامل على جانبهم من الحدود مع سوريا في شرق الفرات، وقال دانفورد أنّ هذا هو موقفه بكلّ تأكيد. قلتُ أنني أُريد أن أرى شمال شرق سوريا شبيهاً بما هو عليه الآن، ولكن من دون تواجد القوات الأمريكية ؛ وكنتُ أعلم أنّ هذا قد يكون بمثابة «مهمّة مستحيلة»، ولكنني اعتقدتُ أنّه يجب أن يكون هذا هو هدفنا حتى إن لم ننجح في بلوغه. وافق دانفورد على ذلك. في هذه المرحلة، دخل جيفري في النهاية واستعرضنا سريعاً مشروع اعلان المبادئ الذي كان بوسعنا تسليمه للأتراك. أضفتُ إليه جملة جديدة لنوضّح بأننا لا نريد أن تُساء معاملة الكورد، وحرصتُ على أن أظهر بأننا لا نقبل تواجداً تركياً، سواء كان عسكرياً أو غير عسكري، في شمال شرق سوريا. وافق دانفورد وجيفري على المشروع الذي بات الآن، مع الخارطة، وفي ضوء التطوّرات بعد مغادرتي البيت الأبيض، مجرّد مسألة للتاريخ.     
 
لم يكن مستغرباً بالنسبة إلينا أن يُعلمنا أردوغان بأنّه قد ألغى اجتماعه معي لأنّه كان عليه أن يلقي خطاباً في البرلمان. وكما علما لاحقاً، كان خطاب أردوغان مخطّطاً على نحوٍ مسبق للهجوم على ما قدّمته على أنّه الموقف الأمريكي. لم يتزحزح أردوغان قيد أنملة عن إصراره على أنّ تكون تركيا مطلقة اليد في شمال شرق سوريا، الأمر الذي لم يكن بوسعنا القبول به إذا أردنا منع الانتقام من الكورد. ألقى أردوغان على نحوٍ أساسي خطاباً انتخابياً (قبل الانتخابات العامّة والمحلية في البلاد مباشرةً، والتي كان أداء مناصري أردوغان فيها ضعيفاً إلى حدٍّ ما(، قائلاً: «لا تنازلات» وأنّه من «غير الممكن... تقديم تنازلات» حول هذه النقطة (27). في طريق العودة، تحدّثتُ إلى بومبيو لأوجز له مضامين الاجتماعات التي عقدناها في تركيا. اتّفقنا على أن وجهات نظرنا حول الكورد «لم تكن قابلة للتوافق» مع وجهة نظر تركيا، وأنّ عليهم أن يكونوا «حذرين بالفعل». قال بومبيو أنّ وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو يحاول الاتصال به، وأنّه ينوي أن يقول له: «لديكم الخيار. يمكنكم أن نكون نحن على حدودكم أو الروس والإيرانيون [الذين سوف ينتقلون على نحوٍ شبه مؤكّد إلى شمال شرق سوريا إذا انسحبنا]. لكم الخيار». فقلتُ أنّ هذا يبدو موقفاً صحيحاً بالنسبة إليّ. 
 
بعد ذلك، اتّصلتُ بترامب لأخبره بما حصل. كان يعتقد أنّ الأتراك يستعدّون منذ أشهر للعبور إلى داخل الأراضي السورية، ولهذا السبب أراد أن يخرج قبل أن تهاجم تركيا الكورد بينما لا تزال قواتنا هناك. وتابع: «أردوغان لا يهتمّ بأمر داعش»، وهذا صحيحٌ بالفعل، وقال أنّ الولايات المتّحدة سوف تبقى قادرة على ضرب داعش بعد أن نغادر سوريا، وهذا أيضاً صحيح. ركّز ترامب في خطابه في ذلك المساء على مسألة الجدار الحدودي مع المكسيك، وهو الخطاب الأوّل لإدارته من المكتب البيضاوي، وأضاف: «فقط لا تُظهر أيّ ضعفٍ أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل»، كما لو أنّه لم يُدرك أنني وصفتُ الأمور كما حدثت بالفعل. وقال أيضاً: «لا نُريد أن نتورّط في حربٍ أهلية. هم أعداءٌ طبيعيون لبعضهم. الكورد والأتراك يتقاتلون منذ سنوات عديدة. نحن لا ننخرط في حرب أهلية، وإنّما نقضي على داعش».
 
في غضون ذلك، علمتُ أنّ دانفورد يعتقد أنّ العسكريين الأتراك أقلّ اهتماماً بكثير من أردوغان بالذهاب إلى داخل الأراضي السورية وأنّهم يبحثون عن أسبابٍ يمكنهم استخدامها لتجنّب القيام بعمليات عسكرية جنوب حدود بلادهم، بينما يقولون في الوقت ذاته أنّهم كانوا يحمون تركيا من الهجمات الإرهابية. وقال دانفورد أنّ الأمر بالنسبة إليهم مثل «حدودنا مع المكسيك ولكن بدرجة أخطر». لقد تحدّث دانفورد باستمرار بموجب إعلان المبادئ، مقترحا منطقة عازلة من عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً، يمكن أن تسحب القوات الكردية أسلحتها الثقيلة منها، وتُسيّر فيها دوريات من قوّة دولية تتشكّل على نطاقٍ واسعٍ من حلفاء الناتو وما شابه، الأمر الذي سيمكّنهم من التأكّد من عدم وجود توغّلا كردية إلى داخل الأراضي التركية، والعكس صحيح أيضاً، كما كنا قد ناقشنا الأمر سابقاً في واشنطن. وسوف تستمر الولايات المتّحدة في تأمين الغطاء الجوي وكذلك قدرات البحث والإنقاذ للقوّة الدولية، الأمر الذي اعتقدنا، دانفورد وأنا، أنّه سوف يحتفظ لنا أيضاً بالسيطرة على الأجواء فوق مناطق شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من أنّ دانفورد لم يشدّد على ذلك، إلا أنّه، لأننا موجودون في قاعدة عين الأسد في العراق، بتوجيهٍ من ترامب، سوف نكون قادرين، إذا دعت الحاجة، على العودة سريعاً وبقوّة إلى شمال شرق سوريا لقمع أي ظهورٍ جدّي لتهديدٍ إرهابي من قبل داعش. ولأنّ أولوية أردوغان الحقيقية، في رأيي، هي السياسة الداخلية، قد يكون هذا الترتيب كافياً. وكان علينا الآن أن نقنع الأوروبيين بالموافقة على هذا الطرح، ولكن كانت تلك مشكلة مؤجّلة. بينما كنّا نلعب على هذا الحبل أو كنّا نطوّر فكرة أفضل، الأمر الذي قد يستغرق أشهراً، كانت لدينا ذريعة مقنعة للإبقاء على القوات الأمريكية في شرق الفرات.  
 
أمّا بالنسبة إلى الكورد، فقد عرض جيفري الفكرة على قائدهم، الجنرال مظلوم عبدي، ليرى كيف سيكون ردّ فعله. كان دانفورد قَدَرياً، معتقداً أنّ خيارات مظلوم محدودة للغاية، وأنّه قد يفكّر ببعض الضمان الآن. ثمّ تحدّثتُ مع بومبيو، الذي اعتقد أنّ هذا هو الخطّ المناسب الذي يجب السير فيه وأنّ الآخرين في المنطقة سوف يدعمونه. فالدول العربية لم تكن تحبّ تركيا، وكانت لديها موارد مالية يمكنها أن تجعل من السهل على حلفاء الناتو وغيرهم أن يبرروا المشاركة في قوّة مراقبة متعدّدة الجنسيات. كان الحصول على تقاسمٍ أكثر إنصافاً للأعباء بين حلفائنا، وخاصّة حلف شمال الأطلسي، موضوعاً ثابتاً لدى ترامب، وفي الحقيقة كان موضوعاً صحيحاً. في أعوام 1990-1991، إبان نزاع الخليج الفارسي، قام جورج دبليو بوش بتمويل مجهودنا الحربي عبر طلب المساهمات من المستفيدين من تلك الحرب في المنطقة، مثل الكويت والمملكة العربية السعودية، وأيضاً دول أخرى، كانت بعيدة عن المنطقة ولكنّها مستفيدة، مثل اليابان. لقد تمّ ذلك بشيءٍ من الإحراج، أُشير إليه بخفّة من خلال إطلاق اسم «رحلة كأس القصدير»، لكنّها نجحت في تحقيق هدفها، ولم يعتبرها أحدٌ أنّها كانت مخزية. ولم يكن هناك من سببٍ لألّا تُعاد مرّة أخرى. 
 
واصلتُ شرح هذه المقاربة للوضع في سوريا لترامب. في المكتب البيضاوي، وفي اجتماعٍ حول قضية أخرى في التاسع من يناير/كانون الثاني، قدّم دانفورد عرضاً أكثر تفصيلاً وشرح فيه الأسباب التي تجعل وجود قوة دولية في المنطقة المحظورة جنوب حدود تركيا مسألة قابلة للتحقيق، الأمر الذي يسمح لنا بأن نخلّص أنفسنا دون أن نعرّض للخطر الكورد وحلفاءنا الآخرين المناهضين لداعش، ناهيك عن سمعتنا الدولية. أصبح دانفورد يدافع بقوّة عن بقاء قواتنا في قاعدة التنّف، وهذا ما شدّد عليه أيضاً العاهل الأردني أمام الوزير بومبيو أثناء زيارته إلى الأردن، مشيراً إلى أنّه كلّما طالت مدّة بقائنا في التنّف، كلما كان الأردن أكثر أماناً في مواجهة خطر امتداد الصراع في سوريا عبر حدود دولته. كان ترامب سعيداً بكون «خطّة من أسبوعين إلى أربعة أسابيع» لا تزال قيد التنفيذ، على الرغم من أنّه كان لا يزال يتوقّع تحقيق النتائج في غضون أسبوعين، وهو الأمر الذي لم يحدث. بدا راضياً، ولكن لم يمنع ذلك حديثاً مطوّلاً بشأن فشل ماتيس في تحقيق النصر في أفغانستان وسوريا. ثمّ تساءل عن سبب بقائنا هناك، بعد أن خضنا الحرب الكورية في الخمسينات من القرن الماضي، فضلاً عن انتقادنا لمختلف حلفائنا في جميع أنحاء العالم. وللتذكير فقط، لقد ناقشتُ مع ترامب مرات عديدة تاريخ التقسيم «المؤقت» لشبه الجزيرة الكورية عام 1945، وصعود كيم إيل سونغ، والحرب الكورية وأهميتها في حقبة الحرب الباردة – وأنتم تعرفون تلك الأمور القديمة – ولكن من الواضح أنني لم أترك تأثيراً عليه. لقد عانينا من هذه الدوّامة مراراً وتكراراً، ودائماً كانت النتيجة هي ذاتها. كلّ بضعة أيام، كان أحدهم يضغط من دون قصد على زرٍّ في مكانٍ ما، وكان ترامب يكرّر نفس تعليقاته من نفس شريط الفيلم الأصلي. 
 
أدّى دانفورد عملاً جيّداً في الدفاع عن نفسه، وبحدّ أدنى من التدخّل من قبلي، لأنني اعتقدتُ بأنّه كان من الأفضل ترك ترامب يسمع ذلك من شخصٍ آخر من أجل التغيير.  
 
كان ذلك أطول حديثٍ بين دانفورد وترامب أحضره، والأوّل من دون حضور ماتيس. تعامل دانفورد مع نفسه بطريقة ممتازة، وتساءلتُ كم كانت الأمور ستكون مختلفة لو أنّ ماتيس لم يتصرّف مثل « جنرال بخمس نجوم » يقود كلّ الجنرالات بأربع نجوم، وإنّما كوزير دفاع حقيقي، يُدير كامل آلة البنتاغون الواسعة. وأنا أشاهد أداء دانفورد، خطر في ذهني أنّ هناك حكمة خفية في الحظر القانوني على تولّي الجنرالات السابقين وزارة الدفاع. لم يكن هناك خوفٌ من انقلابٍ عسكري، ولكن المفارقة تكمن في أنّ لا الجانب المدني ولا العسكري لقيادة البنتاغون لا يكونا حسنا الأداء حينما يكون الاثنان عسكريين. إنّ الدور السياسي الأوسع نطاقاً للوزير لا يُناسب شخصاً له خلفية عسكرية، يدع ماتيس يُشرف على دانفورد والآخرين في هيئة الأركان المشتركة، الذي لا يحتاجون بالفعل إلى إشرافٍ عسكريٍّ إضافي. كما أظهر ذلك مدى غياب الإقناع لدى ماتيس في الاجتماعات سواءً في غرفة العمليات أو في المكتب البيضاوي. ربّما يكون قد اكتسب شهرةً باعتباره محارب- مثقّف لأنّه كان يحمل معه في الحرب نسخة من «تأمّلات» ماركوس أوريليوس، ولكنّه لم يكن مفكّراً. كلّ هذه المفاوضات حول دورنا في سوريا كانت تتعقّد بسبب رغبة ترامب الدائمة في التواصل مع الاسد بشأن الرهائن الأمريكيين، وهو ما كنّا، بومبيو وأنا، نعتقده أمراً غير مرغوبٍ فيه. لحسن الحظّـ أنقدَت سوريا ترامب من نفسه، من خلال رفضها حتى التحدّث إلى بومبيو بهذا الشأن. عندما أبلغنا ترامب بذلك، ردّ غاضباً: «أبلغوهم بأنّه سوف يضرب بقوّة إذا لم يعيدوا رهائننا إلينا، بقوّة بالغة. أخبروه بذلك. نُريدهم أن يعودوا خلال أسبوعٍ بدءاً من اليوم، وإلّا سوف لن ينسوا أبداً بأيّ قوّة ضربناهم». أدى ذلك على الأقلّ إلى إزاحة فكرة اتصال ترامب – الأسد عن الطاولة. ولم نتصرّف وفق الحديث عن ضرب سوريا. 
 
غير أنّ جهود تشكيل قوة مراقبة دولية لم تحقّق تقدّماً. بعد شهر من ذلك، في 20 فبراير/شباط، قال شاناهان ودانفورد أنّ وجود بعض القوات الأمريكية على الأرض في منطقة الحظر، جنوب حدود تركيا، سوف يكون شرطاً مسبقاً للمساهمين المحتملين في هذه القوّة، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي الوارد من قاعدة عين الأسد في العراق. بالتأكيد لم تكن لديّ مشكلة مع الفكرة، لكن طرحها مع ترامب كان بلا شكّ محفوفاً بالخطر. خلال عرضٍ موجزٍ في المكتب البيضاوي قبل اتصالٍ آخر مع أردوغان، في اليوم التالي، قلتُ أنّ البنتاغون يعتقد أنّه ما لم نبقِ على «بضع مئات» (تقصّدتُ استخدام هذه العبارة الغامضة) على الأرض، سوف لن نتمكّن بسهولة من تشكيل قوّة متعددة الأطراف معاً. فكّر ترامب لبرهةٍ ثمّ وافق على الفكرة. قال أردوغان أنّه يريد في الحقيقة أن تكون لتركيا السيطرة الحصرية على ما أسماه «المنطقة الآمنة» داخل شمال شرق سوريا، الأمر الذي اعتبرته غير مقبولٍ. من خلال مكبّر الصوت، الموضوع على وضعية الصامت فوق طاولة المكتب، اقترحتُ على ترامب أن يخبر أردوغان ببساطة أنّ دانفورد كان قد أدار هذه المباحثات، وأنّ العسكريين الأتراك سوف يكونون في واشنطن في اليوم التالي، وعلينا فقط أن ندع المباحثات العسكرية – العسكرية تتواصل. وأنهى ترامب حديثه. 
 
بعد ذلك، هرعتُ إلى مكتبي لأزفّ إلى شاناهان الخبر السعيد. بعد مضي ساعات، اتّصلتُ بدانفورد لأتأكّد من أنّه قد سمع، وقال لي: «سعادة السفير، ليس لديّ الكثير من الوقت للحديث لأننا خارجون الآن بالضبط إلى حفلة إعادة تسمية البنتاغون ”مبنى بولتون“». كان سعيداً مثلما كنّا جميعاً سعداء وكانت الموافقة على « بضع مئات» صيغة جيّدة للحديث (الأمر الذي كان بوسعه أن يعني أكثر من أربعمئة من دون الكثير من التصريح البلاغي). كان سيوضّح للأتراك بأنّه لا يريد أيّاً من قواتهم جنوب الحدود. اتّصلتُ بليندسي غراهام، وحثثته على الحفاظ على هدوئه حتى لا تكون هناك فرصة للآخرين لعكس الأمور، الأمر الذي قال أنّه سيفعله، كما تطوّع للاتصال بأردوغان، الذي تربطه به علاقات جيّدة، لكي يحثّه على تقديم الدعم الكامل لقرار ترامب. لسوء الحظ، أصدر ساندرز بياناً صحافياً، دون إيضاحه مع أيّ شخصٍ مطّلعٍ على الحقائق، مما تسبّب في تشويشٍ كبير(28). كان علينا أن نوضّح بأنّ المقصود بعبارة «بضع مئات» تنطبق فقط على شمال شرق سوريا، وليس على التنف، حيث سيكون هناك مئتا جندي آخر أو نحو ذلك من القوات الأمريكية، ليكون العدد الإجمالي قرابة أربعمئة جندي. لم أحاول على الإطلاق أن أوضّح الأمر على نحوٍ أكثر دقّة، على الرغم من التشويش الإعلامي. أكّد لي دانفورد بدوره أنّه قد هدّأ من مخاوف القيادة المركزية للقوات الأمريكية، والتي كانت قلقة بشأن التقارير الإخبارية المتناقضة، وقال لي: «لا تقلق، لا يزال المبنى يحمل اسمك». 
 
بوجود مطبّات عرضية في الطريق، هكذا كان الوضع في شمال شرق سوريا عندما استقلتُ من منصبي. كانت دولة خلافة داعش قد أُزيلت، لكنّ تهديده الإرهابي ظلّ ماثلاً بلا هوادة. وتدهورت آفاق تشكيل قوّة مراقبة متعددة الأطراف، ولكن ظلّ الوجود الأمريكي في المنطقة يتراوح حول ألف وخمسمئة جندي في عموم أنحاء البلاد. لم يكن من المعروف إلى متى سوف يستمرّ هذا «الوضع الراهن»، لكنّ دانفورد حافظ عليه لغاية 30 سبتمبر /أيلول، نهاية ولايته كرئيس لهيئة الأركان المشتركة. ظلّت عدوانية أردوغان من دون رادع، ربّما بسبب تدهور الاقتصاد التركي ومشاكله السياسية الداخلية. رفض ترامب فرض أي عقوبات بسبب صفقة شراء أردوغان لنظام اس–400، متجاهلاً استياء الكونجرس واسع النطاق. 
 
حينما ثار ترامب أخيراً في 6 اكتوبر /تشرين الأوّل 2019، وأمر مرّة أخرى بانسحاب الولايات المتحدة، كنتُ قد غادرتُ البيت الأبيض منذ قرابة شهرٍ. كانت نتيجة قرار ترامب كارثة تامّة على سياسة الولايات المتّحدة الأمريكية وعلى مصداقيتنا في جميع أنحاء العالم. لا أدري ما إذا كان بإمكاني تجنّب هذه النتيجة، مثلما حدث قبل ذلك بتسعة أشهر، ولكنّ ردّ الفعل السياسي السلبي الشديد الذي أبداه الحزبان في وجه ترامب كان متوقّعاً تماماً، ومبرَّراً تماماً. ولإيقاف هذا القرار مرّة ثانية، كان لا بدّ من شخصٍ يقف أمام الحافلة مرّة أخرى وإيجاد بديلٍ يمكن أن يقبل ترامب به. وعلى ما يبدو، لم يحدث ذلك. كانت هناك بعض الأخبار السارّة: فبعد سنواتٍ من بذل الجهد، في 26 اكتوبر /تشرين الأوّل، قضى البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية على أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، في غارةٍ جريئة (29). 
 
الهوامش:
 
(1) انظر غريغ فاريل وكريستيان بيرتيلسن «قد يعاني بنك خلق التركي من إدانة الولايات المتحدة لمصرفيين سابقين».
https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-01-04/turkey-shalkbank-
could-suffer-from-ex-banker-s-u-s-conviction
 
وانظر أيضاً، آماندا سلوت «لماذا تركيا متخوّفة من محاكمة رضا ضراب».
https://www.brookings.edu/blog/order-fromchaos/
2017/11/22/why-turkey-cares-about-the-trial-of-reza-zarrab/.  
 
2. انظر، «تثير قضية في محكمة في نيويورك قلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان».
https://www.economist.com/europe/2017/12/09./a-court-case-in-new-york-rattles-turkeyspresident-recep-tayyip-erdogan.
 
3. انظر، «أندرو برونسون: الولايات المتحدة تضرب تركيا بفرض عقوبات بسبب القس المسجون».
https://www.bbc.com/news/world-us-canada-45036378.
 
4. انظر زينب بلغينسوي، «تركيا تفرض عقوبات على اثنين من المسؤولين الأمريكيين انتقاما».
https://www.apnews.com/4d47a56373e64669b80a3a14f87c0be2.
 
5. «وزير المالية التركي: تركيا لا تتوقع غرامة على بنك خلق». 
https://www.reuters.com/article/usturkey-currency-albayrak-usa/turkey-expects-no-fine-for-halkbank-finance-ministeridUSKCN1LJ0L6.
 
6. انظر جاك اوينغ وكارلوتا غال، «قطر تهبّ لمساعدة تركيا، وتقدم 15 مليار دولار كشريان حياة».
https://www.nytimes.com/2018/08/15/world/europe/turkey-andrew-brunsontariffs.html.
 
7. انظر كارلوتا غال، «تركيا تُطلق سراح القس أندرو برونسون لتخفيف التوترات مع الولايات المتحدة».
https://www.nytimes.com/2018/10/12/world/europe/turkey-us-pastor-andrew-brunson.html.
 
8. انظر، على سبيل المثال، مجلس الأطلسي «الوضع الصعب لهجوم إدلب الأخير»، أغسطس /آب، 2018. 
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/the-sticky-situation-of-the-final-idliboffensive/.
 
9. انظر، على سبيل المثال، «تقول إسرائيل إنها شنت 200 غارة على سوريا منذ 2017»، سبتمبر /أيلول، 2018. 
https://www.aljazeera.com/news/2018/09/israel-launched-200-strikes-syria-2017- 180905063755959.html.
 
10. انظر باربارا ستار، «أسقطت سوريا بطريق الخطأ طائرة عسكرية روسية».
https://www.cnn.com/2018/09/17/politics/syrian-regime-shoots-down-russianplane/index.html. 
 
11. انظر جوناثان ماركوس، «هل تسيطر روسيا على الدفاعات الجوية السورية؟»
https://www.bbc.com/news/world-middle-east-45625388.
 
12. انظر، على سبيل المثال، مايكل نايتز، معهد واشنطن، «الرد على المضايقات الإيرانية للمنشآت الأمريكية في العراق».
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/responding-toiranian-harassment-of-u.s.-facilities-in-iraq.
 
الجزيرة، «صواريخ تضرب مكاتب المعارضة الكردية الإيرانية في كويا العراق ، 8 سبتمبر، 2018».
https://www.aljazeera.com/news/2018/09/rockets-hit-iranian-kurdish-opposition-offices-iraqkoya-180908090605503.html.
 
ادوارد وونغ، «إلقاء اللوم على إيران والولايات المتحدة تُخلي قنصليتها في جنوب العراق».
https://www.nytimes.com/2018/09/28/world/middleeast/iraq-iranconsulate-basra-closed.html. 
 
13. انظر، ادوارد وونغ، الهامش 12، الذي سبق ذكره.
 
14. انظر غلين هارلان رينولدز، «سلطان تركيا الجديد»، 20 يوليو/تموز، 2016. 
https://www.usatoday.com/story/opinion/2016/07/20/turkey-coup-islam-erdogan-shariasultan-caliphate-crackdown-democracy-column/87344676/.
 
15. وقد أُشير إلى المكالمة في الصفحة 138 في المادة أدناه: 
https://www.govtinfo.gov/content/pkg/DCPD2018DIGEST/pdf/DCPD-2018DIGEST.pdf. 
 
انظر أيضاً باربارا ستار «ترامب يأمر بانسحابٍ سريعٍ من سوريا في تراجعٍ واضح» .
https://www.cnn.com/2018/12/19/politics/ussyria-withdrawal/index.html; 
 
وكارين دي يونغ، «تحاول إدارة ترامب منع الهجوم التركي على الأكراد في سوريا»، 14 ديسمبر /كانون الأول، 2018.
https://www.washingtonpost.com/world/national-security/trump-administration-tries-to-headoff-turkish-assault-on-kurds-in-syria/2018/12/14/6d614120-ffe5-11e8-ad40- cdfd0e0dd65a_story.html
 
16. انظر مارك لاندلر، «ترامب يسحب القوات الأمريكية من سوريا ويعلن: انتصرنا على داعش».
https://www.nytimes.com/2018/12/19/us/politics/trump-syria-turkeytroop-wthdrawal.html.
 
17. انظر الصفحة 140 في المادة التالية:
 https://www.govinfo.gov/content/pkg/DPCD-2018DIGEST/pdf/DPCD2018DIGEST.pdf.
 
18. انظر، «تصريحات الرئيس ترامب للقوات في قاعدة عين الأسد الجوية بمحافظة الأنبار، العراق» ، 26 ديسمبر /كانون الأول، 2018.
https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/remarks-presidenttrump-troops-al-asad-air-base-al-anbar-province-iraq/.
 
19. انظر زيك ميلر واوليتا سي. بالدور، «الولايات المتحدة تدفع حلفاء الناتو للانضمام إلى قوة المراقبة في سوريا».
 https://apnews.com/1fa36d41b686410e84bfc986c9f56337. 
 
20. انظر بولتون، الاستسلام ليس خياراً، طوال الوقت، حول هذا الموضوع. 
 
21. انظر ديفيد أ. سانجر، «بولتون يفرض شروطاً بشأن الانسحاب من سوريا ويقترح تأجيلاً لشهور أو سنوات».
https://www.nytimes.com/2019/01/06/world/middleeast/bolton-syriapullout.html. 
 
22. انظر، «تصريحات الرئيس ترامب قبل مغادرته على متن الطائرة الرئاسية مارين وان»، 6 يناير /كانون الثاني، 2019.
https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/remarks-president-trump-marine-onedeparture-29/. 
 
23. انظر الهامش 21 الذي سبق ذكره.
 
24. انظر، أسوشيتد برس، «تركيا تنتقد تصريحات بومبيو بشأن (ذبح) الكورد»، 4 يناير/كانون الثاني، 2019. 
https://apnews.com/27fa54d76e8d4fa79453430f9e2b57ae. 
 
25. ميسي رايان وكارين دي يونغ، «لا تختلف عن تصريحاتي الأصلية: ترامب ينفي تغييرات في خطة الخروج من سوريا». 
https://www.washingonpost.com/world/national-security/nodifferent-from-my-original-statements-trump-denies-changes-to-syria-exitplan/2019/01/07/d93922f2-128f-11e9-90a8-136fa44b80ba_story.html.
 
26. كارين دي يونغ وكارون ديميرجيان، «على عكس ترامب، يقول بولتون إنّه لا انسحاب من سوريا حتى يتم تدمير داعش، وضمان سلامة الكورد». 
https://www.washingtonpost.com/world/national-security/no-different-from-my-originalstatements-trump-denies-changes-to-syria-exit-plan/2019/01/07/d93922f2-128f-11e9-90a8- 136fa44b80ba_story.html. 
 
27. انظر، هيئة الاذاعة الاسترالية، «الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول ”لا تنازل“ للكورد السوريين، متجاهلاً التماس الولايات المتحدة»، 8 يناير /كانون الثاني، 2019.
https://www.abc.net.au/news/2019-01-09/turkey-rejects-us-request-to-protect-us-kurdishallies-in-syria/10700680.
 
28. انظر، إذاعة أوروبا الحرّة، «يقول البيت الأبيض الآن أن 400 من ”حفظة السلام“ سيبقون في سوريا، بدلاً من 200»، 23 فبراير /شباط، 2019. 
https://www.rferl.org/a/us-keepingpeacekeepers-syria-pullout-kurds-russia-iran-turkey/29786293.html.
 
29. انظر زاكاري كوهين، «داخل الغارة العسكرية الأمريكية المثيرة التي قتلت زعيم داعش البغدادي».
https://www.cnn.com/2019/10/27/politics/bagdhadi-inside-the-raid-timeline/index.html. 
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

تعزيزات سورية على الحدود مع لبنان. الصورة: AFP

تعزيزات سورية على الحدود مع لبنان واكتشاف أنفاق عبر الحدود المشتركة

تواصل قواتٌ من الجيش السوري حالة تأهبها على الحدود اللبنانية في الريف الغربي لمحافظة حمص وسط البلاد، بعد أن كشفت عن وجود أنفاق عابرة للحدود بين البلدين، تتّهم الحكومة السورية حزب الله اللبناني بحفرها واستخدامها في عمليات تهرب السلاح والمخدّرات.