رووداو ديجيتال
يتعرض العراق لكارثة الجفاف بسبب شُحّ الموارد المائية في بلد عُرف باسمه وتوصيفه (بلاد الرافدين) و(بلاد ما بين النهرين)، حيث قامت أعظم حضاراته ومدنه على ضفاف الأنهار بدءاً بأول الحضارات الإنسانية، سومر، مروراً ببابل ونينوى والبصرة والكوفة وبغداد وسامراء.
ويعزو الفنان التشكيلي رشاد سليم، الباحث والمهتم في موضوع الأهوار والملاحة المائية، أبرز أسباب شُحّ المياه إلى "عدم اهتمامنا بالثقافة والملاحة والثروة المائية، حيث يُعتبر العراق معاصراً ممراً لمياه نهري دجلة والفرات إلى الخليج العربي".
اهتمام سليم بالثقافة المائية والملاحة دفعه إلى ترك محل إقامته في العاصمة البريطانية لندن والتنقل ما بين البصرة وذي قار وميسان وبغداد للتعريف بأهمية هذه الثقافة من جهة، ولتأسيس نوادٍ ملاحية ومراكز لإعادة بناء المشاحيف والقُفف الموجودة منذ الحضارة السومرية، حيث تم ذكرها في ملحمة جلجامش.
وكان الفنان التشكيلي رشاد سليم قد شارك في مشروع عالمي مهم للغاية عام 1978 في رحلة (سفينة دجلة) التي تم بناؤها على الطريقة السومرية، من القش والحلفاء والقصب، والتي قادها (ثور هايردال) لإثبات رحلات السومريين إلى بلدان العالم، لا سيما بعد اكتشاف أدوات زراعية سومرية في أيرلندا. وفي عام 2013 بدأ برحلة النزول مع نهر دجلة من تركيا إلى الجبايش، ويوضح: "لكن على مراحل، حيث كنا نتوقف بسبب المشاكل الأمنية وقتذاك".
وكشف سليم في حديث لشبكة رووداو اليوم الأحد، 31 آب 2025، عن "تأسيس الكشافة المائية بالتعاون مع الحركة الكشفية ووزارة التربية العراقية لتكون الرابط بين الفتيان والشباب من كلا الجنسين والتعليم والتراث ورواد الملاحة المائية في العراق"، موضحاً: "أنجزنا عدة متاحف ومعارض عن الملاحة المائية، ثابتة ومتجولة، وآخرها في جامعة بابل بمدينة الحلة".
يؤكد سليم بأن هذه النشاطات والبرامج "تندرج ضمن مشروع السفينة، الآن لدينا متاحف و10 أندية ملاحة موزعة في أنحاء العراق، وحتى في محافظة السليمانية عند سد دوكان، وملحقة بها بنية تحتية من مضيف وزوارق، ونتعاون مع مركز التراث والمخطوطات البصري الذي اختير له بيت تراثي بصري مبني حسب عمارة الشناشيل في مدينة البصرة القديمة. وكذلك مع متحف الحضارات في البصرة، حيث لدينا المتحف المفتوح للثقافات المائية والمرتبط بشبكة المتاحف المائية العالمية، ومعرض شامل عن الموروث الملاحي العراقي".
مضيفاً: "موروثنا الملاحي يمتد منذ جلجامش، وهناك ثلاثة أصناف من القوارب والسفن: الأول خيالي مثل سفينة نوح، وهذا بدأت أشتغل عليه كعمل فني. والقوارب العملية، حيث مذكور تاريخياً عن نقل الأرز من لبنان عبر الأكلاك (الكَلَك)، وهو نوع من القوارب كان يُستخدم لنقل البضائع محلياً من الموصل حتى بغداد، إضافة إلى 120 نوعاً من القوارب التي جددناها وأعدنا بناءها ووزعناها على نوادينا. والنوع الثالث هو القارب الذي يعبر بحر الموت، ففي آخر رحلة لي من تركيا إلى الجبايش نزولاً مع تيار النهر عام 2013، لاحظت الربط بين الإنسان والنهر؛ النهر يموت والثقافة المائية ماتت، مع العلم أن الملاحة بأهمية الزراعة من ناحية نمو وإنشاء وتطوير الحضارات".
رشاد سليم، وهو رسام تفرغ منذ سنوات طويلة لمشروع السفينة وإحياء الملاحة المائية وتعريف العالم بتراث هذه الثقافة في العراق، يقول: "منذ أكثر من 10 سنوات وأنا أعمل على موضوع الموروث الملاحي، ليست هناك مؤسسة أو منظمة في العراق تهتم بهذا المشروع، ونحن نعمل بدعم من (الصندوق البريطاني للحفاظ على الموروث الثقافي)، ومنظمة (أليف) وهي منظمة فرنسية سويسرية عربية، ورابطة المصارف العراقية الخاصة، إضافة إلى داعمين غير رئيسيين". ويضيف: "أنا عملت دراسات، ضمن مشروع السفينة، على (القُفّة)، وهي وسيلة نقل نهرية تعود للحضارة السومرية، وتكون أسطوانية (دائرية) ومصنوعة من قصب البردي ومطلية بالقار تماماً مثل المشحوف، وقد اختفت من الوجود منذ سنوات بعدما كانت تُستخدم في بغداد ووسط وجنوب العراق، وكذلك المشحوف، والبلم العشاري في البصرة".
ونوه سليم إلى أن: "غالبية الفنانين التشكيليين قاموا برسم المشاحيف في لوحاتهم باعتبارها جزءاً مهماً من التراث العراقي، مع أنها (المشاحيف) لم تعد موجودة في الواقع. وأنا كفنان تشكيلي يهمني التراث العراقي، رفضت هذا الواقع وأردت إحياء وجود هذه القوارب التي كانت موجودة لآلاف السنين ولأنها تمثل العلاقة بيننا وبين تاريخنا والبيئة".
وأشار إلى أننا "كنا قد مثلنا العراق رسمياً في بينالي البندقية للعمارة في إيطاليا عامي 2020 و2021، كما مثلنا العراق في مهرجانات دولية أخرى في البندقية وكامبريدج وأكسفورد، منطلقين من فكرتي الملاحة والحفاظ على البيئة، وهذا ما يربطنا بهذه المدن. وأردنا أن نأخذ معنا المشاحيف في هذه الملتقيات لكننا لم نحصل على الدعم الكافي ولا أي دعم من الحكومة العراقية، رغم أننا مثلنا العراق رسمياً في هذه المهرجانات والندوات".
وخلص الفنان التشكيلي رشاد سليم إلى أن: "أهدافنا تتلخص في الحفاظ على البيئة وعلى الموروث الملاحي، والحفاظ على الملاحة المائية والتعريف بها، وشد انتباه العالم إلى هذا الموروث لدعم العراق في محنته ومعاناته من شُحّ المياه ومواجهة كارثة الجفاف، خاصة وأننا لم نهتم بالأنهار والملاحة، فلا توجد أي ثقافة مائية لا محلية ولا مركزية. العالم وتركيا يقولون لنا أنتم لا تهتمون بالثروة المائية وهي بلا تنظيم ولا ثقافة، مع أن العراق هو البلد الوحيد الذي لديه إرث ملاحي ومائي وتم إهماله".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً