رووداو ديجيتال
في ظل حاجة العراق الماسة الى تعويض النقص الكبير في موارده المائية، لاسيما بعد تقليص حصته من المياه الواصلة اليه من تركيا وايران، وفي وقت يزداد متوسط درجات الحرارة فيه بمعدل أسرع بضعفين إلى سبعة أضعاف من المتوسط العالمي، بدأت تتزايد المطالب بتجربة الاستمطار الصناعي، كحل لنقص المياه.
يطال التصحر 39% من البلاد وتدهورت نوعية 54% من الأراضي الزراعية بسبب التملّح التدريجي، والذي يسبّبه تدفّق المياه المتضائل شكل ملحوظ في نهري دجلة والفرات، ولاسيما في فصل الصيف.
وتتدّفق قرابة 70% من موارد العراق المائية من الدول المجاورة إلى نهري دجلة والفرات، اللذين يعبران تركيا، علماً أنّ 80% من المياه في العراق تخصّص للزراعة.
بدأت ملامح أزمة المياه في العراق منذ عام 2020، حين خفّضت السدود التركية من مجرى مياه الفرات إلى الدول المجاورة بنسبة 60%، وبررت تركيا خطوتها بتشييد السدود، على غرار سدّ إليسو، بحجّة أنّه يؤمّن مصدراً حيوياً للطاقة الكهرمائية التي تعتبر أساسية لإدارة المياه والري لديها، لكنّها في المقابل تسبّبت بأزمة مياه يمكنها أن تحرم سبعة ملايين عراقي على الأقل من قدرة الوصول إلى المياه.
تتحكّم تركيا بأكثر من 90% من المياه التي تتدفّق في نهر الفرات و44% من المياه التي تتدفّق في نهر دجلة.
بدورها، قطعت إيران مياه نهر الزاب الأسفل عن العراق الذي يواجه خطر التصحر والجفاف، علماً أن هذا النهر تقع منابعه في شمال غربي إيران ويمتد لمسافة 402 كم داخل العراق، وهو ثالث روافد نهر دجلة.
وتمر مياه الزاب الأسفل، عبر مدينة السليمانية وتتجه إلى كركوك ومنها إلى الأجزاء الداخلية من العراق. ويؤدي قطع إيران لتدفق المياه خلال أشهر الصيف إلى مفاقمة مشكلة المياه في العراق.
حاجة الى الاستمطار الصناعي
وفق كل ما تقدم، برزت في الآونة الأخيرة مطالب بضرورة اللجوء الى الاستمطار الصناعي في العراق، في خطوة قد تسهم بحل جزء من مشكلة المياه في البلاد، لاسيما وأن العراق كانت له تجربة بهذا المجال في تسعينيات القرن الماضي، سبقت عدداً من الدول في المنقطة، والتي لجأت الى هذه التقنية في السنوات الأخيرة.
المطر الاصطناعي هو المطر الذي يتكوّن جراء عملية اصطناعية يقوم بها الإنسان عبر تلقيح الغيوم بأملاح ومواد كيميائية للتأثير على تكوّن المطر في الغيوم.
في الغالب تكون الأمطار الاصطناعية سامة، حيث تتكون من المخلفات الكيميائية من المحطات النووية، كما حدث في كارثة تشيرنوبيل عام 1986، حيث أصيبت أوروبا كلها بالأمطار النووية، مما أدى الى تشوهات خلقية وتسمم الأطعمة ونفوق الحيوانات.
حتى تتشكل كل قطرة مطر تحتاج إلى نواة يتجمع عليها بخار الماء، ومن الممكن أن تكون من الغبار أو حبات الطلع لهذا يلاحظ هطول الأمطار بعد العواصف الغبارية.
تمت بعض التجارب بهذا الصدد في أميركا، وفيها كوّنت أمطاراً اصطناعية من خلال بخّ الغيوم بمزيج كيميائي مكوّن من الصوديوم، المغنيسيوم، وكلوريد الكالسيوم.
تعتمد هذه العملية على تحضير نقطة ارتكاز لبخار الماء داخل أيونات المواد الكيميائية، وفي هذه النقطة يتحول بخار الماء إلى قطرة مياه تسقط إلى الأرض عند بلوغ وزنها قيمة معينة، وبهذا تتكوّن أمطار أكثر غزارة من المطر الطبيعي، ويصبح بالإمكان جعل المطر يغطي مساحات أكبر.
يمكن تلقيح الغيوم بالأمزجة الكيميائية المناسبة بواسطة طائرات تقوم برشّها من الجو، أو من الأرض بواسطة مداخين تنفث المزيج إلى السماء.
يعرف مناخ العراق بأن أمطاره شتوية في العادة، وليست على طوال السنة، وذلك لكونه متأثر بالدرجة الأساس ومحسوب على مناخ البحر المتوسط، الذي لا تكون أمطاره صيفية، إلا بحالات نادرة جداً.
"إجراء تجارب قبل القيام بالعملية"
حول إمكانية القيام بهذه التقنية في العراق، قال المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية لؤي المختار، لشبكة رووداو الاعلامية إن "هنالك امكانية للاستمطار الصناعي، لكن ليس بالامكان إجراء ذلك في كل وقت، لذا ينبغي معرفة طبقات الجو ونسبة الرطوبة وبذور الغيوم قبل القيام بهذه الخطوة".
وأوضح أن "استثمار الغيوم المتفرقة في هذه العملية يتم باستخدام بعض المواد الكيميائية، أو البث عبر موجات كهرومغناطيسية تحفز تكثيف الغيوم في منطقة محددة، لتنجم عنها أمطار"، مبيناً أن "هذه التجربة مطبقة في عدد من الدول في المنطقة، مثل دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بسبب تداعيات التصحر فيها وقلة المياه".
بخصوص مدى الاستفادة من هذه التقنية، رأى لؤي المختار أن "هذه العملية تجعل النباتات تنمو، كما أنها تساعد بتغيير حالة الجو"، مستدركاً أنه "يجب تقييم التجارب القريبة من العراق، ودراسة جدوى تلك التجربة، وما تترتب عليها من آثار، مثل استخدام المواد الكيميائية وتأثيرها الاقليمي، من خلال جلب الغيوم في الجو وتكثيفه في المنطقة".
المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية، أشار الى أن العراق "لا يملك التقنية، لكن بالامكان الاستفادة من الشركات العالمية المتخصصة بهذا المجال، عبر إجراء تجارب أولية قبل تطبيقها على نطاق واسع"، منوهاً الى "إمكانية تطبيقها في العراق، لكن بعد دراسة للجو من حيث الحرارة والرطوبة، كما ينبغي الذهاب الى المناطق الصحراوية لتجربتها هناك أولاً، على اعتبار أن تربتها تكون رخوة، ومن ثم امكانية استخدامها في الزراعة".
"الاستمطار تجربة إعلامية أكثر مما هي مفيدة"
بدوره، قال خبير الأنواء الجوية صادق العطية لشبكة رووداو الإعلامية: "بحكم خبرتي أرى هذه التجربة إعلامية أكثر مما هي مفيدة، لأنها لا تتعلق فقط بصناعة قطرات المطر"، مردفاً أن "مشكلتنا هي بضعف الحالات الجوية".
وأوضح أنه "خلال السنوات الأخيرة حصل لدينا ضعف بالحالات الجوية القادمة، سواء من البحر المتوسط أو من جنوب شبه الجزيرة العربية"، مبيناً أن "المطر الصناعي يتحقق أو يثبت النجاح فيما لو كانت هناك سحب موجودة في الأجواء، ومن خلال بذر هذه السحب بنوى التكاثف، ما يسهم في زيادة قطرات المطر في هذه الغيوم، وبالتالي الحصول على قطرات مائية يصعب على الهواء حملها، فتسقط على شكل مطر".
ورأى العطية أن "هنالك آثاراً سلبية من ناحية التلقيح الصناعي، ولا نستطيع تحديد مكان هطول المطر. ربما مثلاً تجري عملية الاستمطار في داخل الأراضي العراقية، ولكن كنظام عام تتحرك السحب نحو شرق العراق وتخرج خارج الحدود، لذا يكون الهطول خارج حدود العراق، لذا في هذه الحالة تعد سلبية أكثر مما هي ايجابية".
"الاستمطار بحاجة الى أموال طائلة"
من النواحي السلبية الأخرى، وفقاً لخبير الأنواء الجوية، أنها "تحتاج إلى المزيد من الأموال الطائلة لهذه العملية، وربما المصطلح يكاد يكون بسيطاً، ولكن تحقيق عملية الاستمطار ربما يكون صعب جداً، لأنه يحتاج إلى ملايين الدولارات، لأنه عبارة عن برنامج ربما يستمر لسنوات عديدة ويحتاج إلى إمكانيات".
ولفت الى أن "هذه الإمكانيات، مثلاً الرادار الأنوائي الذي يحدد في أي مكان تتواجد غيمة كثيفة الأمطار، نحتاج فيها إلى معدات خاصة لبذر هذه السحب على شكل طائرات مثلاً أو على شكل مدافع ترمي هذه البذور في داخل الغيمة".
وأوضح أن "شركات عالمية أصبحت تتبنى هذا الموضوع حالياً، حيث تريد أموالاً بالمقابل وهذا شيء طبيعي في عالم الرأسمالية"، واصفاً ذلك بأنه "أحد سلبيات الموضوع".
العطية استدرك أن "إيجابية هذه الحالة معروفة، وهي الحصول على أمطار ممكن تنفعنا من ناحية الزراعة ومن ناحية مياه الشرب، حيث أنتجت العديد من الدول أمطاراً اصطناعية، وهي تحسب لها أنها أنتجت برنامجاً للأمطار الاصطناعية مثل السعودية مثل الإمارات والصين والولايات المتحدة الأميركية".
تجربة عراقية سابقة
العطية، لفت الى أن "العراق كان سباقاً لهذه العملية في تسعينايت القرن الماضي، ومازال بعض الأساتذة الذين عملوا في هذا البرامج متواجدين، وأنا خاطبت أحدهم فقال لي إن هذا البرنامج خاص به ولا يمنحه الا بمقابل مادي".
وذكر أن "العراق أيضا كانت له مساهمة رغم فشلها في بعض الأجزاء، لأنها ليست ناجحة 100% بل ربما 50% تشهد نجاحاً"، موضحاً أن "عملية المطر أو تكوّن السحب هي عملية فيزيائية معقدة تدخل بها الإرادة الربانية والناحية العلمية كذلك، مردفاً أن "هذه العملية تتطلب جلب مادة كيميائية وزرقها في السحابة لأجل الحصول على المزيد من نوع التكاثف وتتولد قطرات المطر. فإذا كانت النسب المستخدمة في بذر السحب قليلة ولا تؤثر على الصحة العامة فلا بأس بها".
وشدد على أنه "يجب أن يكون هناك مختصين أكفاء وشركات تتبنى هذا الموضوع بحكم خبراتها في هذا المجال، ومتى ما كان البرنامج والبذر بمواد لا تؤثر على الصحة العامة بالتأكيد سيكون ملائماً للإستخدام".
بشأن ملاءمة مناخ العراق لهذه العملية، قال العطية إن "العراق له خصوصية تختلف عن مناخات دول مثل السعودية أو مناخات جنوب وشرق الجزيرة العربية، بحكم أنهم يتأثرون ببعض الحالات المدارية، بينما العراق لا يتأثر بالحالات المدارية بقدر تأثرنا بالحالات الجوية القادمة من البحر المتوسط وربما القليل من الحالات المدارية".
ورأى أن "هناك أيضاً صدى إعلامياً في الإمارات أخذ بالتداول في كثير من المواقع، حتى لو كان المطر عادياً بدون تلقيح صناعي وبدون استمطار، وأصبحوا يقولون إنه استمطار".
بشأن نسبة تحقيق النجاح في هذه الدول، بيّن العطية: "نحن نعرف بمتابعة الحالات الجوية، ونسب النجاح حتى في السعودية وفي الإمارات ليست عالية جداً، بسبب تدخل عوامل فيزيائية وعوامل معقدة فيها، تتعلق بحركة الغلاف الجوي"، مستدركاً أن "هناك بعض النجاحات في أماكن، وهناك بعض الفشل في أماكن أخرى".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً