ناجح المعموري.. "نسّاج" الأساطير الذي مدَّ جسور بابل إلى الجبل

29-12-2025
بسام مصطفى
A+ A-

لم يكن المفكر العراقي الراحل ناجح المعموري مجرد باحث في الميثولوجيا أو ناقد أدبي عابر، بل كان "مهندس جسور" من طراز فريد. وفي الوقت الذي كانت فيه الهويات تضيق، كان المعموري يوسّع أفقه المعرفي ليحتوي "القرابات المتخيلة" بين شعوب بلاد الرافدين، واضعاً الأدب الكوردي في قلب مشروعه الفكري، ليس من باب المجاملة الثقافية، بل بوصفه امتداداً طبيعياً وجوهرياً لأسطورة الأرض الواحدة.

رؤية كونية: الكوردي في مرآة السومري

تجاوز المعموري في تعاطيه مع الثقافة الكوردية حدود القومية الضيقة، فقد كان ينظر إلى النص الكوردي (شعراً وقصة) بوصفه مخزناً هائلاً للرموز التي تلتقي عند الجذور مع الحضارة السومرية والبابلية. كان يرى في "الناي الكوردي" صدىً لناي إنانا، وفي "الجبل" رمزاً للسمو الميثولوجي الذي عانقته ملحمة كلكامش.
هذا الشغف لم يظل حبيس التنظير، بل تحول إلى مشروع نقدي تخصصي قلّ نظيره لدى الباحثين العرب. فقد كرس المعموري سنوات طويلة لـ "تقشير" النص الكوردي واستنطاق المسكوت عنه فيه. في كتابه العمدة "موقد الثلج: الأسطورة في الشعر الكوردي المعاصر"، لم يكتفِ المعموري بالتحليل الفني، بل غاص في كيفية استحضار الشاعر الكوردي للأسطورة كأداة للمقاومة وإثبات الوجود، محولاً "الثلج" من رمز للبرودة إلى "موقد" يشتعل بالأسئلة الوجودية.

من "التفاحة" إلى "خطوات المطر"

تجلت علاقة المعموري بالأدب الكوردي في سلسلة من الإصدارات التي شكلت مكتبة بحد ذاتها؛ ففي "التفاحة والناي"، بحث في الوعي الأسطوري الكوردي، وفي "خطوات المطر"، قدم مراجعات نقدية عميقة للقصيدة الكوردية الحديثة، مبيناً كيف استطاع الأدب الكوردي أن يحافظ على خصوصيته الجمالية مع انفتاحه على الحداثة العالمية.

ولم ينسَ المعموري القامات الأدبية التي أثرت في وجدانه، فكتب عن تجربة الشاعر السرياني يوسف سعيد في "متخيل الشعر في الأساطير"، معتبراً إياه جزءاً من هذا الفسيفساء الرافديني الذي يجمع الكردي والعربي والسرياني في بوثقة واحدة.

المؤسسة والموقف.. المدافع الصلب

خلال رئاسته للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق (2016-2022)، ترجم المعموري رؤيته الفكرية إلى واقع عملي. كان المدافع الصلب عن حقوق الأدباء الكورد، والداعي الدائم لتعزيز حضورهم في المشهد الثقافي الاتحادي. آمن بأن الثقافة هي "الوطن البديل" الذي لا يعرف الحدود الإدارية، فجعل من مقر اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس بؤرة للتلاقح الثقافي العربي-الكوردي.

رحيل حارس الأسطورة

هذا المشروع المعرفي الهائل، الذي انطلق من قرية "سنجار" في الحلة ليصل إلى قمم أربيل والسليمانية، وصل إلى محطته الأخيرة قبل أيام. فقد فجع الوسط الثقافي برحيل المفكر الكبير ناجح المعموري يوم الأربعاء 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، في مسقط رأسه بمدينة الحلة (محافظة بابل) عن عمر ناهز 81 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض.

رحل المعموري مخلفاً وراءه أكثر من 50 مؤلفاً تنوعت بين الرواية ("النهر"، "مدينة البحر") والبحث الميثولوجي المقارن بين التوراة وملحمة كلكامش، لكنه يترك خلفه -بشكل خاص- إرثاً من المحبة والاحترام في قلوب المثقفين الكورد الذين رأوا فيه "الأخ والشريك" في استنطاق هوية الأرض.

بوفاة المعموري، يفقد العراق واحداً من أعظم "مؤولي" أساطيره، ورجلاً استطاع أن يثبت أن الحوار بين بابل والجبل ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة وجودية لاستمرار الحياة الثقافية. سيبقى "موقد الثلج" الذي أشعله ناجح المعموري دافئاً، يضيء دروب الباحثين عن الحقيقة في تضاعيف الأسطورة والجمال.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب