رووداو ديجيتال
مئة عام مرت على المصادقة على أول دستور عراقي، وبين عامي 1924 و2005، حيث صدور آخر دستور للجمهورية العراقية، هناك عدة دساتير أُلغيت وصدرت بدلاً عنها ولم يتم تعديل أي منها.
وحسب الخبير القانوني الدولي، الأكاديمي محمد الشيخلي، مدير المركز العربي للعدالة في المملكة المتحدة، ومقره في لندن،
فإن "أول دستور تمت المصادقة عليه عام 1924 بشق الأنفس، إذ تم رفضه من قبل المجلس التأسيسي، وكان بمثابة البرلمان العراقي، وإرساله إلى وزارة المستعمرات البريطانية التي كان وزيرها ونستون تشرشل، باعتبار أن العراق كان تحت الانتداب البريطاني، حتى ذهب الملك فيصل الأول بنفسه إلى المجلس التأسيسي وقال لهم بالحرف الواحد (لا تجعلوا فيصل معلقاً بين السماء والأرض)، وكان يعني قلقه على الدستور، عند ذاك صادق المجلس عليه".
يضيف الأكاديمي الشيخلي في حديثه لشبكة رووداو الإعلامية، اليوم السبت 25 تشرين الأول 2025، قائلاً: "استمر دستور عهد الملك فيصل الأول حتى عام 1959 حيث صدر دستور (جمهوري) في عهد عبد الكريم قاسم، استمر حتى صدور دستور 1964 بعد إعدام قاسم وتسلم عبد السلام عارف رئاسة الجمهورية، وهذا الدستور لم يصمد حتى 1970 حيث صدر في عهد الرئيس أحمد حسن البكر الدستور العراقي المؤقت الذي استمر حتى 2003، إذ تم اعتماد قانون إدارة الدولة الانتقالي تحت سيطرة الاحتلال الأميركي بإدارة بول بريمر، الحاكم الإداري الأميركي للعراق وقتذاك، وقبل صدور الدستور الحالي عام 2005 والذي اعتمد على قانون إدارة الدولة الانتقالي".
ومع استمرار الحديث ومطالبة أحزاب وشخصيات سياسية بإجراء تعديلات على الدستور العراقي، يرى الأكاديمي محمد الشيخلي، واختصاصه القانون الدولي، بأن الدستور العراقي الحالي يُعد من "الدساتير الميتة.. أي إنه من الصعب تعديله، بل إن إلغاءه وإصدار دستور جديد هو أفضل الحلول، ذلك لأنه، الدستور، محمّل بالألغام ولا يتناسب مع الوضع العراقي". مشيراً إلى أن "الفقه الدستوري يقسم الدولة إلى ثلاثة أقسام: الدولة الفيدرالية، والكونفدرالية، والدولة البسيطة، أي الدولة الواحدة مثل العراق، لكن الدستور نزل بالدولة العراقية درجة عندما اعتمد النظام الفيدرالي، وهذا الكلام القانوني كون الدولة البسيطة أكثر رقياً من الدولة الفيدرالية، ذلك أن الإدارة الأميركية أرادت تطبيق فيدراليتها على العراق وهذا لا يجوز، كون الولايات المتحدة كانت تتكون أساساً من 50 ولاية وكل ولاية جمهورية وتم توحيدها فيدرالياً، كما أن الفيدرالية الألمانية مثلاً تتكون من 6 مقاطعات كانت مستقلة، والعراق لا يشبه في وضعه أميركا أو ألمانيا".
ونبّه الشيخلي إلى أن "هذا الكلام لا يُعد انتقاصاً من إقليم كوردستان، وحسب تصريحات القيادات الكوردية، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك رئيس إقليم كوردستان نيجرفان بارزاني، فإن الأحزاب الحاكمة في بغداد لا تطبق الفيدرالية ولا تعترف بها، بل إن النظام المعتمد هو المركزية البحتة، ولهذا هناك الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية بين بغداد وأربيل". مضيفاً: "في العراق اليوم نظامان في دولة واحدة، وأنا كتبت بحثاً قانونياً مفصلاً عن هذا الموضوع كنت قد أرسلته إلى مكتب الرئيس مسعود بارزاني، أوضحت فيه أن في إقليم كوردستان نظاماً خاصاً يتناسب مع وضع الكورد وإقليمهم، وفي باقي مناطق العراق هناك نظام مركزي، العراق اليوم يُحكم بعقلية مركزية تستخدم سلطاتها بعيداً عن النظام الفيدرالي".

وقال الخبير القانوني محمد الشيخلي: "اعتماداً على الفقه القانوني، فإن شروط تعديل الدستور العراقي الحالي غير قابلة للتنفيذ، وهو قائم على المادة 158 من قانون إدارة الدولة الانتقالي الذي أصدرته إدارة الاحتلال الأميركي، لهذا أجد أن إلغاء الدستور وكتابة دستور آخر يتناسب مع الوضع العراقي أفضل من محاولة تعديله.. وهذا غير ممكن التحقيق لأن الأحزاب والكيانات السياسية وجدت في الدستور الحالي مصالحها ولن ترغب بإلغائه". مضيفاً: "في عام 2005 كنت في بغداد، وأنا تركت العراق عام 2007، وبحّ صوتي وأنا أناقش وأجادل وأبدي آرائي من خلال برامج ولجان وندوات حول الدستور، لكن لم يسمعني أحد".
وفي رده عن سؤال يتعلق بموافقة الشعب العراقي على مسودة الدستور الحالي قبل المصادقة عليه، أجاب الشيخلي قائلاً: "للعلم أن هناك خمس نسخ مختلفة من الدستور نزلت إلى الشارع العراقي للاستفتاء عليه، والقسم الأعظم من الشعب العراقي اتبع فتاوى رجال الدين بضرورة الموافقة على مسودة الدستور الذي قاطعه السنة العرب، وكان زلماي خليل زاد، السفير الأميركي في بغداد وقت ذاك، قد وعد طارق الهاشمي بإضافة بعض التعديلات بعد 3 أشهر من صدور الدستور، وكان الدستور يضم 140 مادة عند الاستفتاء عليه، وبعد صدوره صار يضم 142 مادة، أي أضيفت إليه مادتان لم يُستفتَ عليهما، ونعرف أن أية إضافة تغيّر في معنى الدستور، حتى لو غيرنا من الحرف (و) إلى (أو) فسوف يتغير المعنى تماماً".
وخلص الخبير القانوني الدولي، الأكاديمي محمد الشيخلي، إلى أن "عملية الاستفتاء على مسودة الدستور كانت مزوّرة وباطلة استناداً إلى المادة 61/3 منه، والتي تنص على (يكون الاستفتاء العام ناجحاً ومسودة الدستور مُصادَقاً عليها عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق، وإذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر، أي بمعنى جمع سكان وليس جمع مكان).. ونتائج ما سُمي بالاستفتاء وما أعلنته المفوضية المستقلة للانتخابات هي أن المحافظات التالية كان تصويت سكانها ضد الدستور، وهي محافظة ديالى التصويت 54% بأربعة وخمسين بالمائة، ومحافظة صلاح الدين 72% باثنتين وسبعين بالمائة، ومحافظة الأنبار 96% بستة وتسعين بالمائة، لو جمعنا هذه الأرقام 54 + 72 + 96 = 220، ستكون النتيجة هي (رفض الدستور) من ثلثي ثلاث محافظات عراقية".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً