رووداو ديجيتال
اعتبر الباحث السياسي في الشأن العراقي، الأكاديمي جاسم الحلفي أن "العراق تحول إلى ساحة مركزية لتقاطع مصالح المتحاربين في المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، بحيث إن القوات الأميركية والإسرائيلية تقصفان العراق، وإيران والفصائل المسلحة تقصف إقليم كوردستان ومناطق أخرى في العراق، هذا يعني أن العراق يتلقى الضربات من جميع الأطراف المتحاربة".
وقال الحلفي في حوار لشبكة رووداو الإعلامية، الأربعاء (22 نيسان 2026)، إن: "ما يحدث هو نتيجة طبيعية لتصرفات طغمة الحكم التي جعلت من العراق فريسة للصراعات الإقليمية والدولية ولا يمكن أن يتحاشى هذه الحرب؛ لأن الحكومة العراقية ليست قادرة على ضبط السلاح، وليست قادرة على أن يكون القرار العسكري بيدها، ونحن نعرف أن قرار الحرب بعد تغيير النظام في 2003 هو بيد مجلس النواب، ومجلس النواب لا كلمة له في هذه الحرب، وهناك أحزاب لها تمثيل في البرلمان ولها أذرع عسكرية.. إذن العراق في وضع لا يُحسد عليه، يُدار من قبل حكومة ضعيفة، ووضع سياسي مفكك، وعلاقات ما بين الأحزاب السياسية متقطعة الأوصال، وطرف يستقوي على الطرف الآخر، ومن صدّع رؤوسنا بالحديث باسم المقاومة ظهر أنه يتحدث عن المقاولة وليست المقاومة".
وتساءل الحلفي: "أية مقاومة هذه التي تتحدث عنها الفصائل المسلحة وهي من قصفت وتقصف المناطق المدنية والمنشآت الاقتصادية في إقليم كوردستان؟ مع أن الإقليم لم يتورط في هذه المواجهة العسكرية؟ كان من المفترض احترام قرار قيادة إقليم كوردستان، التي قالت "لا" لرئيس الولايات المتحدة، دونالد ترمب، الذي طلب في بداية المواجهة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الكورد والإقليم الدخول كطرف لتسليح فصائل كوردية إيرانية معارضة للنظام الإيراني وزجها إلى المناطق الكوردية في إيران ضد النظام، ولكن قرار قيادة إقليم كوردستان الحكيمة رفض هذا المقترح ولم تسمح لأي كوردي بعبور الحدود بين الإقليم وإيران، وهو -ترمب- الذي لم يُرفض له أي قرار من قبل زعماء دول كبيرة، ويفترض من الجميع احترام قرار قيادة إقليم كوردستان ويُعضد خاصة في وضع دولي محتدم وفي لحظة تفرد وغطرسة أميركا وإسرائيل، وقيادة الإقليم تقول لترمب: لا، لن نتدخل ولن نسمح لأي طرف من قبلنا بالتدخل لأننا نريد السلام للإقليم وللمنطقة".
وأضاف جاسم الحلفي قائلاً: "هذا يعني أن قرار القيادة الكوردية، البارزانية خاصة، كان أكثر حكمة وشجاعة وحدية من قرار الحكومة في بغداد في موضوع الحرب الدائرة حالياً، ونحن هنا نتحدث عن وقائع ولا نفترض ولا نريد أن نمدح أو نذم أحداً سوى أن نذكر المواقف بحقيقتها وكما هي. والعالم لم يسمع صوت إطلاق رصاصة واحدة في الحدود بين إقليم كوردستان وإيران، نحن نعرف أن الطبيعة الجغرافية لكوردستان بجبالها وتضاريسها المعقدة من الصعب السيطرة عليها، لكن قيادة الإقليم حافظت بشكل صارم على عدم التدخل مع إيمانها بمبدأ تقرير المصير للشعب الكوردستاني في إيران وتركيا وهي قضية قومية بالنسبة للكورد، لكنهم في هذه اللحظة قالوا "لا"، صحيح هذه الـ (لا) لم تكن خادشة وإنما سياسية ناعمة، وتعرضوا للقصف من قبل الفصائل المسلحة وإيران دفاعاً عن موقفهم".
واستطرد قائلاً: "في مقابل ذلك نجد أن الحكومة العراقية لم تفعل أي شيء، لم تستطع ضبط الأمن، ولم تستطع إلقاء القبض على الذين عبثوا بالأمن وبإقليم كوردستان ودول الخليج العربي التي اشتكت بأن غالبية المسيرات التي سقطت على أراضيهم انطلقت من العراق. للأسف في العراق استطاعوا أن يصنعوا أعداءً ولن يتمكنوا من كسب أصدقاء.. لم يصنعوا سلاماً ولا وحدة وطنية ولا جيشاً عراقياً موحداً ولم يتمكنوا من ضبط السلاح، وحقيقة الأمر أننا حتى الآن نعيش الأزمة ذاتها وهي مستفحلة، وهي أزمة بنية هذا النظام الذي قام على أساس نهج المحاصصة المقيت وحصص وغنائم".
ووصف الحلفي الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد بأنها: "طغمة فاسدة، وأنا أسميها هكذا باستمرار، وغير قادرة على الديمومة والاستمرار وتخلق تناقضاتها في داخلها وتنتج أزمات متشعبة ومتشابكة ولا يمكنها على الإطلاق أن تجد مخارج لهذه الأزمات وتفككها، وما نشاهده الآن ونشهده من صراع على السلطة داخل الإطار التنسيقي نفسه وبين قادة الإطار هو تعبير مجسد لما تعنيه السلطة من مغانم وليس بما تعنيه من تقديم خدمات وبناء البلد".
وحول ما حدث يوم أمس، الاثنين، من نقاشات مطولة في اجتماع الإطار التنسيقي حيث اختار نوري المالكي من يمثله، إحسان البدري، لمنصب رئاسة الوزراء بينما اختار السوداني مدير مكتبه، إحسان العوادي، لهذا الموقع. وفي رده عن سؤال: هل من المعقول أن يقرر الإطار المتكون من 12 شخصاً من يحكم 46 مليون عراقي بمختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم؟
أجاب الحلفي قائلاً: "لا.. هذا ليس معقولاً، وهذا الأسلوب في السيطرة على السلطة سيبقى هكذا، وهذه ليست المرة الأولى للتعبير عن هذه الأزمة بل في كل انتخابات جرت، وهم لا يسمحون إلا بتأمين مصالحهم، وفي النهاية سيتفقون على من يؤمن مصالحهم الشخصية وبقاءهم في السلطة، فهم لا يؤمنون بالمعارضة حتى لو كانت هذه المعارضة من داخلهم. ففي الانتخابات السابقة فاز التيار الصدري وكان بإمكانه تشكيل الحكومة وأن تكون هناك معارضة ممن لا يشارك في هذه الحكومة، لكنهم فرضوا على السيد مقتدى الصدر: إما أن تكون معنا أو لا تتشكل حكومة، وقبلها حدث الأمر ذاته مع ائتلاف (سائرون) وفي 2010 حدث نفس الوضع مع إياد علاوي (ائتلاف الوطنية). واليوم عندما فسر رئيس مجلس القضاء، فائق زيدان، الدستور بأن الائتلاف الفائز في الانتخابات من حقه تشكيل الحكومة، ويعني محمد شياع السوداني، اعترضوا عليه، فهم في أي لحظة يجدون الدستور يعيق مصالحهم لا يعترفون بالدستور ولا بمن صوّت عليه، بل ذهبوا لأبعد من ذلك وقسموا الشعب العراقي بحيث جعلوه طرفاً يخشى الآخر؛ العرب يخشون الكورد، والكورد عندهم قلق من العرب، والسنة عندهم ريبة من الشيعة، والشيعة عندهم ثأر تاريخي مع السنة، لهذا توصلوا إلى دستور يضم كل هذه المكونات سوية في حكومة واحدة، واختصروا الشعب العراقي إلى مكونات، واختصروا الشيعة إلى عدد من الأحزاب، وهذه الأحزاب اختصرت قيادتهم بـ 12 شخصاً هم قادة الإطار التنسيقي، وهؤلاء لا يمثلون الشيعة ولا يهمهم الشعب العراقي ولا نظام يجسد الكرامة ويؤمن العيش الكريم للعراقيين".
وحول الإنذار الأميركي الأخير الذي جاء فيه أن "الولايات المتحدة أوقفت شحنات الدولار إلى العراق، وربطت استئنافها بتشكيل الحكومة الجديدة، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط السياسية والأمنية بين الجانبين.. وأن واشنطن قررت أيضاً تعليق اجتماعات التنسيق الأمني، لحين الكشف عن الجهات المتورطة في استهداف السفارة الأميركية وقاعدة الدعم اللوجستي في مطار بغداد الدولي". قال الحلفي: "تأكد أنا كعراقي أشعر بالخجل.. هذه الأحزاب مكللة بالعار بغض النظر عن الموقف من إيران وهذه الحرب.. إيران التي يتمنون أن يحكموا مثلها تصدت لأميركا وإسرائيل في هذه الحرب وتخوض حالياً المفاوضات مع الولايات المتحدة، بغض النظر عما يحدث لكن عندها موقف وطني والشعب الإيراني توحد ضد هذا العدوان على بلده، بينما العراق لا يحتاج أن تضربه أميركا بصاروخ بل مجرد تنفيذ هذه الإنذارات والقرارات الصادرة عن واشنطن أربكت كل الأوضاع وإذا تم تطبيقها فلن يبقى في العراق نظام سياسي".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً