رووداو ديجيتال
العراقيون عاتبون بشدة على القادة العرب الذين لم يلبّوا دعوة العراق لحضور مؤتمر القمة العربية الـ34 الذي عُقد أمس السبت، 17 أيار 2025، في بغداد، ومن يقرأ منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي سيدرك مدى خيبة الأمل التي يشعرون بها لهذا الغياب الذي وصفوه بـ"المقاطعة". وفي ذات الوقت، يشعرون بالتباهي بأن "بغداد استطاعت، رغم كل الظروف، أن تستقبل من حضر بتكريم ومحبة".
وفي أحاديث بعض البغداديين أو "البغادة" حسب التسمية الدارجة، لرووداو اليوم الأحد، 18 أيار 2025، نشعر بلهجات بعضها غاضبة، والأخرى عقلانية، وثمّة أوصاف تأتي من باب عدم المبالاة: "فنحن نرحب بمن لبّى الدعوة وأهلاً وسهلاً بمن جاء، والله مع من لم يأتِ". فالمعروف عن العراقي بأنه لا يتردد عن التعبير عن رأيه السياسي، الذي ينافس أي محلل في تفسير ما يجري في البلد، وخير من يعبّر عن آرائه هم الناس الشعبيون الذين يدلُون بتصريحاتهم بلا لفّ ودوران أو استخدام مفردات منمّقة أو مصطلحات مبهمة، وأقربهم لي كصحفي هم سواق سيارات الأجرة وجلاس المقاهي الشعبية.
سألتُ سائق التكسي خلف كريم (يبلغ من العمر 42 عاماً)، الذي نقلنا أنا وزميلي الكاتب المغربي حاتم البطيوي عن رأيه حول مؤتمر القمة العربية ونتائجه، بعد يوم واحد من انعقاده. سأل أولاً عن البلدان التي جئنا منها، قلت له: أنا عراقي مقيم في أربيل وصاحبي مغربي. أجاب: "أهلاً وسهلاً، هذا الصحفي جاء من المغرب، هو بالنسبة لي أفضل من الذين تمّت دعوتهم وهيّئوا لهم سيارات فارهة ومحصّنة ضد الرصاص ولم يأتوا، وبالنتيجة هم من الخاسرين لأنهم لم يزوروا بغداد وينعموا بجمال المدينة".
يُضيف كريم قائلاً: "نحن كشعب نعرف أننا لن نحصل على أية مكاسب مباشرة من انعقاد مؤتمر القمة العربية، لكن العراق كبلد ستتعزز مكانته عربياً وعالمياً، وفي رأيي إن الحكومة نجحت في التزاماتها واستقبالها وتنظيم المؤتمر.. وأهلاً بمن جاء، ومن لم يحضر خسر محبة العراقيين وتأييد شعوبهم التي تؤيد العراق والعراقيين".
في مقهى بمحلة الشواكة العريقة وعلى ضفاف نهر دجلة، قال عبد الكريم حسن: "أنا عمري 63 سنة، وعاصرت الكثير من مؤتمرات القمة العربية كوني كنت أتابع الأحداث السياسية باعتباري قومي عربي. الآن لم أعد كذلك. أقول إني أشعر بخيبة أمل منذ سنوات طويلة بسبب هذه المؤتمرات التي لم تحقق للشعوب العربية أي إنجازات ملموسة، سوى إلقاء الخطب والشجب والاستنكار لممارسات العدو الصهيوني، وتؤكد على التلاحم العربي.. قل لي بربّك: أي تلاحم عربي وغالبية من القادة العرب قاطعوا قمة بغداد التي لم ولن تتأخر عن دعم جميع القضايا العربية؟".
وأضاف: "هذه المقاطعة ليست لرئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، بل ضد الشعب العراقي وللعراق ككل. العراق، رغم كل هذا ورغم ما مرّ به ويمر به، يبقى قوياً وشامخاً وكريماً". ثم أشار إلى بناية المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله والتي تقع على الضفة الأخرى، بجانب الرصافة من نهر دجلة، وبالضبط قبالة المقهى الذي كنا نجلس فيه، وقال: "انظروا، هذه المدرسة عمرها أكثر من 1200 سنة تقريباً، وعلّمت الدنيا كافة العلوم، وفي هجوم المغول أحرقوها وهدموا قسماً منها، لكنها ما تزال قائمة هنا لتُذكّر العالم بأن العراق دائماً ينهض من كبواته معافى إن شاء الله، ولن يؤثر على المدرسة المستنصرية أو على العراق غياب بعض القادة العرب عن قمة بغداد، لأن بغداد بحد ذاتها هي القمة".
سعد عبد الخالق، عمره 34 عاماً، يعمل في محل بيع وتصليح أجهزة الكومبيوتر، كانت لهجته غاضبة، وهو يشعر بخيبة أمل من قرار بعض القادة العرب بمقاطعتهم مؤتمر قمة بغداد. قال: "يعتقدون أن القمة فشلت لعدم حضورهم مؤتمر القمة، لكنني متأكد أنها نجحت حتى بغيابهم. فالمؤتمر عُقد، وبغداد نجحت بتنظيم المؤتمر.. ماذا يريدون من العراق؟ الحكومة هيّأت أرقى الفنادق لإقامتهم، وأحدث السيارات، BMW الحديثة والمصفّحة لتنقلاتهم، والناس رحّبت بمن حضر. كانوا يعتقدون أن الأمن منفلت والحياة بائسة، ومن جاء عاش ظروف بغداد الآمنة التي تسهر حتى الفجر".
موضحاً: "أعترف أن هناك أحزاباً سياسية عراقية تعمل ضد إنجازات السوداني، رئيس الوزراء، وأدخلت في أجندتها الانتخابية خطط إفشال مؤتمر القمة، وهؤلاء تجرّدوا من الوطنية. فأنا كشاب عراقي أؤيد السوداني وسأنتخبه لأنه حقق الكثير من الإنجازات لنا، ولو استمر هكذا سيحقق أكثر وأكثر".
سعد خريج الجامعة التكنولوجية، قسم هندسة الحاسبات، وهو موظف في إحدى المؤسسات الحكومية نهاراً، ويعمل في هذا المحل مساءً. مع ذلك، حسب حديثه: "أنا مرتاح ولم أتذمّر من الأوضاع، لأننا خرجنا، ومثلما يقولون، من عنق الزجاجة، والعراق يمضي إلى نجاحات قادمة". مضيفاً: "أعتب بشدة على الدول التي دعمها ويدعمها العراق، وتخلّف قادتها عن حضور القمة، وأطالب رئيس الوزراء بإيقاف هذا الدعم، وفي ذات الوقت أحيي من حضر من القادة".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً