معد فياض
تنشر رووداو على حلقات كتاب "عدنان الباجەجي.. رجل بين قرنين"، فهذا الدبلوماسي الذي مثّل العراق في الأمم المتحدة لأكثر من 50 عاماً، وتبوأ منصب وزير الخارجية في الستينيات، ولد في بدايات القرن الماضي، ورحل في الربع الأول من القرن الحالي، وبهذا يكون بالفعل قد عاش بين قرنين مزدحمين بالأحداث العراقية والعربية والدولية. كما التقى الملك فيصل الأول، مؤسس العراق الحديث، وعاصر كل رؤساء حكومات العهد الملكي ورؤساء الجمهوريات العراقية وصولاً إلى صدام حسين وما بعده. هذا الكتاب ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، لم يكتبها الباجەجي بنفسه، بل هو صفحات بارزة من حياته، وتطلّب إنجازه المرور بمراحل عدة وعلى مدى أكثر من سبع سنوات، وعبر محطات بدأت في لندن عام 2010 وانتهت في أبو ظبي عام 2017. أنا أسأل وهو يسرد بدقة.
كنا نتناقش، ونحلل، ونبحث، ونمضي خلال أزمنة ودروب وأزقة تنطلق من حي السنك في شارع الرشيد، حيث ترعرع الباجەجي، ونذهب إلى مدن بعيدة، نجتاز بحاراً وقارات لنتتبع قصصاً وأحداثاً وشخوصاً وتواريخ. تحدثنا عن السياسة والمدن والأزياء وأسلوب حياة المجتمع العراقي خلال مائة عام تقريباً.
الحلقة (28)
العودة إلى بغداد
بغداد القريبة.. البعيدة، الحاضرة في خريطة روحه منذ أن كان فيها وتركها، التي طالما تمنى أن يزورها ويتنفس نسيم دجلتها، ويضيع في أزقتها وأسواقها، مستمعاً إلى موسيقى الأصوات واللهجات التي تتداخل من مدن العراق كلها، وتصوغ لحن اللهجة البغدادية ومفرداتها.
يقول عدنان الباجەجي: "في أواخر أبريل (نيسان) 2003، اتصل بي السفير خليل زلماي زاد، ودعاني إلى اجتماع عقد في مطار بغداد، ودعا هذا الاجتماع إلى مؤتمر يعقد في أواخر مايو (أيار) من أجل اختيار هيئة قيادية تهيئ للانتخابات، وتسيّر أمور الدولة، أنا لم أحضر هذا الاجتماع".
كانت بغداد، بكل جغرافيتها وتاريخها موشومة في روح الباجەجي، ابن المدينة الحضارية، بغداد، التي لم تغادره بل كانت تتنقل معه أينما يكون، وها هي تستدعيه لأن يعود إليها، لأن يساهم مجدداً، بمساعدتها وبدعم أهله (البغاددة).
ترتسم ابتسامة على وجهه، ويقول "بعد غياب أكثر من 35 سنة دخلت إلى بغداد في 6 مايو (أيار) 2003 بواسطة طائرة عسكرية مخصصة للنقل (دي سي 130) تابعة للقوة الجوية لدولة الإمارات، وكان معي كل من: ميسون الدملوجي، فيصل الاستربادي ومهدي الحافظ. كنا أكثر من 20 شخصاً هبطنا في مطار بغداد، واستقبلنا القائم بالأعمال الإماراتي في العراق، من هناك اتصلت بخليل زاد، وقلت له إنني في بغداد، فأخبرني بأنه قادم في غضون 20 يوماً".
كان من الصعوبة عليه أن لا يتعرف على وجه المدينة التي عشقها باستمرار، بغداد، حسبما يصف انطباعه الأول عنها، قائلاً: "لم تكن هذه هي بغداد التي تركتها، لم أتعرف عليها، وصدقاً بغداد صايرة غير شكل. هي ليست بغداد سنوات شبابي، فقد ازدهر فيها العمران، وشقت فيها الشوارع والطرق السريعة والجسور. أحسست بخليط مزدوج من المشاعر، فرحت جداً أني عدت أخيراً إلى بغداد، وحزنت جداً، بل آلمني جداً مشاهدتي للدبابات ونقاط التفتيش الأميركية المنتشرة في العاصمة. كانت هذه مشاهد محزنة، أن ترى بغداد هكذا.. فأنا طوال عمري مرتبط روحياً ببغداد وبالعراق والعراقيين، وأشعر بأن العراق والعراقيين قريبون مني، حتى وأنا في الخارج"، مردفاً: "أنا في الحقيقة لم أكن أفكر في أنني سأعود ثانية إلى العراق، فقد كنت قد بلغت وقتذاك الثمانين من عمري، لكن الظروف تسارعت، والتغيرات التي حصلت هي التي دعتني إلى العودة للوطن".
ويعترف الباجەجي بأن "الوضع كان آمناً جداً عندما وصلت بغداد، حيث عقدت مؤتمراً صحافياً، وكنت أمشي في الشوارع، وأدخل المقاهي والمحلات التجارية، وأتحدث إلى الناس، وهناك من تعرف علي وسمع عني، وصارت لي شعبية كبيرة، لأنني لم أغتصب أموال الآخرين ولا بيوتهم، فنحن صرفنا من أموالنا الخاصة، على عكس الكثيرين الذين استخدموا المال العام للإثراء، ومع ذلك نقول الحمد لله والشكر".
السعادة، والحزن.. هذا بالضبط ما شعر به، ومثلما يؤكد الباجەجي في كل مرة يتحدث فيها عن عودته إلى بغداد، سعادة العودة إلى أحضان الأم، أو الحبيبة، والحزن لما أصاب هذه الحبيبة من جروح وآلام، يقول: "عندما ذهبت إلى شارع الرشيد، هذا الشارع الذي كان واحداً من أجمل شوارع بغداد، حيث كنا نقضي أيامنا نتمشى فيه ونتبضع من محلاته الفخمة والراقية، وجدته للأسف قد تحول إلى خراب حقيقي، بل إن المدينة كلها تحولت إلى خراب على الرغم من الإعمار الذي فيها، وهو إعمار لا يقارن بالوضع الاقتصادي للعراق، ولا بعدد السنوات التي استغرقها هذا البناء، وبالنسبة إليّ فقد شاهدت وعشت في الخليج ورصدت كيف بنيت المدن وازدهرت، وبخاصة أبوظبي ودبي، ثم أعود إلى بغداد لأجدها خراباً في خراب، ووجوه الناس تعبانة. القمامة في كل مكان، والحياة نكد في نكد، والمؤلم أن الأوضاع زادت سوءاً إلى يومنا هذا".
يستطرد قائلاً: "ذهبت أيضاً إلى المنطقة التي كانت تضم بيت جدي، حيث كانت القصور التي تقع بالقرب من جسر الأحرار، ووجدتها قد تهدمت، ثم زرت الإمام الأعظم، وصليت هناك، كما صليت في الكاظم، وفي مسجد الشيخ عبدالقادر الكيلاني، وعندما شاهدني الناس هناك خرجوا في مظاهرة لتحيتي، كما زرت مرقدي الإمامين الحسين والعباس في كربلاء، وصليت في مرقد الإمام علي في النجف".
بارزاني وطالباني أول الزائرين
من أوائل العراقيين الذين التقاهم الباجەجي في بغداد الزعيمان الكورديان جلال طالباني ومسعود بارزاني. يقول: "عندما ذهبت إلى بغداد، تشرفت بزيارة من قبل الزعيمين الكورديين طالباني وبارزاني إلى بيتي". ويستطرد قائلاً: "كنت قد التقيت مسعود بارزاني، قبل الغزو الأميركي، في لندن، حيث جاء في زيارة، وأقام له الكورد العراقيون حفلة استقبال في أحد الفنادق الراقية في العاصمة البريطانية، ودعيت إليها. وذات يوم اتصل بي من العراق وكنت في لندن، وبأدبه وتهذيبه العاليين دعاني إلى التعاون والعمل معاً من أجل العراق. أنا كنت أستقي معلوماتي عن بارزاني من صديقي الدبلوماسي العراقي، عصمت كتاني، فهو يرتبط بهم بعلاقة مصاهرة عائلية، وعم عصمت أعدمته الحكومة العراقية مع 3 ضباط كورد آخرين، تم الحكم عليهم بالإعدام، بينهم مصطفى خوشناو، عام 1947، حيث كانوا مقاتلين (بيشمركة) في صفوف الثورة الكوردية، وتم أسرهم من قبل القوات الحكومية، وأعدموا بتهمة حمل السلاح ومقاتلة الجيش العراقي".
هنا، واستهلالاً بعودته إلى الوطن، سوف تتوالى المفاجآت والأحداث على الباجەجي، وكانت أولى المفاجآت سياسية "بدلاً من أن يأتي خليل زاد كما وعدني، جاء بول بريمر، وبدأت مرحلة جديدة أو فصل جديد مع وصوله إلى بغداد، وانتهاء فصل غارنر، الذي التقيته مرة واحدة، والواضح أن السياسة الأميركية قد غيرت خططها. الأميركيون كانوا ضائعين، ولا يعرفون ماذا يفعلون. أنا كنت ألتقي ممثل بريطانيا في العراق، ساورس، الذي أصبح فيما بعد رئيساً لجهاز المخابرات البريطاني، فهو كان أكثرهم فهماً وإلماماً بمواضيع العراق، ويعرف ماذا يفعل".
أميركا مسؤولة عن قتل العراقيين
يوضح قائلاً: "أميركا عملت على إعطاء وجود القوات المتحالفة، وبخاصة الأميركية والبريطانية، في العراق الشرعية الدولية، معتمدين على القرار 678، وهو قرار سبق حرب تحرير الكويت لتبرير الحرب، وهذا لم يكن ممكناً، لأنهم حاولوا استصدار قرار من مجلس الأمن يسمح لهم باستخدام القوة ضد العراق، لكنهم أخفقوا في ذلك، بل أن مجلس الأمن اعتبر هذه القوات هي قوات احتلال، والعراق منطقة مُحتلة بموجب اتفاقيات جنيف، التي تفرض بعض المسؤوليات على القوات المحتلة، وتمنحها بعض الحقوق، ومنها مسؤولية إدارة البلد والتصرف في أمواله وحفظ الأمن، وغيرها. لهذا تتحمل الولايات المتحدة قانونياً وأخلاقياً مسؤولية القتل والخراب والدمار كله الذي لحق بالعراقيين والعراق، فقواتهم كانت القوة الوحيدة التي تقتل الناس".
ويرى أن هذه الحرب كانت سهلة على أميركا. يقول: "كانت أوضاع العراق سيئة، فهو بلد منهك وضعيف ومغضوب عليه دولياً، وتحت طائلة العقوبات، وأميركا صورت للعالم حقائق مزيفة ومبالغاً فيها، مثل أن العراق يمتلك خامس جيش في العالم كله، وأسلحة دمار شامل في إمكانها أن تقضي على العالم خلال 45 دقيقة، وأن احتلاله سيستغرق فترة طويلة، ودخول بغداد يتطلب القتال لستة أشهر، وهذا عكس الواقع تماماً. فقد كانت أميركا تعرف الحقيقة، وهي أن احتلال العراق سهل جداً، فليس هناك أي جيش سيقاتلهم، ولا أسلحة تتفوق على تسليحهم، ولا مقاومة حقيقية من العراقيين الذين أنهكهم صدام حسين بإجراءاته الاستبدادية، وهذا ما يؤكده عديد القوات التي أرسلتها أميركا لاحتلال العراق في 2003، والتي بلغت ما يقرب من 150 ألف مقاتل، بينما كان هناك نصف مليون مقاتل في حرب تحرير الكويت عام 1991".
ويعتبر الباجەجي أن "من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية بعد غزو قواتها للعراق، إعطاء مسؤولية حكم العراق لوزارة الدفاع الأميركية، التي كان وزيرها دونالد رامسفيلد، بينما قبل الحرب كانت الخارجية الأميركية، وبجهود كولن باول، قد دعت عراقيين اختصاصيين وأكاديميين في مجالات مهنية مختلفة، من حقوقيين وأطباء وصيادلة ومهندسين وإعلاميين وأساتذة جامعات وضباط سابقين في الجيش العراقي وإداريين، إلى واشنطن، وقامت بتدريبهم وتأهيلهم لكي يسهموا في إدارة الدوائر الحكومية في بغداد لفترة معينة بعد سقوط النظام، والإعداد لما بعد مرحلة صدام حسين، لكن هذه الجهود ذهبت أدراج رياح قرارات رامسفيلد وبريمر".
اللقاء مع السيستاني
الباجەجي علماني التفكير، وضد تدخل الدين في العمل السياسي، أو الخلط بين ما هو ديني وسياسي، ويرى أنه من الخطورة استخدام الدين أو استغلاله لأغراض سياسية، ومع ذلك زار المرجع الشيعي آية الله السيستاني في بيته في النجف للتعرف عليه عن قرب، يقول: "في بداية شهر يناير (كانون الثاني) 2004، زرت المرجع الشيعي آية الله السيستاني، وكنت وقتذاك رئيساً لمجلس الحكم، وعلى وشك ترؤس وفد من أعضاء مجلس الحكم إلى نيويورك، لمناقشة موضوع دور الأمم المتحدة في الانتخابات العراقية".
يوضح الباجەجي هنا: "عندما ذهبت إلى السيستاني، كنت أتصور أني سألتقي رجل دين، ذا لحية بيضاء طويلة، يجلس على الأرض ليستمع فقط، لكنني فوجئت بأن سماحته مستمع جيد، وبين وقت وآخر ينطلق بالحديث بلغة عربية مشوبة بلهجة فارسية، ووجدته مطلعاً ومتابعاً جيداً. تحدثنا عن الأوضاع السياسية، وحدثني عن الأمم المتحدة، وكيف يجب أن يكون دورها، وماذا عليها أن تفعل الآن إزاء العراق، وله اهتمام كبير بالسياسة، ولآرائه وزن كبير في الشارع العراقي، وبريمر كان يتبادل معه الرسائل من خلال موفق الربيعي".
ويرفض الباجەجي، وبقوة، التقسيمات العرقية والطائفية للمجتمع العراقي، التي لم يكن يعرفها العراق عندما تأسست دولته الحديثة عام 1921، إذ كانت الأحزاب والحكومات والبرلمان والمجتمع لا يفرق بين شيعي وسني، أو بين كوردي وعربي وتركماني، بل لم يميز بين مسلم ومسيحي ويهودي وصابئي وإيزدي. يقول: "كان من المفترض، وحسب خطط خليل زاد، تشكيل لجنة قيادية سداسية، تضم كلاً من إياد علاوي وجلال طالباني ومسعود بارزاني وأنا وأحمد الجلبي وعبدالعزيز الحكيم، ولم يكن هناك وجود لحزب الدعوة". مشيراً إلى أن "التقسيم كان بواقع 2 من القادة الكورد، وعلمانيين اثنين، وواحد شيعي، وأنا أمثل السنة، وهذا ما جعلني أرفض هذا المقترح. وقد أخبرت خليل زاد، وقتذاك، وقلت له: أنتم تريدونني هناك باعتباري سنياً. حيث تم ترديد أن عدنان الباجەجي سني عربي، وأنا ضد هذه الفكرة تماماً، وضد هذه التقسيمات القومية والمذهبية. وبعد مجيء بريمر، ووضع العراق تحت الوصاية الدولية، اقترحوا تشكيل هيئة قيادية من 7 أشخاص بدلاً من 6، وطلبوا مني الانضمام إليها، لكنني رفضت مجدداً من منطلق عدم الترويج للتقسيم الطائفي، واقترح الكورد وضع نصير الجادرجي بدلاً مني باعتباره عربياً سنياً، ثم أضافوا اسم إبراهيم الجعفري الذي كان يعاني إهمال الإدارة الأميركية له. وجاءني الجادرجي مع أعضاء حزبه (الوطني الديمقراطي) وسألني إذا كنت أعترض على ترشيحه للهيئة القيادية بدلاً مني، فقلت له: لا، بل العكس، أنت مناسب لهذا الترشيح".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً