رووداو ديجيتال
أعاد الحريق الذي اندلع مساء الاثنين (9 شباط 2026) في مصفى بيجي بمحافظة صلاح الدين فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في قطاع الطاقة العراقي، وهو ملف السلامة الصناعية والتداعيات البيئية والصحية المرتبطة بالمصفى الأكبر في البلاد.
ووفق بيان خلية الإعلام الأمني، فإن الحريق اندلع داخل وحدة تحسين البنزين في مصفى صلاح الدين/2، ما أسفر عن وفاة أحد العاملين وإصابة ستة آخرين بحالات اختناق نُقلوا على إثرها إلى مستشفى بيجي العام، فيما جرى نقل الجثة المتفحمة إلى دائرة الطب العدلي دون الكشف عن مزيد من التفاصيل الفنية المتعلقة بأسباب الحادث.
من جهته، أوضح مدير قسم العلاقات والإعلام في مديرية الدفاع المدني، نؤاس صباح شاكر، في تصريح لشبكة رووداو الإعلامية اليوم الأربعاء (10 شباط 2026)، أن البلاغ ورد عند الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة مساءً، وأن فرق الدفاع المدني وصلت إلى موقع الحادث خلال خمس دقائق فقط، حيث باشرت الاشتباك مع النيران بالتوازي مع فرق الإطفاء التابعة لوزارة النفط داخل المصفى.
وبيّن شاكر أن الحريق نشب في وحدة الهدرجة الخاصة بوقود البنزين، مؤكداً أن الفرق تمكنت من تطويق النيران وإخمادها "بوقت قياسي"، رغم تسجيل خسائر بشرية تمثلت بوفاة عامل وإصابة ستة آخرين، قبل أن تُسلَّم موقع الحادث إلى الأدلة الجنائية لاستكمال التحقيقات وتحديد الأسباب الفنية.
تحذيرات من تقادم المعدات وعقوبة لفت نظر
الحادث أعاد إلى الواجهة تحذيرات فنية سابقة كان قد أطلقها خبراء في قطاع النفط، من بينهم الخبير النفطي حيدر البطاط، الذي حذّر قبل نحو عامين من مخاطر تقادم وحدات المصفى وتهالك بنيته التحتية، معتبراً أنها تشكل خطراً تشغيلياً وبيئياً.
وفي تصريحات إعلامية تعود إلى 2023–2024، لفت البطاط إلى أن "معدات مصفى بيجي من جيل السبعينات، التي تعرضت للنهب والتفكيك خلال فترة سيطرة داعش، لا تعني بالضرورة استعادة كفاءتها التشغيلية أو البيئية عند إعادة نصبها ". كما أشار إلى أنها تشكل عبئاً بيئياً كبيراً على العاملين وعلى سكان المنطقة أيضاً.
هذه التحذيرات قوبلت بإجراءات إدارية بحقه مثيرة حفيظة وزارة النفط وحصل الخبير جراءها على عقوبة لفت نظر، وبحسب الكتاب الصادر في (19 تشرين الثاني 2025) الذي حصلت رووداو "على نسخة منه تحتفظ بها" فإن البطاط "أدلى لوسائل الإعلام بمعلومات قد تكون مغلوطة حول مصفى بيجي، وعدم وجود جدوى اقتصادية من إعادة تأهيله، كونه يؤدي إلى انبعاثات كربونية". وأضاف أنه صرح إلى وسائل الإعلام دون أخذ موافقة من الجهات المختصة.
وأشار أن هذه التصريحات جاءت " دون الاستناد إلى بيانات علمية". ليعود حادث حريق الأمس مذكراً بتحذيرات البطاط وخبراء آخرين.
المصفى بين الدمار وإعادة التأهيل
تعرض مصفى بيجي، المعروف أيضاً بـ"مصفى الصمود"، لدمار واسع وعمليات نهب ممنهجة بعد سيطرة تنظيم داعش عليه عام 2014.
وشملت الأضرار تفكيك وسرقة أجزاء رئيسية من وحداته الإنتاجية، بعضها صُمم خصيصاً للمصفى، ما صعّب تسويقها كقطع غيار.
الحكومة العراقية أعلنت لاحقاً استعادة كميات كبيرة من المعدات المسروقة تُقدّر قيمتها بمئات ملايين الدولارات، وبدأت عبر شركة مصافي الشمال، وبمشاركة شركات محلية ودولية، برنامجاً لإعادة التأهيل وإعادة التشغيل.
وأُعلن في شباط 2024 إعادة تشغيل المصفى جزئياً بعد توقف استمر قرابة عشر سنوات، بطاقة مستهدفة تبلغ 150 ألف برميل يومياً في المرحلة الأولى، مقارنة بطاقة تصميمية سابقة كانت تصل إلى 310 آلاف برميل يومياً، في إطار خطة لتقليل استيراد المشتقات النفطية.
جدل الجدوى الاقتصادية والتكنولوجية
إعادة تشغيل المصفى لم تُنهِ الجدل، إذ انقسم الخبراء بين مؤيد يرى أن استعادة المعدات الأصلية تسرّع الإنتاج وتوفّر مليارات الدولارات، وبين مشكك يعتبر أن التكنولوجيا القديمة تجعل الكلفة أعلى من الفائدة.
منتقدون أشاروا إلى أن بعض الوحدات تنتج نسباً مرتفعة من النفط الأسود قد تصل إلى 60% مقابل 40% فقط من المشتقات الخفيفة، ما يقلل الجدوى الاقتصادية ويزيد الأعباء البيئية، فيما طرح آخرون خيار بناء مصافٍ حديثة صديقة للبيئة بديلاً استراتيجياً.
الكلفة البيئية.. "الموت الصامت"
بيئياً، يُعد مصفى بيجي واحداً من أكثر المنشآت إثارة للجدل في العراق. تقارير ميدانية وتصريحات رسمية محلية تتحدث عن تلوث ممتد طال المياه والهواء والتربة.
تصريف مخلفات نفطية وكيميائية إلى نهر دجلة دون معالجة كافية، مع تسجيل حالات تلوث أثّرت حتى على مشاريع مياه الشرب.
انبعاثات هيدروكاربونية وغازات سامة من الشعلات النفطية تسببت بأمراض تنفسية وجلدية.
تم رصد معادن ثقيلة وعناصر مشعة في المناطق المحيطة.
القائممقام السابق لقضاء بيجي، محمد محمود الجبوري، وصف القضاء في تصريحات سابقة (2021 وتجدّدت 2023) بأنه "منطقة منكوبة صحياً"، مشيراً إلى توثيق أكثر من 2500 إصابة بالسرطان، إضافة إلى آلاف حالات الفشل الكلوي، عازياً ذلك إلى "تراكم الأثر البيئي للمصفى والمنشآت الصناعية".
كما طالب بإنشاء مستشفى أورام تخصصي وتخصيص أموال "البترودولار" لمعالجة الواقع الصحي، في وقت يتحدث فيه ناشطون محليون عن تحوّل بيجي إلى "إمارة للموت الصامت".
بين السلامة والإنتاج
حريق شباط 2026، رغم السيطرة عليه سريعاً، أعاد طرح أسئلة جوهرية هل تكفي إجراءات السلامة الحالية داخل منشآت أُعيد تشغيلها بعد دمار واسع؟ وهل يمكن الموازنة بين الحاجة الوطنية للإنتاج النفطي ومتطلبات البيئة والصحة العامة؟ أسئلة تبقى مفتوحة بانتظار نتائج التحقيق الفني.
لكن المؤكد أن ألسنة اللهب الأخيرة لم تحرق وحدة إنتاج فقط، بل أعادت إشعال ملفٍ مؤجل منذ سنوات.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً