الباجه جي: عملت لرفع العقوبات عن العراقيين وإزاحة نظام صدام حسين.. والمعارضة في الخارج أصرت على إبقاء الحصار

09-01-2022
معد فياض
معد فياض
A+ A-

تنشر رووداو على حلقات كتاب "عدنان الباجه جي.. رجل بين قرنين"، فهذا الدبلوماسي الذي مثّل العراق في الأمم المتحدة لأكثر من 50 عاماً، وتبوأ منصب وزير الخارجية في الستينيات، ولد في بدايات القرن الماضي، ورحل في الربع الأول من القرن الحالي، وبهذا يكون بالفعل قد عاش بين قرنين مزدحمين بالأحداث العراقية والعربية والدولية. كما التقى الملك فيصل الأول، مؤسس العراق الحديث، وعاصر كل رؤساء حكومات العهد الملكي ورؤساء الجمهوريات العراقية وصولاً إلى صدام حسين وما بعده. هذا الكتاب ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، لم يكتبها الباجه جي بنفسه، بل هو صفحات بارزة من حياته، وتطلّب إنجازه المرور بمراحل عدة وعلى مدى أكثر من سبع سنوات، وعبر محطات بدأت في لندن عام 2010 وانتهت في أبو ظبي عام 2017. أنا أسأل وهو يسرد بدقة.
 
كنا نتناقش، ونحلل، ونبحث، ونمضي خلال أزمنة ودروب وأزقة تنطلق من حي السنك في شارع الرشيد، حيث ترعرع الباجه جي، ونذهب إلى مدن بعيدة، نجتاز بحاراً وقارات لنتتبع قصصاً وأحداثاً وشخوصاً وتواريخ. تحدثنا عن السياسة والمدن والأزياء وأسلوب حياة المجتمع العراقي خلال مائة عام تقريباً.
الحلقة (26)

العراق في ضميري

مع كل انشغالاته في المساهمة ببناء دولة الإمارات العربية المتحدة، بقي تفكير عدنان الباجه جي بشعبه، ولم يتزحزح انتماؤه لوطنه الأول العراق، ومن موقعه في أبو ظبي وقربه من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ساهم كثيراً بدعم مواقف العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وبعدها.

في عام 1993 يقرر عدنان الباجه جي إحالته على التقاعد وترك الخدمة الحكومية في أبو ظبي بعد أن بلغ السبعين من عمره ليتفرغ لقضية بلده وشعبه العراقي، يقول: "على إثر ذلك تفرغت للعمل على مسارين: الأول، رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن على العراق بعد غزو الكويت في الثاني من أغسطس (آب) 1990، والثاني، العمل والمساهمة من أجل تخليص العراق من نظام صدام حسين المسؤول عن الكوارث والمآسي التي حلت بالبلد".

وفي هذا المجال "رحب بي بعض أقطاب المعارضة العراقية وأعربوا عن تقديرهم لاهتمامي بالشأن العراقي وأبدوا استعدادهم للتعاون معي، وعلى سبيل المثال أذكر السادة: محمد بحر العلوم، سعد صالح جبر، غسان العطية، أياد علاوي، أحمد الجلبي، إبراهيم الجعفري، ومحمد باقر الحكيم".


الأمين العام: لا فائدة من العرب

يكشف الباجه جي هنا عن مقابلته للأمين العام للأمم المتحدة وقتذاك، بطرس بطرس غالي، ووزير الخارجية المصري، عمرو موسى، حيث "طلبت منهما دعماً عربياً لجهود المعارضة العراقية لإنقاذ البلد من العقوبات والحكم الدكتاتوري القمعي"، وليست مفاجأة أن يكون رد غالي: لا فائدة من العرب، ولا تضيع وقتك معهم، حاول إقناع أمريكا لأن المفتاح بيدها"، مشدداً على "أنني كنت دائماً أصر على الموقف العربي لمساعدة العراق والعراقيين بدلاً من أي تدخل غربي في هذه القضية، وفي هذا الصدد نشرت في 6 ديسمبر (كانون الأول) 1996 مقالاً في جريدة (الحياة) اللبنانية بعنوان (مطلوب تدخل عربي في الشأن العراقي بدلاً من التدخل الأجنبي)، تناولت فيه القضية العراقية من كل جوانبها، وقد أثار هذا المقال ردود فعل إيجابية لدى المعارضين العراقيين، ودعاني بعضهم إلى المشاركة في تنظيمات المعارضة ورفضت ذلك وفضلت العمل مستقلاً وعدم الانتماء إلى أي حزب أو تجمع سياسي واستئناف نشاطي واتصالاتي العربية والأجنبية".

لست مع أحزاب المعارضة

وبالرغم من دعوات زعماء في المعارضة العراقية وتشبثهم بأن يكون الباجه جي أحد زعماء هذه المعارضة إلا أنه بقي مصراً على موقفه المستقل عنهم، يوضح: "اتصل بي صديقي طالب شبيب الذي رشحني لزعامة المعارضة، كما اتصل بي بعض أصدقائه وكانوا من البعثيين السابقين مثل السفير صفاء الفلكي، ولم أوافق".

لم تكن ضمن حسابات عدنان الباجه جي البحث عن مناصب أو زعامات سواء في المعارضة العراقية أو في العراق فيما إذا تغير النظام، كان كل همه هو رفع الحصار الظالم عن شعبه العراقي وإزاحة نظام صدام حسين.

 كان يعمل بمفرده، واعتماداً على خبراته الدبلوماسية وعلاقاته الوثيقة بالسياسيين العرب والغربيين، يقول: "في تلك المرحلة شددت على أهمية تغيير النظام من قبل العراقيين أنفسهم، وعلى أهمية أن تتمسك المعارضة العراقية باستقلاليتها وعدم الارتباط بجهات أجنبية حتى تبعد عنها شبهات الطائفية والقومية والفئوية والتبعية وأن تركز على موقفها الوطني العراقي".



يستطرد قائلاً: "وعندما لم يعجب هذا الكلام بعض زعماء المعارضة أشاعوا بأني أبحث عن دور زعامة بدعم من واشنطن، مع أني لم ولن أبحث عن المناصب أو الامتيازات فعلى مدى سنوات عملي تبوأت مناصب مهمة ومؤثرة في أبرز المحافل وهي الأمم المتحدة بالرغم من صغر سني، فأنا عملت في هذه المنظمة الدولية وعمري لم يكن يتجاوز الثلاثة والعشرين حتى وصلت إلى منصب وزير الخارجية، كما أن وضعي الحياتي والمادي كان منذ طفولتي جيداً ولست بحاجة لجاه أو اموال، كل ما كان يهمني هو خدمة العراقيين وبلدي العراق".

أحمد الجلبي حاربني

في عام 1998 هددت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية للعراق "إذا استمر بخرق شروط وقف إطلاق النار"، يقول الباجه جي: "أنا عارضت بشدة أي إجراء عسكري ضد العراق لأنه سيحدث أضراراً فادحة بالشعب العراقي وسيقوي النظام في ذات الوقت، وطلبت خلال تصريحات صحفية من الدول العربية أن لا تتخلى عن العراق، وإذا كان لا بد من التدخل العسكري فلا بد أن يؤدي إلى تغيير النظام، وفي آب 1998 اقترحت قيام مرجعية وطنية عراقية لتقود المعارضة تمهيداً لإحداث التغيير المنشود، وتوجس بعض زعماء المعارضة العراقية خشية من هذه التصريحات خاصة وأن نشاطاتي الدبلوماسية كانت متشعبة ومتعددة مما أدى إلى سريان شائعة مفادها أن واشنطن رشحتني لزعامة المعارضة العراقية، وبالرغم من تكذيبي، ومن خلال الإعلام العربي والغربي لهذه الشائعة، إلا أن بعض المعارضين العراقيين، خاصة أحمد الجلبي، استمروا بترويجها لخوفهم من منافستي لهم على انتزاع زعامة وهمية غير موجودة أصلاً ".



الباجه جي لم يعمل تحت خيمة أي فصيل سياسي معارض، ورغم هذا لم يتخلّ عن قضية الشعب العراقي، بل كانت جهوده واتصالاته مستمرة لمساعدة أهله، واختار أن يعمل مع شخصيات وقنوات ديمقراطية غير منحازة لطائفة أو قومية أو منضوية تحت جناح أية دولة غربية.

تيار الوسط

في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، كان الحراك السياسي العراقي، خاصة في العاصمة البريطانية، على أشده، وأعني هنا بالضبط حراك المعارضة العراقية، وكان واضحاً أن مفهوم المعارضة العراقية على قسمين، الأول والأكثر أهمية هم المعارضون الوطنيون الذين وقفوا ضد أي تدخل أجنبي أو عربي في الملف العراقي وكانوا يطالبون برفع العقوبات عن الشعب العراقي وبأن يقود الشعب عملية تغيير النظام الحاكم، ولم يمدوا أيديهم للحكومات الغربية والعربية طلباً للدعم المادي، وهؤلاء في غالبيتهم من العراقيين المثقفين والأكاديميين والسياسيين الوطنيين، وفي مقدمتهم كان عدنان الباجه جي وغسان العطية وعبدالمجيد الخوئي وفالح عبدالجبار وهاني الفكيكي وميسون الدملوجي، وأسماء كثيرة للأسف لا تحضرني، بينما كان في الصف الآخر من تسيّد الواجهة ومثّل المعارضة العراقية من خلال أحزاب وحركات وشخصيات سياسية وإسلامية، انضوى غالبيتهم تحت مظلة المؤتمر الوطني.



كان السياسي العراقي غسان العطية يعمل في لندن وبجهود وطنية متميزة على تأسيس تيار ديمقراطي تقدمي وطني مستقل، كما كان يصدر دورية مهمة بعنوان (الملف العراقي) وبجهود شخصية وتمويل ذاتي، وفي نهاية عام 1998 برزت إلى الوجود (حركة تنسيق قوى التيار الديمقراطي) التي ضمت نخبة من المثقفين والمهنيين العراقيين، وعقدت هذه الحركة ندوة دعي إليها الباجه جي في لندن حيث ألقى كلمة استعرض خلالها الأوضاع الدولية المحيطة بالعراق. يتحدث عن هذه الندوة قائلاَ: "ناشدت المجتمعين أن يتعاونوا مع القوى السياسية الأخرى، وتقرر في نهاية الاجتماع إنشاء تيار سياسي جديد يضم أعضاء حركة تنسيق قوى التيار الديمقراطي أطلق عليه (تيار الوسط) الذي انتخبني كأمين عام له، وقد بذل الأخ غسان العطية جهداً مشكوراً في تنظيم ذلك التيار وإخراجه إلى حيز الوجود".

مؤامرات المؤتمر الوطني

يشير الباجه جي إلى العراقيل التي كان يضعها المؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجلبي، والذي كان يمول مباشرة من قبل الإدارة الأميركية، هذه العراقيل وقفت حائلاً بوجه توحيد جهود المعارضة، إذ كان الجلبي يصر على أن المؤتمر الوطني وبزعامته هو الممثل الوحيد للمعارضة العراقية. حدث هذا قبل مؤتمر عقد برعاية الإدارة الأميركية في نيويورك عام 1999 إذ صارت رئاسة المؤتمر الوطني دورية بعد أن انضمت إليه أحزاب وحركات وشخصيات عراقية معارضة، وبدفع من واشنطن، وتقرر أن يقود كل زعيم حزب أو حركة المؤتمر الوطني شهراً واحداً وبصورة دورية، ولهذا ترأسه إلى جانب الجلبي كل من: أياد علاوي (حركة الوفاق)، جلال طالباني (الاتحاد الوطني الكوردستاني)، مسعود بارزاني (الحزب الديمقراطي الكوردستاني)، الشريف علي بن الحسين (الحركة الملكية الدستورية)، رياض الياور ممثلاً عن السنة، ومحمد علي النجم (وهو شيخ معمم) ممثلاً عن الإسلاميين الشيعة.

الامير حسن والشريف علي

أتذكر هنا حادثة ظريفة، كان أحمد الجلبي قد عين الكثير من المقربين منه وأنصاره كموظفين في إدارة مقر المؤتمر الوطني العراقي الذي كان يقع في واحدة من أرقى وأغلى مناطق لندن (نايتس برج)، وبالغ في شراء المكاتب وأجهزة الكمبيوتر والأثاث، وكنت كلما ذهبت إلى مقر المؤتمر الوطني وجدته خالياً من الموظفين والمكاتب غير مشغولة، حتى أن الجلبي غالباً ما دعاني لإكمال عملي والكتابة هناك كون الأجواء مريحة للغاية. وكان أن جاء دور الشريف علي، زعيم الحركة الملكية الدستورية، للرئاسة الدورية للمؤتمر الوطني لشهر يوليو (تموز) 2002، حسب الترتيب الأبجدي لأسماء قادة الحركات والأحزاب، وكان الشريف علي، وما يزال، معروفاً بنزاهته خاصة في الأمور المادية، ورقيه في التعامل، وقدم إليه الجلبي قائمة طويلة وعريضة بالمشتريات المبالغ في أسعارها مما دفع بالشريف علي لأن يؤخر صرف القائمة حتى يتحقق منها، وهذا ما أغضب الجلبي الذي كان يتحلى بالصبر وعدم التصرف بردود الأفعال السريعة دون أن ينسى الرد على الشريف علي وبطريقته الخاصة.



في منتصف شهر يوليو (تموز) 2002، عقد في لندن مؤتمر الضباط العراقيين المعارضين وتحت رعاية المؤتمر الوطني باعتبارها الجهة الممثلة للمعارضة العراقية، وكان الشريف علي في مقدمة الحضور كونه كان وقتذاك الرئيس الدوري للمؤتمر الوطني، وشارك في المؤتمر ضباط عراقيون سابقون فوجئنا بأنهم يقدمون أنفسهم برتب عسكرية عالية، فمن ترك الخدمة كمتقاعد أو هارب أو مطرود من الجيش في عهد صدام برتبة نقيب مثلاً قدم نفسه برتبة عميد، وهكذا حيث منحوا لأنفسهم قدماً وترقيات ورتب عسكرية حسب ما يشتهون هم أنفسهم. المهم في هذه القصة هو أننا فوجئنا بدخول الجلبي وبرفقته الأمير حسن بن طلال، شقيق الملك الحسين، وكان ولي عهد الأردن، ولم يكن الأمير حسن مدعواً للمؤتمر ولا علاقة له بالمناسبة خاصة وأنها تخص المعارضة العراقية، كنت أرصد نظرات الجلبي وهو يدخل بمعية الأمير حسن موجهة للشريف علي وابتسامته الشامتة واضحة على وجهه، بينما كان رد الشريف علي بابتسامة ساخرة وواثقة.

كانت خطوة الجلبي مفضوحة، حيث تحدثنا، الشريف علي وأنا بعد انتهاء أعمال المؤتمر بدقائق، وسألته عن رأيه بحضور الأمير حسن، فأجاب مبتسماً وبهدوء "خطة الدكتور أحمد الجلبي مفضوحة يريد أن يبلغني بأن الأمير حسن هو وريث عرش العراق ليضغط علي لتوقيع قائمة صرف المشتريات، وهذا لا يهمني لن أوقع القائمة حتى أتأكد منها وقيادة العراق مرهونة بقرار الشعب العراقي وأنا هنا ليس من أجل زعامة أو بحثاً عن منصب بل لمساعدة شعبنا العراقي".

أورد هذه الحادثة ليكون القارئ على اطلاع على بعض الأجواء التي كانت تعمل بها المعارضة العراقية في لندن وتصرفات بعض قياداتها التي استفحلت مؤامراتهم بعد عودتهم إلى العراق.

ضد الحصار.. مع الحصار

لم ينضم الدكتور عدنان الباجه جي إلى أي من تنظيمات أو أحزاب أو حركات المؤتمر الوطني، وفي ذات الوقت كان يعمل بجد وبإخلاص من أجل رفع المعاناة عن الشعب العراقي، في حين كانت غالبية الأحزاب في خارج العراق، (وهذا يعني باستثناء الحزبين الكورديين الرئيسين، الديمقراطي الكوردستاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني حيث كانا يعملان على الأرض العراقية بإقليم كوردستان) التي تسمي نفسها معارضة لنظام صدام حسين تصر على إبقاء الحصار.

 في الجهة الاخرى كان نظام صدام حسين أول المستفيدين من إجراءات الحصار، ذلك أنه أذل الشعب العراقي عن طريق البطاقة التموينية والظهور بموقف المنقذ للعراقيين، وكان، على سبيل المثال، يأمر بتوزيع دجاجة مجمدة لكل عائلة كـ(مكرمة) في شهر رمضان أو العيد، مع أن البطاقة التموينية أنقذت العراقيين في سنوات الحصار والتي كانت من تخطيط وإشراف وزير التجارة محمد مهدي صالح منذ عام 1987 وحتى الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

يضاف إلى هذا أن الحصار أسقط صورة المعارضة العراقية في أوربا والولايات المتحدة وشوهها في نظر العراقيين، والإعلام الرسمي العراقي في التسعينات استطاع، وبذكاء أن يستثمر تصريحات كبار المعارضين لصالحه. أتذكر هنا، وفي سابقة إعلامية أظهر التلفزيون العراقي الرسمي تصريحات لأحمد الجلبي وهو يجلس على أريكة (قنفة) مترفة في شقته الفارهة للغاية في حي (بارك لين) الراقي وسط لندن، وتبدو عليه علامات الصحة والراحة وهو يطالب الولايات المتحدة والأمم المتجدة بضرورة استمرار العقوبات وإجراءات الحصار، بينما العراقيون كانوا يتضورون جوعاً ويبحثون عن الحليب لأطفالهم، وكان الحصول على طبقة بيض (30 بيضة) بمثابة هبة من الله للعائلة، ناهيك عن غياب الأدوية وصعوبة الحصول على أساسيات الحياة، كما لم ينس العراقيون واحدة من أقطاب المعارضة العراقية (ر.ح)، التي تحمل الجنسية الأميركية، التي ظهرت في إحدى المؤتمرات الدولية عن الأوضاع الإنسانية في العراق والتي عقدت وقتذاك في واشنطن وهي تنادي بأعلى صوتها، مطالبة باستمرار الحصار في حين كان العراقيون لا يتوانون عن بيع إحدى كليتيهم (كلية) أو دمهم لتوفير لقمة الخبز لعوائلهم. والحديث عن معاناة الشعب العراقي خلال سنوات الحصار يحتاج وحده لأكثر من كتاب إذا ما تم رصده بعناية. لهذا عندما عاد الجلبي وغالبية زعماء الأحزاب المعارضة إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي في 2003 كانت صور غالبيتهم قد تشوهت أصلاً في نظر العراقيين وكانوا محقين بذلك لأنهم لم يقفوا إلى جانب شعبهم في محنته.

الحصار لم يؤثر على صدام حسين وعائلته والمسؤولين في النظام، إذ كانت تصل من العاصمة الأردنية عمان إلى بغداد يومياً أكثر من شاحنة مبردة معبأة بمختلف أصناف الأطعمة والحلويات وأفضل مستلزمات العيش الرغيد مخصصة لعوائل النظام وأركانه، ولم يتوقف، وقت ذاك صدام حسين ونجله عدي ونائبه طارق عزيز وحتى بعض المسؤولين من الصف الثاني من القيادة عن تدخين سيجار (كوهيبا) الكوبي الثمين. وكان علاجهم وعوائلهم يتم في مستشفى ابن سيناء الخاص الذي تتوفر به أحدث المستلزمات الطبية أو في مستشفيات عمان.

لهذا يؤكد الباجه جي قائلاً: "كان موقفي الثابت هو العمل من أجل رفع الحصار عن الشعب العراقي لأنه أنهك العراقيين، وكنت أصرح في الإعلامَين العربي والغربي بهذا الاتجاه مما أثار استياء بعض المعارضين الذين كانوا يطالبون باستمرار العقوبات وتشديدها، وكان هذا الموقف يتماشى مع قرار الإدارة الأميركية وقتذاك التي رفضت مناقشة موضوع رفع العقوبات عن العراق".

الانصياع للقرار الأميركي

يصمت الباجه جي قليلاً ويقول بحزن "ليس من المعقول أن تطالب دول مثل فرنسا وروسيا برفع العقوبات عن العراق بينما تطالب ما تسمى بالمعارضة العراقية باستمراره"، مشيراً إلى أن "المعارضة كانت تخشى الاختلاف مع الإدارة الأميركية فيما يتعلق بموضوع رفع الحصار، وكنت أرى أن التعاون مع الإدارة الأميركية لا يعني الموافقة الكاملة على كافة آرائها وقراراتها، وكنت أقول على العكس من ذلك وأعتقد أننا سنحصل على احترام واشنطن أكثر بمعارضتهم من أجل مصلحة الشعب العراقي".

في 2001 يقرر الباجه جي اعتزال العمل السياسي وترك منصبه كأمين عام لتيار الوسط، وحسب تبريره لهذا القرار: "اتضح لي مع مرور الأيام أنه كانت هناك خلافات شخصية بين أعضاء الهيئة الإدارية في التيار، وقد أسفت لذلك وحاولت جاهداً رأب الصدع، ولكني لم أوفق بسبب الفردية المتأصلة في نفوسنا كعراقيين والتي تمنعنا من العمل كفريق واحد، وكان ذلك السبب الرئيس لاعتزالي العمل السياسي"، مع أنه يشيد بجهود "الأخ غسان العطية المتحدث الرسمي وساعدي الأيمن في إدارة التيار ولم أنسَ جهوده في جعل التيار قوة مؤثرة في المعارضة العراقية".

لكن اعتزال الباجه جي للعمل السياسي في تيار الوسط لم يبعده عن قضية شعبه العراقي، بل بقي يتواصل من أجل انقاذ البلد والناس ويقدم المقترحات ويجري الاتصالات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

معد فياض

 

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب