رووداو ديجيتال
اعتبر عالم النفس، البروفيسور يوسف حمة صالح مصطفى، أن ما حصل من تحرش جماعي على فتاة في البصرة ليلة رأس السنة الميلادية يمثل "ظاهرة همجية للأسف لا تنتمي لأهالي البصرة ولا لثقافتهم واخلاقهم وانفتاحهم الفكري." منوهاً: "انا عندي اصدقاء من البصرة وما زلت على تواصل معهم منذ اكثر من 50 سنة، البصرة غنية عن التعريف ونعجز عن ذكر كرم اهلها واخلاقهم الطيبة وانفتاحهم الاجتماعي والفكري، وما عندهم هكذا نزعة".
وشخّص البروفيسور مصطفى لشبكة رووداو الاعلامية، اليوم السبت 3 كانون الثاني 2026، حادثة التحرش الجماعي على فتاة في كورنيش شط العرب، قائلاً: "هذه الظواهر الشاذة وجدت بعد السقوط، 2003، بسبب الضغط على الحريات ونشر المسائل الميتافيزيقية والخرافات وتمجيد ما بعد الموت، حيث اهتمت المذاهب، السنية والشيعية، بتثقيف الناس، الشباب خاصة، بعدم التشبث بالحياة وتحقيق طموحاتهم وبناء مستقبل متوازن، بل على ما سيحدث بعد الموت حيث تنتظرهم حياة سعيدة ومكافآت".
مضيفاً: "اليوم الاثنية هي التي تحكم وليست العقلانية والواقعية في ظل غياب الاهداف الحياتية غير الموجودة، ونتيجة ذلك نرى الانسان هناك يفتقد الاهداف الحياتية ويتشبث بأهداف ما بعد الحياة والغنائم والمكافآت التي يحصل عليها يوم القيامة.. هذه وبعد عقدين من الزمن صارت عقيدة يؤمن بها الشباب بلا شعور جمعي، خاصة ان غالبية هؤلاء في عمر المراهقة، وتحول الموضوع عندهم الى نوع من النمذجة (تعلم سلوكيات جديدة من خلال ملاحظة وتقليد الآخرين (نماذج))، يعني اول واحد تحرش بالبنت ثم الثاني والثالث وهكذا وجدوها غنيمة سهلة، وهم يعبرون عن مدى الكبت الجنسي والحرمان الفكري ومن الحرية ايضاً".
وأضاف: "البصرة مدينة مشرعة ابوابها للانفتاح الفكري الحضاري، والناس تسافر الى هناك للتنزه على ضفاف شط العرب وتمارس حرياتها الاجتماعية، وهي موطن الادب والفن، هذا ما معروف عنها، لكن هذه الابواب اغلقت بوجه الانسان البصراوي.. البصرة لم تُخدم من ناحية البنية التحتية، خدمات جدا قليلة وكأنما مقصود ان يضعوها في هذا الوضع المزرى، واعتذر عن هذا الوصف، فيما يتعلق بالتقدم والانفتاح.. وعلى ما يبدو هذه مسالة انتقام من البصرة واهلها وبتأثيرات خارجية، وربما لان كان لها دور فيما يتعلق بالحرب العراقية الايرانية. وعلى العموم فان المحافظات الجنوبية لم تُخدم، مع ان نظام الحكم شيعي، الدولة شيعية، والحكومة شيعية بامتياز، وهذا يشمل الناصرية والديوانية والسماوة حيث اسمع بان اوضاعها مأساوية".
هزّ وجدان العراقيين.. تحرش جماعي بشابة مراهقة ليلة رأس السنة في كورنيش البصرة pic.twitter.com/1EUVIaLI19
— Rudaw عربية (@rudaw_arabic) January 2, 2026
وفي رده عن سؤالنا فيما يتعلق بالحريات، فان الشباب في البصرة كما في باقي انحاء العراق يتمتعون بالحرية، وهناك السوشيال ميديا، وشاهدنا الانفتاح في البصرة خلال بطولة الخليج العربي لكرة القدم عام 2023، فما الذي حدث اليوم؟ قال البروفيسور مصطفى: "هذه الظاهرة لها تفسيرات متعددة، الشباب مستقبلهم مجهول، يشعرون بقلق وخوف عال من المستقبل، وهذا يولد عندهم نوعاً من عدم الانتماء لمدينتهم ولأهلهم. هذه البنت التي تعرضت للتحرش الجماعي تمثل شرف البصرة وشرف العراق وشرفنا كلنا، فكيف يمكن ان يعتدي الفرد على شرفه؟.. الانتماء بحسب نظرية ماسلو (عالم النفس الاميركي، ابراهام ماسلو، في نظريته، الدافع البشري، يقول: البشر عموماً يشعرون بالحاجة إلى الانتماء والقبول، سواء إلى مجموعة اجتماعية كبيرة، أو الصلات الاجتماعية الصغيرة، وفي غياب هذه العناصر الكثير من الناس يصبحون عرضة للقلق والعزلة الاجتماعية والاكتئاب). والانتماء لشخص معين يعني انه يحبه، وان ينتمي لمدينته يعني انه يحبها، لكن ما حدث في البصرة، التحرش الجماعي، يدل عدم وجود انتماء لا للعائلة ولا للمجتمع ولا للمدينة.. انا اعرف انه اذا شخص تحرش ببنت في اربيل وفي مدن عراقية اخرى سيدافع عنها مئة شخص".
وأوضح بأن: "التحرش الجماعي سببه انهيار منظومة الخلق والاخلاقيات التي كان يتمتع بها الفرد العراقي، وحدث هذا جراء فقدان الانتماء للوطن وللمدينة وللمجتمع ككل، وهذا ادى ويؤدي الى جرائم فضيعة مثل قتل الاب وقتل الابن وقتل الزوجة.. حيث يفقد الفرد محبته للناس. انا هنا لا اريد اختزال هذه الحالة (المقرفة) بالكبت الجنسي، فالكثير من العقد النفسية تولدت عند الشباب نتيجة المظالم التي يشعرون بها.. الشعور بعدم عدالة العالم الخارجي، وهذا عامل او متغير فاعل جداً في تحويل الانسان ليكون مجرماً.. يعني الشاب تعب واجتهد واكمل دراسته الجامعة وتعب وهو ينتمي لعائلة محترمة، ثم يجد نفسه بلا فرصة عمل ولا يملك اي شيء ولا حتى ما يعين به نفسه واهله، على العكس من ذلك يرى شاباً آخر لا درس ولا كمل جامعة وعنده ملايين الدولارات لانه ينتمي الى الحزب الفلاني وابن فلان المتنفذ، فيولد عنده شعور (عدم عدالة العالم)، وغالبية من العراقيين يتمتعون بهذا الشعور".
وشخص البروفيسور في علم النفس يوسف حمة مصطفى بأن: "الوضع السياسي له علاقة مؤثرة بهذا الموضوع، النظام السياسي خدم الاحزاب الحاكمة والذين ينتمون لهذه الاحزاب، لكنه لم يخدم الانسان العراقي، هذا النظام لم يخدم المواطن مما ولد عنده ردود افعال سلبية".
مضيفاً: "نحن هنا لا نتطرق الى حالات فردية، حرشة فردية، بل الى التحرش الجماعي، وهذه الحالة تستدعي تحليل نفسي، سايكو سسيولوجي، وتحليل سياسي واقتصادي واجتماعي عميق جداً، لأنها مسالة تتعلق بالضغط على الحريات.. المرأة عندما لا تكون حرة بسبب ما ترتديه من زي، حتى ولو كان طبيعياً، وتجلب انتباه شخص يعاني من العقد النفسية جراء هذا النظام الذي يستشري به الفساد بعمق، فسوف يقدم على اي تصرف شاذ".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً