الباجه جي: قرار تقسيم فلسطين عام 1948 كان هو الحل.. واليهود أفرغوه من محتواه والعرب رفضوه

02-01-2022
معد فياض
معد فياض
A+ A-

رووداو ديجيتال
 
تنشر رووداو على حلقات كتاب "عدنان الباجه جي.. رجل بين قرنين"، فهذا الدبلوماسي الذي مثّل العراق في الأمم المتحدة لأكثر من 50 عاماً، وتبوأ منصب وزير الخارجية في الستينيات، ولد في بدايات القرن الماضي، ورحل في الربع الأول من القرن الحالي، وبهذا يكون بالفعل قد عاش بين قرنين مزدحمين بالأحداث العراقية والعربية والدولية. كما التقى الملك فيصل الأول، مؤسس العراق الحديث، وعاصر كل رؤساء حكومات العهد الملكي ورؤساء الجمهوريات العراقية وصولاً إلى صدام حسين وما بعده. هذا الكتاب ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، لم يكتبها الباجه جي بنفسه، بل هو صفحات بارزة من حياته، وتطلّب إنجازه المرور بمراحل عدة وعلى مدى أكثر من سبع سنوات، وعبر محطات بدأت في لندن عام 2010 وانتهت في أبو ظبي عام 2017. أنا أسأل وهو يسرد بدقة. كنا نتناقش، ونحلل، ونبحث، ونمضي خلال أزمنة ودروب وأزقة تنطلق من حي السنك في شارع الرشيد، حيث ترعرع الباجه جي، ونذهب إلى مدن بعيدة، نجتاز بحاراً وقارات لنتتبع قصصاً وأحداثاً وشخوصاً وتواريخ. تحدثنا عن السياسة والمدن والأزياء وأسلوب حياة المجتمع العراقي خلال مائة عام تقريباً.
 
الحلقة  (21)

الأصدقاء.. الأعداء

في مذكرة أعدتها وزارة الخارجية البريطانية لوزيرها جورج براون، قبل اجتماعه مع الدكتور عدنان الباجه جي في 28/9/1966، تصف وزير الخارجية العراقي، بما يلي "إن حكومة صاحبة الجلالة مدركة تماماً للإسهام البناء الذي قدمه الدكتور الباجه جي بصفته مندوب العراق الدائم لعمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي. إن التحسن الجاري في عمل المجلس بصفته المنبر الرئيسي للبحث في موضوع التنمية الاقتصادية على الصعيد الدولي يعود الفضل فيه إلى حد كبير إلى تأثير الباجه جي". وفي موضع آخر، يذكر ملاحظة عن الباجه جي "إنه ذكي وطموح وكيّس، مهذب في سلوكه، ورفيع الثقافة، كما أنه خبير في مسائل الإجراءات لدى الأمم المتحدة".

ولعل من أبرز القضايا الدولية التي تصدى لها الباجه جي لدى الأمم المتحدة، حسب ما يذكر قائلاً: هي "قضية قبرص ومشكلة اليونانيين مع الأتراك التي لعبت أنا دوراً مهماً فيها ووقفت إلى جانب الأتراك، وربما كان لعوامل الجيرة والدين تأثير في موقفي هذا، كما أن اليونانيين كانوا متطرفين في قضية توحيد قبرص وجعلها يونانية كلها، إضافة إلى هذا أن الأتراك أنفسهم استنجدوا بنا وطلبوا المساعدة منا وقد اتصل بي رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز وقال: إذا بالإمكان مساعدتهم. وترك تقدير الأمر لي، وكان علي أن أقدر أن للعراق مصالح مع تركيا، مصالح بلد وشعب وليس له مصالح مع اليونان، وأن أضع حسابات لهذه الأمور، فإذا كسبنا ود الأتراك سوف نستفيد منهم في موضوع المياه والحدود والتجارة، وغيرها".

قرار تقسيم فلسطين

ومما لا شك فيه أن أهم قضية كان قد اشتغل عليها الباجه جي هي القضية الفلسطينية وتحرير المغرب والجزائر وتونس وعدن، وبعد مضي أكثر من ستة عقود على قرار تقسيم فلسطين، يعتقد "لو أن العرب كانوا قد قبلوا بقرار التقسيم عام 1948، ربما كان هو الحل الأفضل". مشيراً إلى أن "الحقيقة هي أن الانتداب البريطاني على فلسطين والذي انتهى في 14 مايو (أيار) 1948، وخلال انسحاب قواتهم الذي استمر 45 يوماً، مكن قوات المنظمات الإرهابية اليهودية مثل الهاغانا وشتيرن وأرغونة من الاستيلاء على مناطق واسعة في الجليل الأعلى وضواحي القدس وفي الرملة، وهذه المناطق كان المفروض أن تكون ضمن الدولة العربية بموجب قرار التقسيم، هذا يعني أن اليهود هم من أفرغ قرار التقسيم من محتواه". موضحاً "ثم أن العرب كانوا يشكلون ثلثي السكان، بينما القرار أعطى 55% من أراضي فلسطين لليهود، و45% للأغلبية العربية من أصحاب الأرض الشرعيين، فكان من الطبيعي أن يرفض العرب هذا القرار، وحتى لو كانوا قد قبلوا بقرار التقسيم فإن اليهود ما كانوا قد سمحوا بتطبيقه لأنهم ومثلما قلت قد أفرغوا القرار من محتواه". وبإيضاح أكثر عمقاً، قال إن: "العقيدة الصهيونية واضحة ولم تتغير حتى اليوم وهي أنه يجب أن تكون لليهود دولة في أرض الميعاد، في الأرض التي وعدهم الله بها حسب معتقداتهم الدينية، وأن تكون هذه الدولة لليهود فقط، وأن يجتمع كل يهود العالم هناك بعد أن يغادروا ويتركوا بلدانهم الأصلية، لهذا لن يتخلوا عن الضفة الغربية، يمكن أن يتخلوا عن غزة، فهم يسمون الضفة دينياً يهودا والسامرة، ويقولون هذه جزء من أرض إسرائيل".

العراق والقضايا العربية

ويستذكر الباجه جي قائلاً: "العراق كان قد دعم القضية الفلسطينية، ولعبت أنا دوراً في ذلك لدى الأمم المتحدة، كما لعبت دوراً في قضية تحرير عدن من البريطانيين وإلحاقها باليمن، وقبل سنة 1946، حيث كنت أنا عضواً في الوفد العراقي للأمم المتحدة، دعم العراق قضيتي لبنان وسورية والمغرب". مشيراً إلى أن "الأمر المهم الذي أريد أن أؤكد عليه هو أنه على الرغم من تغيير الحكومات والأنظمة الحاكمة في العراق، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، فإن السياسة العراقية تجاه القضايا العربية لم تتغير بل بقيت ثابتة، فعندما جاء عبد الكريم قاسم كرئيس لأول حكومة جمهورية كان موقفه من فلسطين والجزائر وحتى قضية عدن ثابتاً وداعماً بقوة، وجاء البعثيون عام 1963 وبقي الموقف العراقي مثلما هو".

عملت مع 15 وزير خارجية

وقد يثير موضوع بقاء الباجه جي واستمراره في العمل مع كل هذه الحكومات والأنظمة والوجوه المتعاقبة على الرغم من تناحرها وتقاتلها فيما بينها الاستغرب، يفسر ذلك بهدوء، قائلاً: "على المستوى الشخصي هناك من سألني كيف استطعت أن أعمل في العهد الملكي ومن ثم في عهد قاسم وبعدها عبد السلام وعبد الرحمن عارف، قلت أنا لم أكن أخدم حكومات أو أنظمة، أنا كنت أخدم العراق والدولة العراقية، وكنت أخدم بلدي وشعبي بجد وكفاءة عالية وإخلاص وتفان، لهذا أبقوا علي ولم يقصوني أو يقيلوني أو يحيلوني على التقاعد، فإذا كان هناك من يعتقد أن بقائي وتقدمي في وظيفتي خلال العهد الملكي هو كوني ابن عائلة معروفة ووالدي كان رئيساً للوزراء، وأن لنا نفوذاً وقتذاك، فإن هذا النفوذ لم يكن موجوداً بعد العهد الملكي، وكنت في منصب مرموق وكان الكثيرون يتمنونه ويطمعون به، بل إني أصبحت وزيراً للخارجية عام 1966، ولا تفسير عندي سوى أنهم قدروا كفاءتي وإخلاصي في العمل من أجل العراق وليس من أجل حكومة أو نظام أو شخص".

ويستشهد الباجه جي بوزير الخارجية صبحي عبد الحميد حيث أخبرني فيما بعد قائلاً: "كان وجودك من أفضل الأمور التي حافظنا عليها.. إذ كان يهمهم أن يكون لدى الأمم المتحدة شخص مثلي له حضور وعلاقات ومعرفة متميزة".



ربما من الصعب، بل من المستحيل أن نتصور أن الباجه جي كان قد عمل مع أكثر من 15 وزيراً للخارجية وأكثر من سبعة رؤساء وزارات عبر أنظمة ملكية وشيوعية وقومية وبعثية، يوضح "أنا عملت مع كثير من وزراء الخارجية العراقيين، ففي العهد الملكي بدأت مع أرشد العمري وكان رئيس الوزراء حمدي الباجه جي، ثم توفيق السويدي، بعدها فاضل الجمالي، ورئيس الوزراء نوري السعيد، ثم وزير الخارجية عبد الإله حافظ، ثم صار والدي مزاحم الباجه جي وزيراً للخارجية، ومن ثم علي جودت الأيوبي، وكذلك عملت مع وزيري خارجية بالوكالة هما علي ممتاز وشاكر الوادي، وبعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، في عهد رئاسة عبد الكريم قاسم للوزارة، عملت مع وزراء الخارجية، كل من، عبد الجبار جومرد وهاشم جواد وطالب شبيب وصبحي عبد الحميد وناجي طالب وعبد الرحمن البزاز، ثم صرت أنا وزيرا للخارجية". منبهاً إلى أن الحكومة كانت "مهتمة بوجودي كمندوب دائم لدى الأمم المتحدة حتى أنه عندما صار تغيير وزاري، وكنت أنا وزير الخارجية في الحكومة التي صارت سابقة، احتفظ عبد الرحمن عارف بوزارة الخارجية إضافة إلى كونه رئيس وزراء ورئيس الجمهورية، وتم تعييني في اليوم ذاته مندوباً دائماً لدى الأمم المتحدة، يعني في اليوم ذاته الذي خرجت فيه من الخارجية كوزير تم إبقائي في نيويورك إذ كنت هناك أحضر اجتماعات الجمعية العامة وكنا مشغولين بموضوع حرب الأيام الستة ونعمل من أجل استصدار قرار لصالح فلسطين والعرب، لهذا بقيت في نيويورك".

لم أعمل مع الانجليز

ومن الغريب أن الباجه جي، وطوال كل مشاوير حياته لم يعمل يوماً في المملكة المتحدة، سواء في السلك الدبلوماسي، أو أي عمل آخر، مع أنه أقام بها لسنوات طويلة، يقول: "مع أني درست في ثانوية إنجليزية، ولهجتي الإنجليزية واضحة ومتميزة عن الأميركية، إلا أن عملي صادف في أميركا، فأنا مثلاً درست التاريخ الإنجليزي وأستطيع أن أتحدث عن تاريخ إنجلترا بدءاً من عهد الملك وليم الأول 1066 وحتى هذا اليوم، وأحفظ أسماء رؤساء وزراء المملكة المتحدة من آخر 200 سنة وحتى اليوم".

المتناقضات التي ساقتها الأقدار إلى تشابكات الحياة العملية للباجه جي كثيرة وغريبة في آن واحد، ومن حسن طالعه أنها جاءت كلها في صالحه. مثلاً، عندما عاد مع عائلته من الولايات المتحدة إلى العراق في نهاية 1957، قرر أن يدخل المعترك السياسي بعيداً عن الوظيفة والحكومة، وأن يرشح للانتخابات البرلمانية ليكون برلمانياً لا وزيراً في الحكومة، لكن هذا لم يتحقق بتأثير نصائح المقربين بأن يتريث قليلاً في هذا الموضوع. وعندما قرر الاستقالة من عمله في وزارة الخارجية لعدم إدراج اسمه ضمن فريق العمل الدبلوماسي لدولة الاتحاد الهاشمي (العراق والأردن)، حدثت في اليوم التالي ثورة 14 يوليو(تموز) 1958 التي أطاحت بالعهد الملكي واستمر هو بالصعود في سلم الوظيفة حتى بلغ درجة سفير والممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة، وكان ذلك جل طموحه المهني، لكن ما لم يكن في حسبانه وتخطيطه على الإطلاق هو أن يكون وزيراً في العهد العارفي، الجمهوري، بينما كان من المتوقع أن يكون وزيراً في العهد الملكي أسوة بوالده وابن عم والده وعمه.

الوصول إلى وزارة الخارجية

قصة توزيره شكلت أكثر من سؤال في ذهنه، يقول: "ذات يوم فاجأني عبد الرحمن البزاز، وكان رئيساً للحكومة العراقية، ببرقية يقول فيها: نهنئكم لتعيينكم وزيراً للدولة للشؤون الخارجية. كان هذا التعيين غير متوقع على الإطلاق ولم أفكر به، لهذا احترت ودخلت في دوامة من الأسئلة، فأنا لم أكن قريباً منه أو من الرئيس عبد السلام عارف أو من الدائرة المحيطة بالمسؤولين، كما أني لم أكن حزبياً، فأنا كنت في نيويورك وكان عالمي في الأمم المتحدة". وفي استرجاع للأحداث، يذكر أن "البزاز كان قد حضر إلى نيويورك قبل ذلك في سبتمبر (أيلول) 1965 مترئساً وفد العراق إلى اجتماعات الجمعية العامة، وكان وزيراً للخارجية إضافة إلى كونه رئيساً للوزراء، أي بعيد الانقلاب الأول الذي قام به عارف عبد الرزاق، ولم يبد عليه أنه ينوي تعييني بهذا المنصب أو لم يفاتحني بالموضوع. وهناك نظمت أنا له اجتماعات بمندوبي ورؤساء بعثات المجموعة العربية والأفريقية والآسيوية ودول عدم الانحياز لدى الأمم المتحدة وقد اطلع عن كثب على نشاطي واعتقدت، ربما، هذا ما جعله يعينني بهذا المنصب".

يقول: "أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة بقرار تعييني وبأنني سأترك المنظمة الدولية كممثل دائم للعراق، مع إنني لم أكن مرتاحاً لترك أروقة المنظمة الدولية وانشغالي بقضايا مهمة وعديدة هناك، وأقيمت كثير من حفلات التوديع كما وجه كثير من المندوبين رسائلهم لي، وتركت نيويورك بعد تعييني كوزير بثلاثة أسابيع".

نصيحة جمال عبد الناصر

يستطرد قائلاً: "عدت إلى بغداد ثم أديت اليمين الدستوري أمام الرئيس عبد السلام عارف، وباشرت عملي كوزير دولة للشؤون الخارجية. أنا من عادتي أن أعرف الأمور على حقيقتها وبعقلانية ومنطقية، وكنت آنذاك أسأل نفسي عن السبب الذي دفع بالبزاز لأن يضعني في حكومته، لهذا رحت أستفسر من بعض الأصدقاء المقربين من رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية عارف، وقد حصلت على معلومات من عدة مصادر حيث اتضحت الصورة أمامي، وهي أن الرئيس عارف هو الذي رشحني إلى هذا المنصب بتوصية من المصريين الذين كانوا يقدرون عملي لدى الأمم المتحدة، كما نصحوه بتعيين شخص كفء ومعتدل وله خبرة في السياسة الدولية وعلاقاته جيدة مع دول العالم، ورشحوا له اسمي حيث لم يكونوا مرتاحين للبزاز بسبب تقربه من السعودية وتركيا وإيران، وربما إنشاء تكتل إسلامي مع العراق قد يوجه ضد عبد الناصر، يضاف إلى هذا أن البزاز كان قد قرر إعادة إنعاش القطاع الخاص وإلغاء القرارات الاشتراكية وقرارات التأميم التي كانت قد صدرت في يوليو (تموز) 1964، مما أثار حفيظة الجماعات المؤيدة لمصر"، يضيف "كما أخبرني آمر موقع بغداد سعيد صليبي، وكان من أكثر المقربين للرئيس عبد السلام عارف، وساهم في إيصاله إلى السلطة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1963، وكان له دور فاعل في إحباط المحاولة الانقلابية التي نفذها الضباط المؤيدون لمصر والتي قادها عارف عبد الرزاق في سبتمبر 1965، وقال لي (صليبي) إن الرئيس قرر تعيينك (الباجه جي) وزيراً للخارجية لكن البزاز رفض ذلك فتوصلوا لى حل وسط بتعييني وزير دولة للشؤون الخارجية، وهذا الضابط الكبير أوصل لي هذه المعلومات نكاية بالبزاز الذي لم يكن إلى جانبه كونه كان يعمل لإبعاد الجيش عن الحكومة ومناصبها، وإعادة الدولة إلى المدنيين، وعارف من طرفه كان يعمل على التقرب من المصريين لهذا سره أن يرشحني للمنصب الوزاري بناء على توصيتهم، يعني المضاربات ما بين عارف والبزاز، وتدخل المصريين هي التي أسهمت في إيصالي إلى الوزارة".






تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

طائرة عراقية

الحرب الإقليمية تربك الملاحة في أجواء العراق

تواصل تداعيات الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى التأثير على حركة الطيران في العراق، مع تمديد شركات طيران عالمية تعليق رحلاتها إلى بغداد وأربيل أو استمرار تجنب الأجواء العراقية ضمن مسارات الرحلات بين أوروبا وآسيا.