لماذا كوردستان سوريا وليس روجآفا؟

10-03-2022
سيامند حاجو
الكلمات الدالة كوردستان سوريا روجافا
A+ A-
 
تؤثر اللغة على الوعي، ربما ليس على الفور، ولا بين ليلة وضحاها، إلا أنها تلعب دورًا ملحوظًا على المدى المتوسط، فمثلًا من خلال حديثنا عن ضابطات وضباط الشُرطة بدلاً من مجرد ضباط الشُرطة، فإننا نرفع الوعي بوجود رجال ونساء في قوات الشُرطة، بيد أن ذلك وحده لا يزيد تلقائيًا عدد الشُرطيات. 
 
ومع ذلك، فمن المُرجَّح أن يكون لاختيار واستخدام الكلمات المراعية للنوع الاجتماعي تأثير على عدد الفتيات والنساء اللواتي يتطلعن إلى العمل في الشُرطة، فقد أصبح واضحًا عن طريق استخدام مصطلح ضابطة الشُرطة أن هذه مهنة يمكن كذلك للفتيات الالتحاق بها. وبالتالي، فإن اللغة لا تشكل الوعي فحسب، بل يمتد أثرها أيضًا إلى الواقع الاجتماعي والسياسي.
 
لا عجب إذًا في أن يستخدم السياسيات والسياسيون اللغة لتغيير الواقع بطرق تناسب الأهداف السياسية والرؤى الخاصة بهن/بهم. إن تذكرنا في هذا الصدد تركيا، حيث لم تُحظَر اللغة الكوردية لسنوات فحسب، بل ولم يُسمح كذلك للكورد بنعت أنفسهن وأنفسهم على هذا النحو، ونُشِر مصطلح "أتراك الجبال" كبديل، بل حتى مُنع استخدام عبارة كوردستان وكان قائلها يتعرّض للمحاسبة أو العقاب. بناءً عليه، فليس من قبيل المصادفة أن مصطلح كوردستان سوريا - كتسمية للمناطق السورية التي عاشت فيها أغلبية كوردية على مر التاريخ - مرفوض من قِبَل أتباع وتابعات البعث والقوميين العرب.
 
إن مجرد استخدام مصطلح كوردستان سوريا يعزِّز واقعية المنطقة الكوردية في سوريا، والتي هي أيضاً جزء من كيان كوردي أكبر يضم كوردستان تركيا وكوردستان العراق وكوردستان إيران بجانب كوردستان سوريا. ويذكِّر هذا المصطلح - على أقل تقدير - بوجود سكان كورد في سوريا يطالبون بحقوق لغوية وثقافية، بغض النظر عن الحقوق السياسية. إن التخلي عن مصطلح كوردستان -واستخدام شمال شرق سوريا على سبيل المثال- يُسهِّل نسيان وتناسي السكان الكورد في سوريا؛ فمن لا وجود له، لا يمكنه المطالبة بحقوق.
 
ولا عجب كذلك في انتهاج أتباع القوميين العرب هذه الستراتيجية. ومع ذلك، قد يعتقد المرء أن من رفع راية التمثيل السياسي للكورد سيتمسك بمصطلح كوردستان سوريا، بيد أن العكس صحيح. عندما استولى حزب العمال الكوردستاني خلف ستار حزب الاتحاد الديمقراطي على إدارة المناطق ذات الأغلبية الكوردية في سوريا في عام 2012 لم يتحدث عن كوردستان سوريا، وإنما عن كانتونات الجزيرة وعفرين وكوباني. لم يُحذَف مصطلح "كوردي" فحسب، بل وقُسِّمت كوردستان سوريا إلى ثلاثة كانتونات، وباتت الرسالة واضحة: لا توجد مناطق ذات أغلبية كوردية، ولا منطقة كبرى بأغلبية كوردية أساساً.
 
الأمر نفسه ينسحب على تسميات شمال شرق سوريا، وشرق الفرات، وروج آفا. تتسم هذه المصطلحات بطابع جغرافي بحت ولا تشير إلى أعراق السكان الذين يعيشون هناك. وقد انتشر استخدام مصطلح روج آفا على وجه الخصوص في أجزاء كبيرة من الأوساط في أوروبا وأميركا.
 
وبصرف النظر عن مصطلح شمال شرق سوريا، فإن لسائر تلك المصطلحات سمة مشتركة أخرى، ألا وهي أنه لم يتم حذف مصطلح كوردي أو كوردستان فحسب، بل تم كذلك حذف مصطلح سوريا، وإن اتضح لاحقاً أنه لا يزال هناك عدد قليل من الكورد في الشرق، فمن المؤكد أنه ليس لديهم أي صلة بسوريا، مما يعني أن الأراضي السورية ليست من ضمنها جزء من كوردستان منطقة. يخدم مصطلح روجآفا كوردستان كذلك هذا التفسير، فهنا يرد مصطلح كوردستان ولكن دون الإشارة إلى سوريا. كل ما سبق ليس بجديد، فحتَّى عندما كان عبد الله أوجلان لا يزال يتمتع بحق اللجوء في سوريا، لم يكل أو يمل من التأكيد على أن سوريا - على عكس تركيا أو العراق وايران - لا تعاني من مشكلة كوردية.
 
‎في الوقت نفسه، يفرض حزب الاتحاد الديمقراطي الحقائق على أرض الواقع من خلال إدارته للمناطق ذات الأغلبية العربية كالرقة ودير الزّور بالإضافة إلى المناطق الكوردية تاريخيًا. ولا يمكن وصف المنطقة التي يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي اليوم بأنها منطقة كوردية، حيث أنها أصبحت ذات أغلبية عربية، وبالتالي تلاشت الحجة الرئيسية لكيان فيدرالي كوردي.
 
قد يفوت بعض المنظمات والأفراد الذين يتبنون بلا تردد ولا تفكُّر اللغة التي يستخدمها حزب الاتحاد الديمقراطي أو حزب العمال الكردستاني إدراك أنهم بذلك يعملون على إخفاء الشعب الذي يزعمون تمثيل حقوقه، بينما ينبطح آخرون بوعي حتى لا يعرضوا مشاريعهم أو أعمالهم في المنطقة التي يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي للخطر، ويخوِّنون أولئك الذين يدافعون عن المفاوضات السياسية - على سبيل المثال مع المعارضة العربية - كي يتمكنوا من تقديم أنفسهن وأنفسهم كمناضلات ومناضلين من أجل القضية الكوردية. ما يدعو للسخرية هو أن موقفهم من تسمية المناطق الكوردية في سوريا يتطابق مع موقف أجزاء من تلك المعارضة العربية. هنا أتذكر أنه قبل بضع سنوات وعلى هامش مؤتمر ما، طلبت مني ناشطة سورية معروفة ألَّا استخدم مصطلح كوردستان سوريا لأنه يستفز شخصيات حاضرة من المعارضة.
 
في المنطقة الكوردية سيكون هناك أفراد من مجموعات عرقية أخرى يتمتعون بدورهم بحقوقهم اللغوية والثقافية والسياسية. إضافةً إلى ذلك، فلا أحد مُلزَم بتعريف نفسه عرقياً أولاً وقبل كل شيء، أيًا كانت أصول والديه أو لغته الأم.
 
هذا مجرد نداء لعدم إقصاء كورد سوريا ومنطقتهم التاريخية - كوردستان - من اللغة المُستَخدَمة، فهذا الإقصاء لا يدعمهم في الحفاظ على حقوقهم المشروعة، بل قد يكون العكس هو الصحيح. في الوقت نفسه، لا يعني الحديث عن الكورد السوريات والسوريين صراحةً أنهم يتمتعون بأقل حقوقهم، بيد أنه يؤسس لوضع هذه الحقوق على جدول الأعمال، بدلاً من التيه في ضبابية سردية حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكوردستاني والقوميات والقوميين العرب والانتهازيات والانتهازيين من كل حدب وصوب.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب