رووداو تفتح ملف الفاشر.. السقوط الذي غيّر قواعد الحرب في السودان

04-11-2025
فائزة العزي
الكلمات الدالة السودان الفاشر
A+ A-
رووداو ديجيتال

من خلف غبار المعارك في قلب إقليم دارفور، تتبدّى الفاشر اليوم ليس كمدينة محاصرة فقط، بل كنقطة انعطاف تاريخية في مسار حرب السودان. فهي اللحظة التي تحوّل فيها الحصار إلى سقوط، والسقوط إلى خارطة عسكرية جديدة، والإنسان فيها صار رقماً غائباً في ظلام إعلامي تام.
 
المشهد الإنساني.. كارثة بلا كاميرات
 
وفق شهادات نازحين سودانيين لرووداو، فإن الوضع داخل الفاشر وصل إلى مستوى "انهيار إنساني شامل" في ظل نزوح جماعي إلى منطقتي طويلة في دارفور والدَبّة في الولاية الشمالية.
 
أعداد كبيرة مصيرها غير معروف وسط مخاوف من قتل جماعي وتصفية على الطرق أثناء الفرار، الجوع انكشف على وجوه السكان، فيما تعاني المدن المُضيفة من عدم القدرة على استيعاب أعداد النازحين، ناهيك عن كونها مدن أنهكتها الحرب الدائرة والحصارات المستمرة، الخدمات الصحية غير موجودة فعليًا حتى أن بعض المصابين اضطروا إلى السير مئات الكيلومترات دون علاج، فيما بقي آخرون محاصرون داخل المدينة دون قدرة على الخروج.
 
وفي ضوء شُح المعلومات استخدمنا في هذا التقرير شهادات مسجلة خاصة برووداو مع الاستعانة بما ينشره السودانيون على صفحاتهم الاجتماعية من خلال ما يسمعونه من أقاربهم واصدقائهم في تلك المناطق، المدنيون الذين بقوا داخل الفاشر، وفق هذه الشهادات المنشورة، يقولون إن الحديث عن وضع صحي أو علاجي صار ضرباً من الرفاهية ونستعير منهم هذه الجملة  "الناس هنا تقاتل لتبقى حيّة فقط".
 

 
أين تقع الفاشر؟
 
ولفهم طبيعة المنطقة، فإن مدينة الفاشر تقع في غرب السودان وهي عاصمة ولاية شمال إقليم دارفور، التي تُعد واحدة من خمس ولايات في الإقليم. تتميز الفاشر بموقع استراتيجي عند تقاطع طرق تربط دارفور بولايات وسط السودان، وتقع بالقرب من الحدود التشادية والليبية. وهذا التقارب الجغرافي سنأتي لاحقا على دوره الاستراتيجي في الحرب الدائرة.
 
لحظة التحوّل الكبرى
 
تقول الكاتبة المتخصصة في الشأن السوداني شمايل النور إن "سقوط الفاشر لم يكن حدث أسبوع، بل نتيجة أشهر طويلة من العمل المنهجي لقوات الدعم السريع، توفرت فيها عدة عوامل مفصلية".
 
الدعم السريع وبحسب النور حصل على منظومات دفاع متطورة ونجح بتحييد الطيران الحربي السوداني، ما أدى إلى توقّف عمليات الإسقاط الجوي التي تُعد المنفذ الوحيد لإمداد القوات المشتركة والسكان داخل المدينة، ليلعب الجوع دوراً حاسماً في إنهاك المقاتلين والمدنيين معاً.
 
تقدم قوات الدعم السريع رغم أنه كان بطيئا لكنه ثابت، بضعة أمتار في كل اشتباك لكنها تراكمت وأنهكت دفاعات الجيش في النهاية.
النور تصف ذلك قائلة: "سقوط الفاشر لم يكن احتمالاً بل كان مسألة توقيت فقط".
 
من يمسك بدارفور؟
 
وفق تحليل النور، الفاشر اليوم تحت سيطرة كاملة للدعم السريع، الإقليم بأكمله أصبح عمليا ضمن قبضة نفس القوة، الاستثناء الوحيد هو مناطق جبل مَرّة وما حولها، تحت سيطرة قوات حركة تحرير السودان "بقيادة عبد الواحد محمد نور" التي طالبت في أكثر من مناسبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة التدخل الفوري "لإنقاذ حياة أكثر من 7 ملايين شخص يعيشون في ظروف إنسانية صعبة".

 

إلى أين يسير القتال بعد الفاشر؟
 
الدعم السريع لم يتوسع في الفاشر كحدث معزول، بل ضمن هندسة تقدّم استراتيجية موصولة بخط الأرض. قبل الفاشر، كانت مدن دارفور الكبرى قد انهارت تباعاً: نيالا، زالنجي، الجنينة، فصار الإقليم مسرحاً مفتوحاً للتحرك. وقبل ساعات من سقوط الفاشر  سقطت مناطق في كردفان بيد الدعم السريع. 
 
الهدف التالي بحسب ما ترى شمايل النور ليس دارفور فقط، بل الربط بين الغرب ومركز السودان عبر كُردفان، بما يجعل مدن الوسط عملياً أقرب إلى أن تكون ساحة العمليات المقبلة.
 
النور ترى أن هذا التمدد ليس مجرد غلبة قوة داخلية بل نتيجة بناء عميق وقديم لتحالفات خارجية هي تشاد وليبيا وكان لموقعهما الجغرافي الأثر الأكبر في إطالة أمد هذه الحرب.
 
هذه التحالفات لم تعد "تحالفات دعم" بل تحولت كما تقول النور إلى مستوى "شراكة داخلية" تسمح بتحركات مريحة على الأرض وبإطلاق مسيّرات من قواعد خارجية.ما يجعل تمدد الدعم السريع بطيئاً، لكنه ثابت ومحمياً لوجستياً، وهو الأخطر في طبيعة الحروب الطويلة.
 
السيناريو القادم.. ليبيا مرّة أخرى؟
 
 تصف النور المرحلة الحالية بأنها انتقال الحرب إلى "طور جديد بالكامل".
 
وترى أن أمام السودان الآن احتمالان هما: إما خيارالنتيجة المحتملة، وتعني هدنة وضغط دولي، ويبقى كل طرف يبقى في مناطق سيطرته،  وهو السيناريو الليبي الواضح. أو رفض الهدنة وتصعيد يؤدي بالنتيجة إلى زحف الدعم السريع نحو مدن جديدة في كردفان والوسط.
 
المجتمع الدولي والواقع على الأرض
 
وفق قراءة شمايل النور: "ليس هناك أي ضغوط حقيقية تكبح استهداف المدنيين. العقوبات الأميركية موجودة شكلاً لكنها بلا أثر على الأرض" وتضيف: "العالم يكتفي بالتغريدات والتعاطف. لا تدخل حقيقي يتناسب مع حجم الكارثة".
 
مصير الفاشر بعد السيطرة
 
الفاشر خلال أيام، تقول النور، ستشابه مصائر مدن أخرى سقطت قبلها في دارفور، انفلات أمني طويل، ضبابية للسلطة الفعلية، وخوف دائم من تدخلات على الأرض.
 
الأخطر ليس اليوم بل "الذي يلي اليوم" لأن الإقليم كله بات تحت قبضة الدعم السريع، ولا أحد الآن يمكنه عمليا ضمان حرية الخروج أو العودة أو حماية المدنيين.
 
فهل سنتنهي الحكاية؟
 
الفاشر اليوم ليست قصة سقوط مدينة. هي لحظة إعادة توزيع موازين القوى في السودان. لحظة تُنقل فيها الحرب من الإقليم الطرفي، إلى إمكانية التمدّد نحو قلب البلاد.
 
وما لم تتغير قواعد التدخل الدولي، فإن السودان، كما ترى النور، مقبل على مرحلة جديدة من الحرب. مرحلة فيها الأرض لا تُستعاد بالتفاوض بل تُنتزع بالتقدّم البطيء والمتراكم الذي يصنع واقعاً يصعب التراجع عنه لاحقاً.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب