رووداو – أربيل
مدينة عفرين الكوردستانية الواقعة في خاصرة كوردستان سوريا، كانت وما زالت أيقونة حركت مشاعر الشعراء والأدباء والفنانين الكورد، والذين تغنوا بها وأنشدوا لأجلها أعذب الألحان، وسطروا لجمالها أجمل الحروف والكلمات، خصوصاً بعد بدء العمليات العسكرية الأخيرة التي خلفت في صميم عفرين جراحاً لن تندمل إلى حين.
عفرين هي الرحم الذي أنجب الفنانين الكبيرين جميل هورو وعلي تجو، ولو أن إله السموات والأرض صنع جنةً خاصةً بالكورد في كوردستان سوريا، فلا شكَّ في أنه كان سيختار عفرين الخضراء جنةً لهم، لأن كل شيء ينبع بالكوردية فوق طِيب ثراها، ومنها يفوح عبق الطبيعة العذراء وتتدفق الخصال البشرية الحميدة، لا سيما عند سماع تقاسيم جميل هورو التي تجعل عظام الموتى تصحو من سُباتها الأبدي.
أما اليوم، فها هي عفرينُ الغالية تئن تحت وطأة الألم والعذاب، وتبوح بالآهات التي تعتصر قلبها، وهي كما باقي الجميلاتِ من أقرانها، تحوم فوق سمائها غماماتٌ حالكةُ السواد، وتواجه سيوفاً تحارب كلَّ ما هو جميل، وتنحر أحلام وأماني الصغار قبل الكبار، وتمنع حتى العصافير من التغريد بالكوردية، وتطال الأيادي الآثمة كل شيء، حتى الأطفال والنساء والشيوخ، وتحجبُ الأحلامَ المزهرةَ بأحقادٍ لامتناهية، وتجففُ أنهار وينابيع الحب والأمل.
كأنَّ شاعر عفرين الحزين، حامد بدرخان، قد تنبأ بما يحدث لمدينته قبل حدوثه، حيث أنشد في الرسالة الخامسة من ديوان "ميريا" يقول: الدم.. الدمُ في كل مكان.. كعصارة البرتقال في فم الكبار.. مثلُ حليبٍ في ثدي الصغار.. عيناك أعمق من عينِ النبع.. وشَعركِ مثلُ رموش الصَنوبر... فيما يقول بلبل عفرين الصداح في مكان آخر: أكرهُ كل أولئك الذين يسرقون أرضي وخيراتي .
ها هم قادمون، يستهدفون عيني عفرينَ الأعمقِ من عيني ينبوع، وقد سُلبت من عروسة كوردستان سوريا عفرين ضِحكتها، وتسلل الظلام إلى ليالي عفرين المقمرة، وينام أطفالها الطاهرون من الخطايا خاويي البطون، وباتت جميع أغانيها مغموسةً بالأسى والحزن على أزهارها الذابلة.
قلوب الشعراء الكورد لم تكن بمنأى عن آهات عفرين، فَرتل الشاعر، موسى ميلان، أشجانه تحت أغصان الزيتون قائلاً: أيا عفرين المفعمةُ بالألوان.. أيتها الشبيهةُ بالقمر.. أرضكِ مباركةٌ وخالدةٌ يا مهد الحضارات.. يا معقل شواهدِ تاريخِ الآباءِ والأجداد.. أيا جَبهات الزيتون .. سهولُ جومي.. نهرُ عفرين.. أيا طبيعةً موغلةً في الجمال.. شلالاتُ ميدانكي.. سواقي كُمرك.. قلاعُ هورو وسمعان..أيا موطن جميل هورو ومُدللةَ بافي صلاح.. ها هي أزهار الزنبق تُروى بخضابِ دمائكِ من جديد.. وها هي بتلاتُ نرجِسك تذبل يا عفرين... تُرى .. ما هو ذنبكِ ؟.
إعداد: بسام مصطفى
ترجمة وتقديم: أوميد إبراهيم
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً