المطران مار نيقوديموس: لن نعود للموصل بدون ضمانات لأمننا وكرامتنا

25-01-2019
رووداو
رئيس أبرشية السريان الأرثودوكس في الموصل وكركوك وإقليم كوردستان، المطران مار نيقوديموس داوود متى شرف
رئيس أبرشية السريان الأرثودوكس في الموصل وكركوك وإقليم كوردستان، المطران مار نيقوديموس داوود متى شرف
الكلمات الدالة كوردستان نيقوديموس السريان الموصل
A+ A-

رووداو – أربيل

أكد رئيس أبرشية السريان الأرثودوكس في الموصل وكركوك وإقليم كوردستان، المطران مار نيقوديموس داوود متى شرف، أن حكومة إقليم كوردستان لم تتوقف عن مد يد المساعدة لنا، وهذا أمر طبيعي لأننا شعب هذه المنطقة، والحكومة هي دائماً راعية للشعب الموجود، ونحن نشعر بانتماء قوي إلى هذه الحكومة ونحبها وهي تحبنا، وهم يشعرون بهذا الحب، مشيراً إلى أن العوائل السريانية لن تعود إلى الموصل بدون ضمانات حقيقية تحفظ أمنهم وكرامتهم.

وقال المطران مار نيقوديموس، في مقابلة خاصة مع شبكة رووداو الإعلامية، إن أي عائلة سريانية لم تعد إلى الموصل، ولن نعود في حال بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم. لا توجد عودة، ولن أرضى أنا كراعٍ لهذه الأبرشية بأن تكون هنالك عودة بدون ضمانات حقيقية بالأمن والكرامة. لم يعد بإمكاننا أن نعيش في مكان ليس لنا فيه كرامة ولا نشعر فيه بأننا آمنون، هذا غير ممكن، وفيما يلي نص المقابلة:

رووداو: ستفتتح غداً في عينكاوا، المطرانية السريانية الأرثودوكسية، هل سيكون هذا البيت، أو هذه المطرانية، لكل طائفة السريان الأرثودوكس في العراق وإقليم كوردستان؟

المطران مار نيقوديموس داووود متى شرف: في الحقيقة، ومثلما ذكرتم، سيفتتح قداسة البطريرك مار أغناتيوس أفرام الثاني، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثودوكسية في العالم أجمع، يوم غد المقر الجديد ودار المطرانية الجديدة في عينكاوا، التي نسميها أيضاً بيت السريان الجديد في عينكاوا لتكون مركزاً تدار من خلاله عموم الأبرشية وتُرعى فيها مصالح أبناء الأبرشية التي حدودها الموصل وكركوك وإقليم كوردستان الحبيب، لخدمة أبناء الرعية ولإدارة شؤون الأبرشية من هنا. هذا يخص هذه الأبرشية وليس لكل العراق، لأنه توجد في العراق ثلاث أبرشيات سريانية في بغداد والبصرة وفي دير مار متى وتوابعه وأبرشية الموصل وكركوك وإقليم كوردستان التي حدودها الموصل وكركوك ودهوك وأربيل والسليمانية، وأيضاً قرقوش وسنجار.

رووداو: نعم، نيافة المطران، لقد دمرت الكنيسة الكبيرة في الموصل، كنيسة مار أفرام، مَن دمر هذه الكنيسة التاريخية وما سبب عدم بنائها من جديد؟

المطران مار نيقوديموس: كاتدرائية مار أفرام في الموصل، حي الشرطة، كانت مركز المطران ومقر الأبرشية في الموصل، ودمرت من قبل عصابات داعش الإرهابية، الدولة الإسلامية، دمروها، لكنهم لم يدمروها مباشرة بل حولوها إلى جامع لمدة سنة، صلوا فيها، وكانت قبتها بيضاء صبغوها باللون الأسود، بلون قلوبهم طبعاً، واستخدموها كجامع. ثم قبل التحرير بسنة، توقفوا عن الصلاة فيها لغايات لا نعرف ما هي بالنسبة إليهم، ولكنهم دمروها بالكامل قبل أن يتم التحرير، وكانت دار المطرانية ملاصقة للكاتدرائية وكانت أكبر كاتدرائية في الموصل، ومن أجمل الكاتدرائيات في الموصل، وكان بجانبها دار المطرانية المسؤولة عن الأبرشية ملاصقة لها وهدموها قبل التحرير، وأعتقد أنهم باعوها لمقاولي أنقاض وتهديم، وأخذوا كل الحديد الذي في داخلها، وهي اليوم أطلال، بقايا كاتدرائية ودار مطرانية. فالمتسبب الأول هم عصابات داعش.

رووداو: من المسؤول عن عدم بنائها من جديد؟

المطران مار نيقوديموس: الحكومة العراقية في بغداد. لأنه ليس لدينا إمكانية لإعادة بناء الكنيسة، لأنها ليست الكنيسة الوحيدة، حيث دمرت جميع الكنائس في الموصل، لم تبق ولم تسلم أي كنيسة من الأذى. كل كنائس الموصل دمرت. نحن كطائفة سريانية أرثودوكسية لدينا ست كنائس في الموصل، أقدمها يعود إلى القرن الثالث الميلادي، وكنيسة الطاهرة تعود إلى القرن السادس الميلادي. كنيسة الطاهرة، السيدة العذراء، لم تدمر فقط بل محيت عن الوجود. لما زرت الموصل، لم أجد حتى الحجارة التابعة، أو الخاصة بهذه الكنيسة، وحولوا منطقة الكنيسة، بعدما دمروها ومحوها، إلى موقف للسيارات في المنطقة. استخدموا أرض الكنيسة كموقف للسيارات.
لا يوجد أي تحرك حقيقي.

رووداو: ما هو السبب؟

المطران مار نيقوديموس: لا نعرف، من المؤكد أن السبب الأساس هو الفساد الموجود في حكومة بغداد، وعدم مبالاة، وهذا ما نشعر به دائماً كمسيحيين في العراق. نشعر بأننا لسنا ضمن حسابات الحكومة المركزية. حيث يمر اليوم أكثر من سنتين على التحرير، ومازالت كنائسنا مهدمة، ولا يوجد إلى اليوم من جاء وقال: "كيف يمكن أن نساعد في إعادة بناء هذه الكنيسة؟" لأي طائفة، وعلى كل طائفة أن تعتمد على نفسها اليوم. لكن إلى متى علينا أن نعمر ليأتي غيرنا ويدمر؟، ولا توجد عندنا هذه الإمكانية في الحقيقة، ولهذا فإننا اليوم كسريان أرثودوكس، لم تعد منا عائلة سريانية واحدة إلى الموصل، ولن نعود في حال بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم. لا توجد عودة، ولن أرضى أنا كراعٍ لهذه الأبرشية بأن تكون هنالك عودة بدون ضمانات حقيقية بالأمن والكرامة. لم يعد بإمكاننا أن نعيش في مكان ليس لنا فيه كرامة ولا نشعر فيه بأننا آمنون، هذا غير ممكن.

رووداو: نيافة المطران، ما هو شعورك، وما هي أحاسيسك تجاه تدمير كنيسة مار أفرام؟

المطران مار نيقوديموس: هذا السؤال جداً صعب، والتعبير عنه أصعب. عندما أتذكر مار أفرام، أحزن كثيراً، كانت هذه أكبر كنيسة وأجمل كنيسة في المنطقة، هذه تعبر عن تاريخ عمره 1800 سنة، ليس يوماً ويومين، استباحوا تاريخنا، استباحوا كرامتنا، استباحوا مخطوطاتنا، وجودنا استباحوه، وما يؤسفنا أكثر هو أن هؤلاء مجرمون، لكن ما حدث، حدث أمام أنظار كل العالم ولم يحرك أحد ساكناً، فهو شعور قاس جداً.

رووداو: تأسست الكنيسة السريانية الأرثودوكسية من قبل القديس بطرس، التلميذ الكبير لسيدنا المسيح، في القرن الثالث للميلاد، ما هي الكنيسة السريانية الأرثودوكسية، كيف أتت إلى كوردستان وبلاد ما بين النهرين، وأين يتوزع أتباعها في العالم، وكم عددهم؟

المطران مار نيقوديموس: في الحقيقة، الكنيسة السريانية الأرثودوكسية اليوم، هي كنيسة أنطاكيا، وكنيسة أنطاكيا هي أول كرسي أُسس في المسيحية، بعد أورشليم. كرسي أنطاكيا أسسه القديس مار بطرس الرسول، هامة الرسل ورئيس الرسل، ويعتبر هو البطريرك الأول، والبطريرك يعني أب الآباء. البطريرك الأول لهذه الكنيسة، فهي أقدم كنائس الشرق وتعتبر الكنيسة الأم في الشرق، كنيسة أنطاكيا، وكل من كان في الشرق من مسيحيين في بداية المسيحية، ما عدا مصر لأنها كانت تتبع الإسكندرية، وما عدا أورشليم، كانت تابعة لكرسي أنطاكيا. لذا فإن كرسي أنطاكيا هو كرسي أنطاكيا وسائر المشرق.
تواجدنا في ما بين النهرين، في العراق وفي كوردستان، هو أقدم من اسم العراق، وأقدم من اسم كوردستان. تواجدنا هو منذ بداية البشرية، فنحن أقدم سكان ما بين النهرين وبلاد الشام. نحن كشعب، موجودون في هذه المناطق قبل المسيحية، وأول من قَبِلَ المسيحية، والشعب الذي في أنطاكيا، يذكر عنهم سفر أعمال الرسل في الكتاب المقدس، أن أول من دعي بالمؤمنين المسيحيين كانوا في أنطاكيا، ومن ثم انتشرت في كل الشرق، وتوجهت بسبب المبشرين السريان إلى كل أصقاع العالم، واليوم الكنيسة السريانية منتشرة في كل العالم. الكنيسة السريانية، نعتبرها نحن الناطقين بالسريانية، هم كل من يتحدث هذه اللغة. الذين هم السريان والكلدان والآشوريون والموارنة والروم الأرثودوكس والروم الكاثوليك الذين هم في بلاد الشام، كل هؤلاء كانوا يتحدثون هذه اللغة، السريانية الآرامية، هذه اللغة التي هي لغة السيد المسيح، ونحن نقولها دائماً: نحن آخر الشعوب التي تتحدث لغة السيد المسيح، اللغة الآرامية، والحفاظ على هذا الشعب يعني الحفاظ على هذه اللغة التاريخية، التي هي لغة الرب يسوع التي تحدث بها عندما كان متجسداً على هذه الأرض.
عدد أتباع الكنيسة السريانية الأرثودوكسية اليوم، يقارب العشرة ملايين. العدد الأضخم هو في الهند، يوجد لدينا شعب كبير وأبرشيات كثيرة، يوجد لدينا أكثر من ثلاثين أبرشية في الهند، وفي خارج الهند في بقية العالم توجد لدينا أربعون أبرشية. عدد مطارنة كرسي أنطاكيا وصل اليوم إلى 75 مطراناً، ويرأسه قداسة البطريرك الذي نعتبره خليفة مار بطرس الرسول الجالس على عرش أنطاكيا المقدس.

رووداو: وكم عددهم في العراق وكوردستان؟

المطران مار نيقوديموس: يجب أن نسأل: كم أصبح عددهم؟، لأنه قبل داعش، كان عدد المسيحيين بصورة عامة مليوناً وستمئة ألف، واليوم مع الأسف، نحن أقل من خمسمئة ألف، ويمكن أن نكون أقل من ثلاثمئة ألف. السريان فقط، في العراق وكوردستان، يقارب عددنا نحن اليوم، ثمانية آلاف عائلة، في الوقت الذي كان عددنا قبل 2003 أكثر من عشرين ألف عائلة.

رووداو: افتتاح هذه المطرانية، هل سيعزز علاقات مسيحيي سوريا والأماكن الأخرى مع مسيحيي إقليم كوردستان وشعب إقليم كوردستان بشكل عام؟

المطران مار نيقوديموس: بالتأكيد، مجرد أن يكون هناك مركز لرعاية المصالح سيكون أحد أهم واجباته تقوية علاقات المؤمنين في كل مكان. من المؤكد أنها ستقوي العلاقات، وستدار العلاقات بشكل أفضل وبشكل أكثر تنظيماً. 

رووداو: كيف كان موقف السيد نيجيرفان البارزاني، رئيس وزراء حكومة إقليم كوردستان، من فتح هذه المطرانية في أربيل وكيف ساعد في بنائها؟

المطران مار نيقوديموس: في الحقيقة، لم تتوقف حكومة الإقليم عن مد يد المساعدة لنا، وهذا أمر طبيعي لأننا شعب هذه المنطقة، والحكومة هي دائماً راعية للشعب الموجود، ونحن نشعر بانتماء قوي إلى هذه الحكومة ونحبها وهي تحبنا، ويشعرون بهذا الحب.
كانت مساهمة الحكومة ودولة رئيس الوزراء هي من خلال إعطائنا هذه الأرض التي بنيت عليها هذه المطرانية، دار المطرانية الجديدة ومساحتها 5500 متر مربع. هذه المساحة، بني عليها مجمع كامل، قاعات، وكاتدرائة لا تزال قيد الإنشاء، كاتدرائية جديدة باسم (أم النور – العذراء أم النور)، ودار المطرانية هذه والتي هي مركز، وفيها مكاتب للدوائر الخاصة بالأبرشية. فكان دور الحكومة أنها أعطتنا هذه الأرض، وفي الحقيقة، أنفقت على بناء هذه المطرانية، دار المطرانية منظمة مسيحية مقرها في إنكلترا واسمها (برنابس فوند) ويقودها الأب باتريك، الذي هو أحد الآباء التابعين لكنيستنا السريانية الأرثودوكسية.
نشكر الله على أن الحكومة قررت قبل خمس سنوات من الآن أن تبني لنا كاتدرائية جديدة وهي قيد الإنشاء، وإن شاء الله ستكتمل خلال أشهر، قد يكون في الشهر العاشر أو التاسع، وسيأتي قداسة البطريرك مرة أخرى ليدشن هذه الكاتدرائية الجديدة في عينكاوا، وتوجد لدينا أيضاً كنيسة أخرى قيد الإنشاء في دهوك ستكتمل بعد شهرين. حتى أننا قلنا لقداسة البطريرك إننا لن نأتي بك مرتين وثلاثاً لكي لا تتعب، وبسبب مسؤولياته الكبيرة، وعندما تكتمل الكاتدرائية في عينكاوا ستفتتح كنيستين مرة واحدة، في إقليم كوردستان.
الحكومة كانت دائماً، حكومة الإقليم والسيد نيجيرفان البارزاني، وكذلك الرئيس مسعود البارزاني، يظهرون لنا دائماً محبة مميزة في الحقيقة، وكل ما طلبناه وفق إمكانياتهم، كانت طلباتنا تستجاب فوراً، وآخرها منحنا أرضاً مساحتها 8000 متر أو أكثر، ربما 8100 لبناء مدرسة، وهذا الأمر من ثقافة السريان، السريان دائماً لا يبنون كنيسة بدون مدرسة، على مرِّ التاريخ، دائماً نبني الكنيسة ونبني المدرسة في وقت واحد، لكي ننشئ جبلاً مثقفاً روحياً وعلمياً واجتماعياً. هذا الأمر هام جداً لنا. فتكرم دولة الرئيس، بعدما طلبت منه قطعة أرض، والحمد لله تسلمنا البارحة فقط الموافقات الأخيرة وكانت الفرحة فرحتين، افتتاح دار المطرانية والحصول على الأرض الجديدة لبناء مدرسة عليها.

رووداو: نيافة المطران، تسكن قرابة 1200 عائلة نازحة من أتباع الكنيسة السريانية الأرثودوكسية الآن في عينكاوا، هل ستبقى هذه العوائل في عينكاوا؟، أو سترجع إلى الموصل؟.

المطران مار نيقوديموس: نحن قبل التهجير القسري الذي أصابنا من جانب داعش، كانت توجد لدينا 600 عائلة في عينكاوا، نحن موجودون في هذه الأرض قبل داعش، وحتى عبر التاريخ، كانت أكبر أبرشياتنا هي أبرشية حدياب، وحدياب هي أربيل، ويوم أمس قال سيدنا البطريرك كلمة جميلة، قال الذي يجعلنا سعيدين بخصوص شعبنا المتواجد هنا، هو أنه وإن انتقل من منطقة إلى منطقة داخل هذا الوطن، فإنه مازال في أرض الآباء والأجداد. نحن لسنا ضيوفاً في إقليم كوردستان، نحن أصحاب أرض، نحن مواطنون في هذه المنطقة، وإن ذهبنا في وقت ما إلى مناطق أخرى، لكنهم ضمن أرض الآباء والأجداد.
نعم، سيبقى أغلب المتواجدين هنا، لأنهم اشتروا بيوتاً وبدأوا يعملون، لكن هذا لا يعني أيضاً أنه لن تكون هناك عودة إلى الأبد. لا، توجد عوائل تريد العودة، وحتى أنا. هذا المقر الجديد لا يعني أننا نلغي المقر القديم، وأنا أركز على كلمة جديد حتى يعرف أن هناك قديم وجديد. هذا لا يلغي مقر الأبرشية ودار المطرانية في الموصل، لكن متى ما تحققت الظروف المواتية لنا، وتكون لنا ضمانات حقيقية في الأمن والكرامة سنعود، وسنكون متواجدين مثلما كنت قبل داعش، أنا موجود في الموصل، وأسبوعياً أكون في الموصل وفي أربيل وحتى في دهوك، نتردد دائماً بينها، لأنها كلها حدود أبرشيتنا. فنعم، في الحقيقة أعتقد أن الأغلبية ستبقى، لكن توجد أيضاً عوائل ستعود إلى بيوتها ولمصالحها. لكن هذه البيوت، لا يستطيعون العودة إليها حالياً، لأنه لا يوجد أمان، وهم يعدون الساعات ساعة قبل ساعة حتى ترجع الحياة للموصل.
في الحقيقة، الموصل بالنسبة لنا هي تاريخ. نينوى مهمة جداً أيضاً بالنسبة لنا، هي ليست أرضاً عادية وليس صحيحاً أن نتخلى عنها بهذه السهولة، ولا يمكن أن نتخلى عنها. فإن شاء الله سيكون الشعب موجوداً في كوردستان وفي الموصل.

رووداو: ما هو الإرث التاريخي والمخطوطات التاريخية التي دُمرت وسرقت من الكنيسة السريانية الأرثودوكسية في الموصل، وهل تمكنتم من تأمين عدد من هذه المخطوطات التاريخية؟

المطران مار نيقوديموس: عندما حدث ما حدث في يوم التهجير، في يوم 9 حزيران 2014، جاءني اتصال من معالي الوزير كريم سنجاري، حيث تربطنا صداقة قوية جداً وأخوة، فخاف عليّ ونبهني قائلاً إن هذه عصابات ونحن نخاف عليك فأرجو أن تأتي إلى هنا وتترك الموصل بسرعة، لكنني في الحقيقة، لم أقبل حينها بالعرض، لأن الشعب كان موجوداً ولا يجوز للراعي أن يترك رعيته. لكن بعد أن اتصلنا بالقوات العراقية التي كانت متواجدة وسألناهم عن الموقف، أجابوا وقالوا لنا: نفضل أن تغادروا فقد فقدنا السيطرة على الوضع.
في تلك اللحظات كان عندي من الوقت خمس دقائق فقط، فلم أستطع نقل المخطوطات لأن العدد كان أكثر ثلاثمئة مخطوط، يعود قسم منه إلى القرن الثاني الميلادي، وهذا إرث تاريخي لكل البشرية وليس للسريان فقط، لكن استطعت أن أخلص سبع مخطوطات قديمة جداً، كانت لي بمثابة أولادي، تصور أني تركت ملابسي وكمبيوتري المحمول وأشيائي الخاصة ولم آخذها، لكني أخذت هذه الكتب السبعة، حيث كنت أحتفظ بها في غرفتي الخاصة لشدة خوفي عليها. لكن بقية الثلاثمئة مخطوطة سرقت كلها، ونتمنى أن تكون سرقت ولم تُدمَّر.
بعد التحرير، وبواسطة أناس رأوها في مناطق مختلفة، استطعنا العثور على خمسين مخطوطاً تقريباً، وما زال هناك مئتان وخمسون مخطوطةً مفقودة. نتمنى أن نتمكن من استرجاعها.

رووداو: كيف ينظر السريان الأرثودوكس إلى تاريخ كوردستان وعلاقتهم مع هذه الأرض؟

المطران مار نيقوديموس: أنظر، في هذه المنطقة التي يتواجد فيها السريان والكورد والعرب منذ أزمنة قديمة جداً، لكننا نحن والكورد بالذات نشترك في موضوع مهم جداً والذي هو المظلومية، الشعب في كوردستان ظُلم كثيراً واضطُهد كثيراً وعانى كثيراً، ومورست ضده أنواع مختلفة من الإبادة الجماعية.
هذا الموضوع، نحن مشتركون فيه مع أخوتنا الكورد، لأن السريان أيضاً اضطُهدوا كثيراً وظُلموا كثيراً، وعُذبوا ومورست ضدهم أكثر من مرة. قبل مئة سنة ذُبحنا في إبادة جماعية على يد العثمانيين، واليوم في 2014 كانت هناك أيضاً إبادة جماعية جديدة لشعبنا.
اليوم إن كان هناك إنسان مشترِك معك في المظلومية والتعرض للظلم، فإنك تشعر به ويشعر بك، واليوم نشعر نحن بأن أخوتنا الكورد ساعدونا واحتضنونا وكانوا سنداً في وقت ألمنا، لأنهم يعرفون معنى الظلم، يعرفون كيف يشعر المظلوم، يعرفون كيف يشعر المضطّهَد، فكانوا في الحقيقة عوناً لأخوتهم من المسيحيين وساندوهم في وقت الأزمات. هذا شيء سيذكره التاريخ وسيبقى يذكره بأحرف من نور.

رووداو: كيف تنظرون إلى هجرة المسيحيين من العراق وسوريا والمنطقة بشكل عام إلى الدول الغربية؟

المطران مار نيقوديموس: نحن نشعر بأن هناك خطة منظمة لإفراغ الشرق من المسيحيين، والشرق بصورة عامة، العراق وسوريا ولبنان ومصر والأردن وفلسطين وكل هذه المناطق التي هي مناطق مسيحية وجذورها مسيحية. نشعر بأن هناك خطة ممنهجة لإفراغ المنطقة من المسيحيين، وهذ خطر.

رووداو: من المسؤول عنها؟

المطران مار نيقوديموس: كثيرون، لا نستطيع أن نحدد، لأنه توجد أياد داخلية وأياد خارجية، الكل مشترِكون. لكنهم لا يعرفون مدى خطورة هذا الموضوع، وبالذات الذين هم في الداخل. هذا الموضوع خطر جداً. إفراغ الشرق من المسيحيين هو وبال وخطر على المسلمين أكثر مما هو على المسيحيين، ونحن في الشرق نشعر بأنه يجب أن نبقى لأن جذورنا نحن في هذا الشرق، وإذا ما اقتلعت الجذور ماتت الشجرة، ونحن أصل المسيحية لكل العالم، فالمسيحية ابتدأت من الشرق ويجب أن تبقى في الشرق، ونحن شهود للمسيح وهذه الرسالة. يجب أن نبقى فيه لنكون شهوداً للمسيحية وللإنسانية الحقيقية، لأنه في الحقيقة وفي أي مكان يتواجد المسيحيون به فإنهم يعطون صورة جميلة للإنسان الحر.

رووداو: وما هي رسالتك التي تريد توجيهها اليوم من إقليم كوردستان إلى العالم؟

المطران مار نيقوديموس: نقول ساعدونا في البقاء. رسالتي لكل العالم من أجل مصلحة كل العالم: ساعدونا في البقاء في أرض آبائنا وأجدادنا وساعدونا في أن نستمر في نشر السلام وفي نشر المسيحية التي تدعو إلى إنسان حر متساو مع أخيه الإنسان كائناً من كان، وكيفما كان دينه أو أصله أو جنسه. يجب أن يكون هنالك من يسعى لإبقاء هذا الصوت في هذا الشرق.

رووداو: شكراً جزيلاً السيد نيافة المطران مار نيقوديموس داود متى شرف رئيس الطائفة السريانية الأرثودوكسية في إقليم كوردستان وكركوك، شكراً لكم.

المطران مار نيقوديموس: أهلاً وسهلاً بكم، وأنا في الحقيقة جداً سعيد بأن أقيم هذا اللقاء في هذا التلفزيون العزيز، تلفزيون رووداو، الذي يسعى دائماً لكي ينقل الحقيقة للجميع، وأريد أن أذكر مرة أخرى أن مجيء قداسة البطريرك، أب السريان في العالم إلى هذا الإقليم هو بركة للإقليم وبركة لكل من هو موجود هنا، ونحن فخورون بأن نُظهر أمام قداسة البطريرك والوفد المرافق له أننا حجارة حية لن نموت، وإن كنا نحن اليوم مهجرين لكننا نبني، وإن كنا في ظروف قاسية ولكننا باقون وسنبقى، سنبني من أجل بناء الإنسان وليس من أجل بناء الحجر.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب