رووداو ديجيتال
أكد القاضي رزكار محمد أمين على أن "الحكومة الاتحادية، وحسب القانون، يجب أن تدفع تعويضات مجزية مع الاعتذار لضحايا جرائم الإبادة الجماعية التي حملت اسم الأنفال، التي حدثت نتيجة غياب العدالة الاجتماعية"، مشيراً إلى أن "الأحزاب العراقية الحاكمة ميّزت بين ضحايا الأنفال الكورد وبين غيرهم من غير الكورد مثل (الرفحاويين) الذين يتقاضون تعويضات وينعمون بامتيازات، مع أنهم لا يقارنون بتضحيات (المؤنفلين) الذين قدموا حياتهم ثمناً لجرائم لم يساهموا فيها".
وقال القاضي رزكار أمين في حديث لشبكة رووداو الإعلامية اليوم الأربعاء 15 نيسان 2026، بمناسبة مرور 38 عاماً على جرائم الإبادة الجماعية، الأنفال، التي ارتكبها النظام السابق: "عندما بدأت جرائم الأنفال كنت في مدينة السليمانية، وأعتبرها حتى اليوم كارثة إنسانية اقترف فيها النظام السابق انتهاكات وخروقات للقانون الإنساني الدولي ولقوانين حقوق الإنسان وللقوانين العراقية أيضاً، وكانت من إفرازات الحرب العراقية الإيرانية للأسف، والسلطات التي لا تحترم حياة المواطن يحصل فيها مثل هذه الكوارث"، منبهاً إلى أنه "كان من الممكن أن لا تحصل مثل هذه الجرائم وتجنبها".
وأضاف القاضي رزكار أمين: "صحيح كانت هناك حرب طاحنة بين العراق وإيران، لكن هؤلاء المدنيين الكورد الذين تم أخذهم إلى المعتقلات وصحراء السماوة لم يكن لهم أي ذنب في هذه الحرب.. المشكلة الكبرى هي أن هذه البلدان لا تحترم القوانين، لا القانون الدولي ولا القوانين المحلية، ولولا الخروقات القانونية لما حصلت مثل هذه المجازر والكوارث التي رجعت وبالاً على السلطة ذاتها قبل أن تكون على الضحايا فقط. يعني الجلاد والضحية حصدوا نتيجة هذه التصرفات، والجلاد يستحق بالتأكيد".
واستطرد قائلاً: "أنا كإنسان حقوقي أتمنى أن لا تحصل الجريمة، اتقاء الجريمة أفضل من حدوثها، الوقاية خير من العلاج مثلما يقولون.. السلطة التي تؤمن وتعمل وفق القوانين المحلية والدولية لا تقدم على قتل المدنيين، وحتى الجيش الذي يستسلم ويرمي السلاح يجب أن يُعامل كأسرى ويتم التعامل معهم معاملة إنسانية، لكن غياب العدالة القضائية في العراق أنتج هكذا كوارث، مثل قائد سياسي أو عسكري في منطقة معينة يصبح هو القاضي ويحكم ويأمر بالقتل.. لو كان هناك التزام بالقوانين العراقية على الأقل، وكانت هناك مجموعة من الأشخاص العزل حتى ولو كانت هناك حرب بين طرفين، فيجب الحفاظ على حياتهم وتقديمهم للقضاء، وأنا لا أتحدث بأسلوب مثالي، ولم تكن هذه القضية صعبة، كان هناك أطفال ونساء وشيوخ أبرياء، ما كان يفترض بالدولة أن تمنح السلطة لشخص مثل علي حسن المجيد وغيره، كانت الدولة هي شخص رئيس الدولة (صدام حسين)، وهذه هي المشكلة، فإذا مات الشخص ماتت الدولة".
وأكد القاضي رزكار على أن "واجب الدولة هو حماية مواطنيها، حتى إذا اعتبرت أن هذا المواطن خارج القانون فيجب تسليمه للقضاء لا معاقبته وقتله بدون محاكمة، كيف يمكن لدولة أن تقتل مواطنيها بدلاً من أن تحميهم؟ هناك خطأ وخطيئة، الخطيئة هي أن الدولة فقدت شرعيتها عندما ساقت الناس إلى محرقة الموت خارج نطاق القانون والعدالة".
وأقر قائلاً: "بلا شك حصلت هناك أخطاء حتى من قبل الحركة الكوردية وقتذاك، وأنا أتحدث كرجل قانون، فقد ارتُكبت أخطاء أو سوء تقدير نتيجة المقاومة في تلك المرحلة، وفي الحرب العراقية الإيرانية كان من الأنسب للحركة الكوردية أن تقف على الحياد حتى تحمي الشعب الكوردي، خاصة وأنه لم تكن هناك فترة طويلة بين عمليات الأنفال وتوقف الحرب، لم تتجاوز عدة أشهر".
وفي رده عن سؤال عن المحكمة الجنائية العراقية العليا التي كان قاضياً فيها وحاكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وفيما إذا كانت جرائم الإبادة الجماعية للكورد في الأنفال ضمن القضايا التي حُكم رئيس النظام السابق وأركان نظامه بسببها أم لا، قال القاضي رزكار أمين: "كلا.. لم يُحاكم رئيس النظام السابق على هذه الجرائم لأنه تم إعدامه قبل حسم هذه القضية، ولكن بعض أركان النظام نعم، ومن بينهم علي حسن المجيد المتهم الأول بجرائم الأنفال، وتم إعدامه قبل مصادقة محكمة التمييز على الحكم، وكانت القضية الأولى هي (الدجيل) والأنفال الثانية، وقبل أن يتم النظر فيها وحسمها أُعدم صدام حسين، وتم إيقاف جميع الإجراءات القانونية بحقه في جميع القضايا الأخرى حسب القانون العراقي، ويُعتبر بريئاً".
سألناه: هل هذا يعني أن القضاء العراقي اعتبر قضية الأنفال جريمة إبادة وتتحمل الحكومة الاتحادية مسؤولية تعويض الضحايا؟
أجاب قائلاً: "هذه من مثالب القانون العراقي الذي اعتبر المدانين في القضية هم من يتحمل النتائج ودفع التعويضات، وهذا خطأ كبير، ما الذي تبقى للمحكومين بعد أن تم تجريدهم من أموالهم وأملاكهم وتم إعدامهم؟ كان يجب أن تتحمل الحكومة اللاحقة مسؤولية التعويض والاعتذار لضحايا الأنفال كونها وريثة للحكومة السابقة وكونها الشخصية المعنوية التي حلت محل سابقتها، ومن واجبها أن تقدم التعويضات بدون تحيز، لأن هذه الدولة ورثت كل الامتيازات والثروات والحقوق عن الدولة أو الحكومة السابقة بما فيها الجرائم أيضاً، هي، الحكومة، غير مسؤولة عن ارتكاب الجريمة لكنها مسؤولة عن التعويض عن الجريمة، والمفروض أن يقدموا اعتذاراً للضحايا وعوائلهم، ولا يمكن أن تتنصل الحكومة عن حقوق المواطنين".
وتساءل القاضي رزكار: "لماذا تُمنح حقوق وتعويضات لـ(الرفحاويين) مع أنهم يعتبرون ضحايا ممارسات النظام السابق؟.. صار هنا تمايز بين الكورد المتضررين والمتضررين من غير الكورد، مع أني أعتبر الرفحاويين، مع اعتذاري، قد ناضلوا، لكن ما قدموه لا يقارن مع ما ضحى به الكورد الذين فقدوا حياتهم وهم في بيوتهم، وكان المفروض أن لا يحدث التمايز من قبل الأحزاب الحاكمة، ودستورياً يُمنع أي تمييز بين العراقيين، والمادة 14 من الدستور تنص على أن العراقيين متساوون أمام القانون ولهم ذات الحقوق والواجبات".
وشدد على أنه "المفروض أن يتم تعويض ضحايا الأنفال من خزينة الدولة بشكل محترم ومجزٍ، ولو أن حياة الإنسان لا تُعوض، ولكن ما عندنا سوى هذا الإجراء لجبر الضرر مادياً ومعنوياً، والعراق كدولة عريقة مصادق على كل قوانين حقوق الإنسان ومنع إبادة الجنس البشري وبقية القوانين الدولية التي تتعلق بالحقوق الإنسانية".
وخلص القاضي رزكار محمد أمين إلى أن "المسؤول عن تنفيذ التعويضات للمؤنفلين هي الأحزاب الحاكمة في العراق، والتي هي الآن فوق القانون والبديلة عنه"، ونوه إلى أن "القانون إذا كان يسري بصورة طبيعية فتوجب على الأحزاب الحاكمة الالتزام بالمواعيد الدستورية في عملية اختيار رئيس الجمهورية، وكان يجب انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من المصادقة على الانتخابات وتشكيل البرلمان، لكن هذا لم يحدث، الالتزام بالدستور ضعيف جداً وأصبحت مسألة مزاجية وشخصية أكثر مما هي التزام قانوني".
وأشاد القاضي رزكار محمد أمين بالقضاء العراقي، وقال: "القضاء في العراق قوي.. كان قوياً وحتى اليوم عندنا قضاة أقوياء يحترمون مهنتهم ومتمسكين بالقانون، لكن التأثير السياسي في القضاء مرفوض، أنا أريد الكلمة الأخيرة أن تكون للقاضي بدون تحيز أو تدخل خارجي، هذا ما نتمناه من القضاء، وعندنا قضاة بهذا المستوى".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً