رووداو ديجيتال
يرى الخبير القانوني الدولي، ناجي حرج، المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة (GICJ)، مفاوضات إسلام آباد بين الوفدين الأميركي والإيراني، أن: "أقصى ما يمكن توقعه من هذه المفاوضات ليس الوصول إلى حلٍّ شامل للأزمة، بل وضع ضوابط لإدارتها. فطهران لا تستطيع أن تتراجع بسهولة عن السقف الذي بنته داخلياً، وواشنطن لا تبدو مستعدة لمنحها ما يُثبت تلك الرواية".
وفي حواره مع شبكة رووداو الإعلامية حول المفاوضات الدائرة بين أميركا وإيران في إسلام آباد، اليوم السبت 11 نيسان 2026، يرى أن: "لبّ المأزق الإيراني حالياً هو تقاطع الروايتين الأميركية والإيرانية. فالولايات المتحدة أعلنت أن الـ14 يوماً هي وقف مؤقت، أي أنها هدنة هشة ومحدودة، بينما إيران وحلفاؤها قدموا ذلك على أنه وقف كامل للحرب وفق الشروط الإيرانية، ووصفوا الخطوة على أنها انتصار سياسي ورضوخ أميركي لشروط طهران".
وشخص حرج بأن: "من أهم الأوراق التفاوضية التي تستخدمها إيران حالياً هو مضيق هرمز وسيطرتها على حركة الملاحة فيه. لكن هذه الورقة هي سلاح ذو حدّين، وقد ينقلب وبالاً على إيران إذا ما قررت الدول التي يمرّ نفطها وبضائعها عبر المضيق اتخاذ خطواتٍ جادة ضد هذا التصرف"، منبهاً إلى أن: "ترمب سيواصل سياسة العصا فوق الطاولة أثناء التفاوض".
وذكر مصدر باكستاني رفيع أن المحادثات الثلاثية في إسلام آباد جرت اليوم، السبت، وجهاً لوجه بين نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ومستشار الرئيس جاريد كوشنر، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وقائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير.
وفيما يلي نص الحوار:
رووداو: الملاحظ وبوضوح ومنذ ما قبل بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية، سادت أجواء عدم الثقة بين طهران وواشنطن، وكل طرف يشكك بنوايا الآخر، ترى هل سيكون هناك الاتفاق على اللا اتفاق؟
ناجي حرج: نعم، هذا هو السيناريو الأقرب حتى الآن. فالمفاوضات بدأت فعلاً في إسلام آباد، لكنها بدأت على قاعدة توقعات منخفضة جداً من الجانب الأميركي، وعلى قاعدة حذر وعدم ثقة عميق خاصةً من الجانب الإيراني. أما واشنطن فتقول بوضوح إن الفجوات ما زالت كبيرة، خصوصاً حول برنامج إيران النووي، ودعمها للجماعات المسلحة، وملف هرمز، بينما إيران تشترط وقفاً أوسع، ومكاسب أسرع، ومنها رفع العقوبات، وإدخال لبنان ضمن أي تهدئة، كما تحدثت عن تعويضاتٍ وضماناتٍ بعدم تعرضها لهجومٍ جديد. هذا يجعل الاحتمال الأرجح ليس اتفاقاً نهائياً، بل صيغة تمنع الانهيار الكامل، أي حالياً استمرار التفاوض، وتثبيت هدنة هشة، وتأجيل القضايا الكبرى. أعتقد أننا أمام اتفاق على منع الانفجار، لا اتفاق على حل كل الخلافات، أي إدارة للأزمة أكثر من تسوية نهائية. ومن هنا، فإن أقصى ما يمكن توقعه من هذه المفاوضات ليس الوصول إلى حلٍّ شامل للأزمة، بل وضع ضوابط لإدارتها. فطهران لا تستطيع أن تتراجع بسهولة عن السقف الذي بنته داخلياً، وواشنطن لا تبدو مستعدة لمنحها ما يُثبت تلك الرواية. وبين هذين الحدّين، تبدو إسلام آباد محطة لتجميد التصعيد لا لإنهائه، ومحاولة لشراء الوقت لا لصناعة تسوية نهائية.
رووداو: واشنطن أطلقت على الـ14 يوماً توصيف "وقف إطلاق النار"، وطهران وأتباعها اعتبروها نصراً ساحقاً على أميركا التي رضخت لمطالبهم العشرة، مع تناقض الأخبار التي يصدرها الطرفان.. إلى أين ستقود هذه الاتجاهات المتقاطعة؟
ناجي حرج: هذه النقطة هي لبّ المأزق الإيراني حالياً. الولايات المتحدة أعلنت أن الـ14 يوماً هي وقف مؤقت، أي أنها هدنة هشة ومحدودة، بينما إيران وحلفاؤها قدموا ذلك على أنه وقف كامل للحرب وفق الشروط الإيرانية، ووصفوا الخطوة على أنها انتصار سياسي ورضوخ أميركي لشروط طهران. المشكلة أن التوصيفين لا يلتقيان، فهناك بون شاسع بينهما، وعندما يصر أحد أطراف التفاوض على أن يبيع لجمهوره رواية مختلفة، فإن المفاوضات تصبح معرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني أو سياسي. الأخطر هو أن الخلاف لم يبقَ في التفسير العام، بل وصل إلى نطاق التهدئة نفسها. وعلى سبيل المثال، فإن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس قال صراحة إن الولايات المتحدة لم توافق على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، بينما تصرفت إيران وبعض حلفائها على أن لبنان داخل التهدئة أو يجب أن يكون ضمنها. ولاحظنا ما الذي جرى في لبنان بعد وقف إطلاق النار من هجمات إسرائيلية غادرة. هذا التناقض في فهم أصل الاتفاق يدفع المسار نحو أحد الاحتمالين: إما هدنة قابلة للتجديد مع توتر مستمر، أو انفجار جديد بسبب اختلاف التوقعات. وحين تعتبر واشنطن الهدنة ترتيباً مؤقتاً، وتعتبرها طهران نصراً واستسلاماً، فنحن أمام روايتين متصادمتين لا يمكن التوفيق بينهما.
رووداو: الولايات المتحدة تشارك بوفد يبلغ عدده 300 مفاوض بينما إيران تشارك بـ 80 مفاوض، هل هذا يعني جدية الولايات المتحدة وتهاون إيران؟ أم هو سيناريو من إخراج ترمب؟
ناجي حرج: حقيقةً لا أستطيع تأكيد هذين الرقمين من المصادر العلنية الموثوقة التي اطلعت عليها لحد الآن. المؤكد علناً هو أن الوفد الأميركي رفيع المستوى ويقوده نائب الرئيس JD Vance، وأن الوفد الإيراني أيضاً وفد رفيع المستوى برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي وشخصيات وازنة. ومن الواضح أن مكان التفاوض في إسلام آباد جُهّز لاستيعاب وفود كبيرة وسط ترتيبات أمنية استثنائية. مع ذلك، أستطيع القول إن صح أن الوفد الأميركي بهذا الحجم، فذلك يعني أن واشنطن تريد تغطية ملفات كثيرة دفعة واحدة: النووي، هرمز، العقوبات، الوكلاء. هذه الملفات مختلفة ولا رابط بينها، وبالتأكيد تُدار من قبل مختصين مختلفين سيحتاج إليهم الوفد المفاوض، إذ يبدو أنه جاء وفي داخله أكثر من خط: دبلوماسي، أمني، اقتصادي، وإعلامي. أما إيران، فعلى الرغم من أن وفدها أصغر نسبياً من الوفد الأميركي، لكنه يظل وفداً كبيراً أيضاً، وربما يعكس صغر الوفد النسبي مركزية القرار وضيق هامش التفاوض، خصوصاً مع تمسك طهران بشروط مسبقة وحديثها المتكرر عن الحذر العميق. في كل الأحوال، فإن الأعداد وحدها لا تحسم الجدية، والأهم هو صلاحية الوفد لاتخاذ القرارات المناسبة عند الحاجة دون الرجوع إلى العواصم في كل مرة.
رووداو: باعتقادكم هل تخلت إيران عن حلفائها في لبنان والعراق، حزب الله والفصائل المسلحة؟
ناجي حرج: من الناحية الظاهرية، ليس هناك ما يكفي للقول إن إيران تخلت عن حلفائها، لكنني لن أصاب بالدهشة عندما يحصل ذلك. حلفاء إيران هم أوراق تفاوضية، وإيران تجيد استخدام أوراقها، ولذلك نلاحظ أنها أعلنت أن وقف إطلاق النار في جبهة لبنان هو شرط من شروطها أو من خطوطها الحمراء، وصرح مسؤولوها بما يعني أنهم على تواصل مع لبنان لضمان احترام ترتيبات التهدئة. هذا هو سلوك طرف يحاول إدخال أوراقه الإقليمية إلى قلب التفاوض، ولذلك فإن طهران تتصرف بقدر أكبر من البراغماتية الدفاعية، بمعنى أنها لا ترفع الآن سقف شعار التصعيد المفتوح دفاعاً عن الحلفاء، بل تحاول استخدام ملفاتهم كورقة تفاوضية ضمن صفقة أوسع. لذلك الأدق أن نقول إن الخلاف على لبنان ليس تفصيلاً منفصلاً عن المأزق الإيراني، بل هو أحد أوضح تعبيراته.
رووداو: هل تعتقدون أن ترمب سيهاجم إيران قبل نهاية المفاوضات أم أنه سيذهب إلى نهايتها لحراجة موقفه الداخلي سياسياً؟
ناجي حرج: حتى الآن، المؤشر الأقوى هو أن ترمب يريد أن يحتفظ بالخيارين معاً: التفاوض والتهديد في الوقت نفسه. ففي إسلام آباد لديه وفد رفيع المستوى، ومن جهة أخرى يواصل عبر تصريحاته التهديد بضربات جديدة مدمرة إذا فشلت المحادثات. ومع بدء المفاوضات أعلن أن القوات الأميركية بدأت بـ "تطهير" مضيق هرمز، بينما إيران نفت الرواية الأميركية، لكن هناك ما يؤكد وجود محاولات في هذا الاتجاه. هذا يعني أن ترمب لا يريد أن يظهر بمظهر المتراجع، لكنه أيضاً لا يريد أن يتحمل كلفاً سياسية واقتصادية باهظة في تأمين الملاحة، بل يؤكد على المسؤولية المشتركة للدول المستفيدة من المضيق. كما أن الاعتبار الداخلي الأميركي حاضر بقوة في ذهنه، في ظل وجود تململ واضح من تكاليف الحرب وعدم وضوح نتائجها، إضافة إلى ضغوط مع اقتراب الانتخابات النصفية وارتفاع أسعار الطاقة. لذلك أرجّح أنه لن يذهب إلى هجوم كبير قبل استنفاد فرص التفاوض، إلا إذا حصل انهيار واضح ومعلن للمحادثات أو تطور ميداني كبير يفرض رداً سريعاً، أما من دون ذلك فالأرجح أنه سيواصل سياسة العصا فوق الطاولة أثناء التفاوض.
رووداو: حسب القوانين الدولية التي تتعلق بحرية الملاحة، وحسب تأكيدات الرئيس ترمب، هل تعتقدون أن من حق إيران التلاعب بعصب الملاحة الدولية في مضيق هرمز لأغراض تفاوضية؟
ناجي حرج: من أهم الأوراق التفاوضية التي تستخدمها إيران حالياً هو مضيق هرمز، وسيطرتها على حركة الملاحة فيه. لكن هذه الورقة هي سلاح ذو حدّين، وقد ينقلب وبالاً على إيران إذا ما قرّرت الدول التي يمرّ نفطها ولضائعها عبر المضيق إتخاذ خطواتٍ جادة ضدّ هذا التصرّف. يخضع مضيق هرمز في القانون الدولي لنظام المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ولذلك فإن القاعدة القانونية الأساسية الحاكمة له هي نظام المرور العابر Transit passage ويعني ذلك أن لجميع السفن والطائرات حق العبور عبر المضيق بصورة مستمرة وسريعة، من دون أن يكون للدول المتشاطئة تعطيل هذا المرور أو تعليقه. لكن إيران تسعى في الأزمة الحالية لتحويل إستخدام المضيق من المرور العابر الى المرور البريء Innocent passage ويختلف المرور العابر عن المرور البريء. فالمرور البريء يُطبق في البحر الإقليمي ويمنح الدولة الساحلية سلطة أوسع في التنظيم والرقابة، أما المرور العابر فهو نظام خاصّ بالمضائق الدولية ويقيّد سلطة الدولة الساحلية لمصلحة حرية الملاحة الدولية. ولهذا لا يجوز إخضاع المرور في مضيق هرمز لإذن مسبق أو لموافقة سيادية منفردة من الدولة الساحلية، وقد خطت خطوة خطيرة في هذا الإتجاه، أي تطبيق (المرور البريْ)، وهي تغيير مسار السفن، ذهابا و أيابا، لكي يقترب المسار اكثر داخل المياه الاقليمية الإيرانة، تحت ذريعة الاوضاع الأمنية، لكنها في الحقيقة تخطّط لتغيير قواعد اللعبة فيما يتعلّق بالمضيق في محاولة للتحكم به. ولو اتبعت دول أخرى تصرّف إيران لدخل العالم في فوضى فيما بتعلق بالملاحة البحرية. من هنا، وعلى الرغم من أن أجزاء كبيرة من المضيق تقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان، فإن هذا لا يمنح أيّاً منهما سلطة عليه. فسيادة الدولة الساحلية هنا تبقى قائمة من حيث الأصل، لكنها مقيدة وظيفياً بواجب ضمان استمرار الملاحة الدولية عبر المضيق ضمن مفهوم المرور العابر تحديداً.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً