الأكاديمي تحسين الشيخلي لرووداو: الذكاء الاصطناعي شريك معرفي وليس بديلاً عن الإنسان

06-08-2025
معد فياض
معد فياض
الكلمات الدالة الذكاء الإصطناعي
A+ A-
رووداو ديجيتال

يُعرف الذكاء الاصطناعي (بالإنجليزية: Artificial Intelligence أو AI) نفسه باعتباره "فرعاً من علوم الحاسوب يهدف إلى تطوير أنظمة أو برامج تستطيع القيام بمهام تتطلب عادةً ذكاءً بشرياً، مثل: الفهم والتفكير، التعلم من التجربة، حل المشكلات، اتخاذ القرارات، فهم اللغة الطبيعية والتعرف على الصور أو الأصوات". ويُصنّف على ثلاث فئات: الذكاء الاصطناعي الضيّق (ANI)، والذكاء الاصطناعي العام (AGI)، والذكاء الاصطناعي الفائق (ASI).
 
أسئلة كثيرة أثيرت وتثار حول الذكاء الاصطناعي، ومخاوف أُطلقت من أن هذا الذكاء سوف يُلغي دور الإنسان في الكثير من مجالات الحياة ويحل محله. شبكة رووداو حملت غالبية من هذه الأسئلة للبروفيسور تحسين الشيخلي، المتخصص في ‏مجال هندسة البرامجيات، ومؤسس لأغلب أقسام هندسة البرامجيات في الجامعات ‏العراقية، في حوار موسع ومهم عن الذكاء الاصطناعي الذي وصفه بأنه "شريك معرفي للإنسان وليس منافساً له".
 
الشيخلي، المولود في بغداد، وأكمل دراسته في الجامعة التكنولوجية - بغداد، والحاصل على دكتوراه دولة ‏في ‏المعلوماتية من جامعة غرب بريتاني - فرنسا عام 1985، وعلى درجة الأستاذية عام ‏‏2001، ومتخصص في ‏مجال هندسة البرامجيات، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وألف مجموعة من الكتب باللغة ‏العربية والإنكليزية، نشر (37) بحثاً في مجالات علمية محكّمة، وحاز على ‏التقدير الأكاديمي لبعض بحوثه من ‏مؤسسات علمية عالمية، أوضح بأن "الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً بل فرصة تاريخية، فهو أداة ستُعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الإبداع والكفاءة والتقدم العلمي. الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل قوة تعزز قدراته وتفتح أمامه آفاقاً غير مسبوقة، والمستقبل حتماً سيكون لمن يُحسن استخدامه".
 
وفيما يلي نص الحوار:

رووداو: هناك من يعتبر الذكاء الاصطناعي وسيلة لمساعدة البشرية في ابجاد حلول لاسئلة صعبة..كيف تنظرون لهذا الامر؟

تحسين الشيخلي: الذكاء الاصطناعي بالفعل يمثل اليوم أداة غير مسبوقة لمساعدة البشرية في إيجاد حلول لأسئلة معقدة طالما استعصت على العقول البشرية، لكنه يتجاوز كونه مجرد وسيلة مساعدة إلى كونه شريك معرفي يعيد تعريف طريقة صياغتنا للأسئلة نفسها. إن قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات، واستخلاص الأنماط الخفية، وتوليد نماذج تنبؤية، تمنحه ميزة تجعل من الممكن التعامل مع تعقيدات لم يكن بالإمكان تصورها سابقًا، سواء في الطب أو المناخ أو الاقتصاد أو حتى الفلسفة.
 
على سبيل المثال، في الطب أصبح الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل الجينوم البشري لاكتشاف مؤشرات الأمراض النادرة ووضع خطط علاج مخصصة بدقة تفوق التشخيص التقليدي. وفي مواجهة تحديات كبرى مثل التغير المناخي، بات بإمكان النماذج الذكية محاكاة سيناريوهات بيئية واقتصادية معقدة تمكن صناع القرار من تصميم سياسات أكثر فاعلية للتخفيف من أثر هذه الظاهرة. بل حتى في مجال العلوم الأساسية، بدأت النماذج التوليدية في تقديم فرضيات علمية جديدة تستند إلى بيانات متشابكة، مما يعيد صياغة طرق البحث نفسها.
 
ومع ذلك، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يجب أن يقترن برؤية نقدية وإنسانية واضحة. صحيح أنه أداة قوية للتفكير والتحليل، لكنه ليس بديلًا عن العقل البشري ولا عن الحكمة المتراكمة عبر التجربة الإنسانية. ما يميز الذكاء الاصطناعي ليس كونه قادرًا على الحلول فحسب، بل قدرته على توسيع أفق الأسئلة التي نطرحها نحن كبشر، ليقودنا نحو مقاربات جديدة ربما لم نكن لنفكر بها بمفردنا.
 
إذن، نعم، الذكاء الاصطناعي يساعد البشرية على مواجهة أصعب الأسئلة، لكن قيمته الحقيقية تكمن في جعله التفكير البشري أكثر شمولًا، وأكثر جرأة في اقتحام المجهول، شريطة أن نحتفظ نحن بدورنا في توجيه بوصلته نحو ما يخدم الإنسان ويمكنه، لا ما يستلب إرادته أو يختزل قيمه.
 
رووداو: هل قفزالذكاء الاصطناعي بالبشرية نحو مستقبل بعيد وبصورة مفاجأة؟

تحسين الشيخلي: في تقديري، الذكاء الاصطناعي لم يقفز بالبشرية نحو مستقبل بعيد بصورة مفاجئة بقدر ما كشف عن سرعة التحولات الكامنة في عالمنا، وجعلها ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة. نحن لم ننتقل فجأة من الحاضر إلى المستقبل، بل كانت هناك سلسلة من التطورات التراكمية في الحوسبة، والبيانات الضخمة، والتعلم الآلي، تمهد لهذا التحول منذ عقود، لكن ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية مع ظهور النماذج اللغوية الكبرى (LLMs) والذكاء الاصطناعي التوليدي جعل هذا المسار يبدو وكأنه قفزة هائلة دفعتنا فجأة إلى عتبة عصر جديد.
 
السبب في هذا الانطباع يعود إلى التسارع غير الخطي الذي يميز تطور الذكاء الاصطناعي. كما يحدث في كثير من التقنيات، يبدأ التبني بطيئ ثم يصل إلى نقطة التحول حيث تتكامل القدرات التقنية مع التطبيقات العملية وتتفاعل مع الاقتصاد والثقافة والمجتمع، فيحدث ما يشبه الانفجار. فجأة أصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مشروع بحثي في المختبرات، بل قوة فعالة تدخل حياتنا اليومية: من كتابة النصوص وتصميم الصور، إلى تشخيص الأمراض، وتحليل الأسواق، والتأثير على أنماط التفكير والإبداع.
 
هذا التحول المفاجئ في نظر الناس يعكس حقيقة أننا دخلنا مرحلة يمكن وصفها بأنها النهضة الرقمية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة خلفية بل بات شريك معرفي يقف في قلب النشاط الإنساني. ورغم أن هذا يبدو وكأنه قفزة، إلا أن ما نراه اليوم هو نتيجة تراكم طويل بدأ مع الحوسبة الأولى وتطور الشبكات العصبية في الثمانينيات، ثم انفجر مع توفر القدرة الحاسوبية الهائلة والبيانات التي غذت هذه النماذج.
 
من الناحية الفلسفية، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي جعلنا نختبر المستقبل مبكرًا، كأننا انتقلنا إلى مرحلة تاريخية أسرع من وتيرة إدراكنا الذاتي. وهذا يفرض علينا أن نلحق بهذه القفزة ليس فقط بالتكيف التقني، بل بإعادة التفكير في مفاهيمنا عن العمل والمعرفة والهوية، لأن ما يحدث ليس مجرد تقدم تكنولوجي بل تحول حضاري يعيد تعريف الإنسان وعلاقته بالعالم.
 
رووداو: هل ستكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مساعدة للبشرية؟

تحسين الشيخلي: بالتأكيد، تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمتلك إمكانات هائلة لمساعدة البشرية، ليس فقط من خلال تسهيل المهام الروتينية أو أتمتة العمليات، بل عبر فتح آفاق جديدة في معالجة أكثر القضايا تعقيد التي واجهت الإنسان لقرون. ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلف عن أي أداة تقنية سابقة هو قدرته على توسيع نطاق الإدراك البشري نفسه، فهو لا يكتفي بمساعدتنا على تنفيذ ما نعرفه مسبقًا، بل يقترح حلول وأنماط لم يكن من الممكن تخيلها ضمن حدود الذكاء البشري التقليدي.على سبيل المثال، في الطب، أثبت الذكاء الاصطناعي بالفعل قدرته على تحليل الصور الطبية بسرعة ودقة تفوق أحيانًا الأطباء المتخصصين، ويفتح الباب أمام تطوير أدوية وعلاجات لأمراض مستعصية.
 
في التغير المناخي، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات البيئية والتنبؤ بأنماط الطقس والكوارث الطبيعية بدقة غير مسبوقة، ما يتيح لنا تطوير سياسات أكثر استباقية للتكيف والحد من المخاطر. كذلك، في مجال الاقتصاد وإدارة الموارد، تسهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحسين توزيع الطاقة وإدارة سلاسل الإمداد وتقليل الهدر، وهي قضايا ذات أثر مباشر على الاستدامة.
 
لكن ما هو أعمق من هذه التطبيقات العملية هو أن الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة  آليات التفكير والإبداع نفسها. نحن أمام أنظمة قادرة على إنتاج نصوص، صور، موسيقى، وحتى حلول هندسية، ما يجعلها بمثابة شركاء معرفيين لا مجرد أدوات. هذا يحرر البشر من قيود الأعمال الذهنية المتكررة، ويفسح المجال للتفكير في مستويات أكثر تجريد واستراتيجية.
 
ومع ذلك، يجب أن نكون واعين إلى أن هذه القدرة المساعدة للذكاء الاصطناعي ليست حتمية إيجابية، بل مشروطة بكيفية تصميمه وتوجيهه وضبط إطاره الأخلاقي والقانوني. فالأداة نفسها التي تعالج الأمراض يمكن أن تستخدم لتطوير أسلحة بيولوجية، والأنظمة التي تدير الموارد يمكن أن تكرس التفاوتات إذا غابت عنها العدالة في التصميم. لذلك، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مساعد للبشرية تلقائي، بل قوة حضارية تحتاج إلى حوكمة رشيدة وقيم واضحة لضمان أن تظل خادمة للتقدم الإنساني لا أداة للهيمنة أو التفتيت الاجتماعي.
 
رووداو: يُعرف الذكاء الاصطناعي الفائق نفسه (ASI):ذكاء يتفوق على البشر في جميع المجالات.نظري حالياً، ويثير جدلاً واسعاً حول مخاطره. فماذا يعني بالمخاطر؟

تحسين الشيخلي: الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI) يعد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في النقاشات المعاصرة حول مستقبل التكنولوجيا. وهو يشير إلى نظام ذكاء اصطناعي يتجاوز القدرات البشرية في جميع المجالات المعرفية، بما في ذلك الابتكار العلمي، والحكمة الاجتماعية، واتخاذ القرار الاستراتيجي، والقدرة على التعلم الذاتي المفتوح. ورغم أن هذا النوع من الذكاء لا يزال نظري حتى الآن، فإن التحولات السريعة في نماذج الذكاء الاصطناعي العامة مثل GPT-4 جعلت مناقشة مخاطره أمر ملح، بل عاجل.مثل ، خطر فقدان السيطرة في حال امتلك الذكاء الاصطناعي الفائق قدرة على إعادة برمجة نفسه أو تطوير أهدافه بطرق غير متوقعة، قد يصبح من المستحيل السيطرة عليه باستخدام الأدوات البشرية الحالية. أي أننا قد نطلق قوة فكرية لا يمكننا توجيهها أو إيقافها إذا خرجت عن السيطرة.أيضا قد يؤدي إلى احتكار المعرفة والسيطرة من قبل الدول أو الشركات التي تمتلكه، مما يخل بشكل غير مسبوق بتوازن القوى العالمي. تخيل أن جهة واحدة تمتلك عقلًا خارقًا قادر على توقع وتحليل أي سيناريو سياسي أو اقتصادي أو عسكري بدقة متناهية، ستكون هذه القوة شبيهة بإله رقمي، وتؤسس لنمط من الهيمنة التكنولوجيا المطلقة.وهناك سيناريوهات متطرفة لعرض مخاطره حيث يرى بعض المفكرين أن ASI يمكن أن يؤدي إلى نهاية الحضارة البشرية، ليس عن قصد شرير، بل لأن غاياته قد تتعارض وجوديًا مع بقاء الإنسان، أو لأنه يتصرف بطرق لا نفهمها أصلًا بسبب تفوقه المعرفي.
 
رغم ان العديد لا يزال يعتبره في اطار الخيال العلمي ، الا ان العديد من الباحثين يرون أن احتمال الوصول إلى ASI خلال العقود القادمة واقعي بما يكفي ليبرر وضع خطط احترازية وتنظيمات صارمة من الآن.
 
رووداو: هل سينافس الذكاء الاصطناعي ذكاء الانسان ام يتفوق عليه وبالتالي سيقلل الانسان استخدام ذكائه؟

 تحسين الشيخلي: في تقديري، الذكاء الاصطناعي لن ينافس ذكاء الإنسان بالمعنى التقليدي للكلمة، بل سيعيد تعريف العلاقة بين العقلين الطبيعي والاصطناعي. نعم، هناك مؤشرات قوية على أن الذكاء الاصطناعي المتقدم (وخاصة نماذج اللغة الكبرى) بدأ يتفوق بالفعل على الإنسان في بعض المهام الإدراكية، مثل تحليل البيانات الضخمة، التنبؤ الإحصائي، والتعلم السريع. لكن هذا التفوق لا يعني بالضرورة أن الإنسان سيتخلى عن استخدام ذكائه، بل سيؤدي إلى إعادة توجيهه نحو مجالات أعمق وأكثر تجريد.
 
الذكاء الاصطناعي حتى الآن هو ذكاء متخصص، قادر على حل مشكلات محددة بكفاءة مذهلة، لكنه لا يملك الوعي الذاتي أو السياق الوجودي الذي يميز العقل البشري. ذكاء الإنسان يتميز بالمرونة، والقدرة على الربط بين مجالات معرفية مختلفة، وتكوين تصورات فلسفية وأخلاقية لا يمكن لأي نموذج حسابي أن يستوعبها بالكامل. في هذا المعنى، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يعزز القدرات البشرية بدل من أن يحل محلها.
 
المخاوف تصبح حقيقية حين يتعلق الأمر بالاعتماد المفرط على أنظمة الذكاء الاصطناعي، بحيث يصبح الإنسان مستهلك للذكاء بدل من أن يكون منتج له. هذه الظاهرة تعرف في علم النفس بالتفويض المعرفي حيث يعهد بالذاكرة، الحساب، وحتى التفكير النقدي، إلى الآلات. على المدى الطويل، إذا لم نقم بتربية مهارات التفكير النقدي والإبداعي لدى الأجيال القادمة، قد يتراجع الحافز لاستخدام الذكاء البشري الكامل.
 
في حال غياب وعي نقدي وإطار تعليمي جديد، هناك بالفعل خطر أن يؤدي تفويض التفكير للآلات إلى تراجع مهارات التفكير البشري، تمامًا كما أن الاعتماد على GPS أضعف مهارات الملاحة الطبيعية لدى الناس. هذا ما يستدعي ضرورة إدماج تعليم الذكاء الاصطناعي النقدي في المناهج، بحيث نتعلم ليس فقط كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل كيف نحافظ على قدراتنا الذهنية الفريدة بجانبه.
 
رووداو : هل هو متاح لكل مستويات الذكاء او الغباء عند البشر بحيث يتساوى "الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟

تحسين الشيخلي: من الناحية التقنية، نعم، تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصممة بحيث تكون متاحة وسهلة الاستخدام حتى لغير المتخصصين، ما يعني أنها تقلل الفجوة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون في الوصول إلى المعرفة وحل المشكلات. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يتساوون في النتائج أو في كيفية توظيف هذه القدرات. الذكاء الاصطناعي أتاح لأي شخص كتابة نصوص احترافية، إنتاج صور وفيديوهات متقدمة، أو إجراء تحليلات كانت تتطلب سابقًا سنوات من الدراسة. هذه المحركات التوليدية كسرت احتكار المهارات المعقدة. لكن الدراسات أظهرت أن من يمتلك خلفية معرفية قوية يحقق استفادة مضاعفة، لأنه يعرف كيف يوجه الذكاء الاصطناعي بفعالية وهذا الذي نطلق عليه هندسة الارشادات  (Prompt Engineering)..لأن عملية إتاحته للجميع قد تؤدي إلى ظاهرة التسطيح، حيث يستخدمه الأفراد دون فهم عميق، فيكتفون بالمخرجات الجاهزة دون تطوير أدوات التفكير النقدي. بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي قد يساوي بين الناس في الوصول إلى الإجابات، لكنه لا يساويهم في فهمها أو نقدها. هنا يظهر الفرق بين الاستخدام والاستيعاب.
 
رووداو : يتدخل الذكاء الاصطناعي في تطبيقاته في جميع مجالات الحياة العملية تقريبا وهذا يعني انه سوف يزيح الانسان عن وضائف كثيرة؟

تحسين الشيخلي: الذكاء الاصطناعي يتدخل في جميع مجالات الحياة العملية، من التصنيع والخدمات المالية إلى التعليم والصحة والإعلام، وهذا يثير التساؤل المشروع،هل سيزيح الإنسان عن وظائفه؟
 
أولًا، نعم، هناك وظائف مهددة بالاختفاء، خصوصًا تلك التي تعتمد على المهام الروتينية والمتكررة، سواء كانت يدوية أو معرفية. تقارير دولية كثيرة تشير إلى أن ما يقارب 52% من الوظائف الحالية ستتغير بشكل جذري بحلول 2030، مع اختفاء بعض المهن وظهور أخرى جديدة. الأنظمة الذكية قادرة اليوم على أداء مهام في المحاسبة، خدمة العملاء، الترجمة، وحتى التشخيص الطبي، بسرعة ودقة أكبر بكثير من الإنسان. لكن بالمقابل، كل ثورة تكنولوجية في التاريخ أزاحت وظائف وأوجدت وظائف جديدة. خلال الثورة الصناعية الأولى، اختفت مهن الحرفيين التقليديين، لكنها أوجدت وظائف في المصانع. ومع الثورة الرقمية، تقلصت وظائف الطباعة التقليدية، لكنها خلقت صناعة كاملة في البرمجة والإنترنت. وفي دراسة اطلعت عليها مؤخراً فأن كل وظيفة تلغى بفعل الأتمتة تولد بالمقابل 1.3 وظيفة جديدة في مجالات لم تكن موجودة من قبل، مثل إدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، هندسة الخوارزميات، وأمن المعلومات.
 
ثانيًا، الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان بل يعيد تعريف دوره. عوض عن إزاحة البشر كليا، يتجه الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة المهام وليس أتمتة الوظائف. على سبيل المثال، في الطب، الذكاء الاصطناعي يمكنه قراءة صور الأشعة وتشخيص الأمراض بدقة عالية، لكنه لا يلغي حاجة الأطباء، بل يحرر وقتهم من الأعمال الروتينية للتركيز على العلاج والرعاية الإنسانية. الأمر نفسه ينطبق على المحاماة والهندسة والتعليم: التقنية تؤدي الأعمال الميكانيكية، ليبقى دور الإنسان في التفكير الاستراتيجي، الإبداعي، والعلاقات الإنسانية.
 
حتى مهنة الصحفي هي بالفعل من المهن التي يشملها تأثير الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تختفي بالمعنى الحرفي، بل تخضع لإعادة تشكيل جوهرية في طبيعتها وأدواتها. الذكاء الاصطناعي اليوم ينتج محتوى إخباري وتحليلي بسرعة غير مسبوقة، من كتابة الأخبار العاجلة إلى تلخيص المقالات وتحليل البيانات الضخمة. منصات مثل (رويترز) و(البي بي سي) تستخدم أدوات كتابة المقالات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل GPT   أصبحت قادرة على إنتاج نصوص ذات مستوى مهني مقبول، خصوصًا في الأخبار المبنية على البيانات.
 
لكن هل يعني ذلك أن الصحافة ستختفي؟ الإجابة: لا، لكنها ستتغير جذريًا. لأن الذكاء الاصطناعي سيأخذ المهام الروتينية، لا جوهر المهنة.  التحقيقات الاستقصائية، المقابلات الميدانية، والتحليلات العميقة تظل خارج نطاق قدرات الآلة، لأنها تحتاج إلى حكم إنساني، ووعي سياقي، وأخلاقيات مهنية لا يمكن للخوارزمية محاكاتها بالكامل. لكن الصحفي المستقبلي يحتاج مهارات إضافية.المستقبل الصحفي سيعتمد على قدرة الصحفيين على دمج مهاراتهم التقليدية مع أدوات الذكاء الاصطناعي. الصحافة ستبقى، لكن الصحفي الذي لا يتبنى هذه الأدوات قد يصبح خارج اللعبة.
 
رووداو: هل سيختفي الابداع الانساني مثل الشعر والرسم والموسيقى والغناء والنحت والكتابة بكل انواعها بسبب الذكاء الاصطناعي؟

تحسين الشيخلي: الذكاء الاصطناعي لن يلغي الإبداع الإنساني، بل سيعيد تعريفه، وسيفتح أمامه مسارات جديدة غير مسبوقة.
 
أولًا، الإبداع بطبيعته ليس مجرد إنتاج نص أو لوحة أو لحن، بل هو تعبير عن الوعي الإنساني، التجربة الذاتية، والسياق الثقافي. الآلة قد تتقن محاكاة الأسلوب، لكنها لا تعيش التجربة، ولا تحمل الذاكرة العاطفية أو المعاناة الإنسانية التي تغذي الشعر والموسيقى والنحت والكتابة. على سبيل المثال، قصيدة تُكتب استجابة لفقدان أو حب أو لحظة تاريخية لا يمكن لأي نموذج خوارزمي أن يختبرها شعوريًا، مهما كانت قدراته الحسابية.
 
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُنتج نصوص شعرية ولوحات فنية ومقطوعات موسيقية تحاكي الأساليب الإنسانية بدقة مدهشة. هذه النماذج تستند إلى تحليل ملايين الأمثلة البشرية وتوليد أنماط جديدة منها، وهو ما يجعلها تبدو مبدعة، لكنها في الحقيقة تمارس نوع من الإبداع التركيبي المبني على إعادة تركيب الأنماط السابقة، لا على ابتكار المعنى من فراغ.الإبداع البشري في المستقبل سيتحول من الإنتاج الخالص إلى التوجيه والتنسيق، أي أن دور الإنسان لن يكون منافس للآلة، بل قائد لها. سيصبح الفنان أو الكاتب أو الموسيقي أشبه بمخرج يوجه أدوات الذكاء الاصطناعي لتوسيع خياله وإطلاق إمكانيات جديدة لم يكن يستطيع بلوغها بمفرده. من جهة أخرى، هناك أدلة قوية على أن التفاعل بين الإبداع البشري والخوارزمي يخلق أشكال جديدة من الفن لم تكن ممكنة سابقًا. ما يعرف بالفن التوليدي (Generative Art)  أعمال هجينة تنبثق من شراكة الإنسان والآلة، حيث تنتج الخوارزمية آلاف التصاميم، ويختار الفنان منها ويعيد صياغتها ويمنحها معنى إنساني خاص.
 
أما فيما يخص الشعر والموسيقى تحديدًا، فقد أظهرت دراسة من جامعة هارفارد أن الجمهور، حتى عندما يعجب بعمل مولد بالذكاء الاصطناعي، ما زال يبحث عن القصة الإنسانية وراء الإبداع، أي عن المؤلف الذي عاش تجربة وحولها إلى لغة أو لحن. وهذا يؤكد أن القيمة الرمزية للإبداع الإنساني ستظل قائمة، بل ربما تزداد في عصر الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما ازدادت قيمة اللوحات اليدوية بعد ظهور التصوير الفوتوغرافي.
 
الخطر الحقيقي ليس في اختفاء الإبداع، بل في تحوله إلى وفرة فائضة  تجعل الأعمال البشرية التقليدية مغمورة وسط كم هائل من المحتوى الآلي. هنا، كيف يميز المتلقي بين الفن المعاش والفن المولّد؟ وكيف يعيد الفنان البشري تعريف نفسه في هذا السياق؟
 
الإبداع الإنساني لن يختفي، لكنه سيتحول من كونه عملية حِرَفية إلى عملية تركز على الرؤية، المعنى، والسردية الثقافية. الشعراء سيكتبون بالتعاون مع النماذج اللغوية، الرسامون سيستخدمون الخوارزميات كفرشاة فنية، الموسيقيون سيؤلفون مع الذكاء الاصطناعي كما يعزفون مع أوركسترا. هذه ليست نهاية الإبداع، بل بداية عصر الإبداع التشاركي، حيث يولد فن جديد يعكس وحدة الإنسان والآلة.
 
رووداو: هل سيعتمد الانسان تماما بانجاز بحوثه وعمله على الذكاء الاصطناعي؟

تحسين الشيخلي: اعتقد إن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في البحوث والعمل ليس فقط غير واقعي في الوقت الراهن، بل هو أيضًا غير مرغوب من الناحية العلمية والفلسفية. الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قوته، يظل أداة ذات قدرات استثنائية، لكنه لا يمتلك وعي أو فهم للسياق الثقافي والمعرفي الذي يتحرك فيه الإنسان.
 
من الناحية العملية، تشير الأبحاث الحديثة الصادرة الى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصر جوهري في دعم البحث العلمي وتحليل البيانات، لكنه لا يحل محل الباحث البشري. على سبيل المثال، تستخدم النماذج المتقدمة في اكتشاف الأدوية وتصميم الجزيئات الكيميائية عبر فحص مليارات الاحتمالات بسرعة خارقة، لكن القرارات النهائية ما تزال تعتمد على خبرة العلماء، وفهمهم للعوامل البيولوجية والأخلاقية والتطبيقية التي لا تستطيع الخوارزميات وحدها استيعابها.
 
في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، يزداد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص الضخمة، ورسم الأنماط الثقافية واللغوية، ومع ذلك تظل التأويلات الفلسفية والنقدية والتاريخية خارج نطاق ما يمكن أن يفهمه الذكاء الاصطناعي، لأنه يعمل في إطار إحصائي لا يتضمن خبرة الوعي البشري أو الأبعاد الرمزية للمعرفة.
 
إضافة إلى ذلك، تحذر العديد من التقاريرمن خطر الانجراف إلى الاعتمادية الكاملة، أي ميل الأفراد إلى قبول مخرجات الذكاء الاصطناعي دون تمحيص، مما يقلل من مهارات التفكير النقدي لديهم بمرور الوقت. هذا يعني أن الاعتماد الكامل قد يؤدي إلى تآكل القدرات الذهنية للبشر أنفسهم، وتحويلهم إلى مستهلكين للمعرفة بدل أن يكونوا منتجين لها.
 
لكن في المقابل، هناك وجه إيجابي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحوث والعمل، فهو قادر على إزالة العبء الروتيني عن الباحثين والمهنيين، مثل تنقية البيانات، إعداد المسودات الأولية، توليد الفرضيات المبدئية، أو حتى المساعدة في كتابة الأكواد البرمجية، مما يتيح للإنسان التفرغ للتفكير الاستراتيجي والإبداعي. 
 
إذن، الموضوع هل سيعتمد الانسان ام كيف سيوازن بين الاعتماد والاستقلال؟ الذكاء الاصطناعي سيكون بمثابة مسرّع معرفي ، وليس بديل عن العقل البشري. هذا المزيج من القوة الحسابية للآلة والرؤية النقدية للإنسان هو ما سيؤسس لمرحلة جديدة من الإنتاج المعرفي، حيث يظل الذكاء الاصطناعي مساعد فائق، بينما يحتفظ الإنسان بالدور المركزي في التوجيه، التقييم، وصناعة المعنى.
 
رووداو : باعتبارك استاذ (بروفيسور) اكاديمي هل تخشى منافسة الذكاء الاصطناعي لك؟

تحسين الشيخلي: كأستاذ أكاديمي، لا أرى الذكاء الاصطناعي كمنافس شخصي لي، بل أراه أداة قوية ومكملة يمكن أن توسع نطاق عملي وتسرع نتائجه، لكن دون أن تلغي جوهر الدور الذي يقوم به الأستاذ الجامعي في إنتاج المعرفة، وتوجيه التفكير النقدي، وتشكيل الأجيال القادمة.
 
الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على إنجاز مهام عديدة بسرعة فائقة، تلخيص الأبحاث، توليد مقترحات بحثية، تحليل البيانات الضخمة، وحتى صياغة نصوص تعليمية متقدمة. ومع ذلك، التعليم الأكاديمي ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية معقدة تتضمن بناء التفكير النقدي، التحفيز الإبداعي، الحوار الفلسفي، وتشكيل القيم العلمية والأخلاقية لدى الطلاب. هذه الأبعاد الوجدانية والإنسانية لا يمكن للذكاء الاصطناعي  مهما بلغ تطوره  أن يحاكيها.
 
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي  يمكنها بالفعل أن تقدم محاكاة سطحية لمهام التدريس، لكنها تعجز عن التعامل مع التفاعلات الارتجالية والتوجيه الشخصي الذي يتطلب فهم للسياق الاجتماعي والثقافي والنفسي للطلاب. بعبارة أخرى، الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يجيب عن سؤال أكاديمي، لكنه لا يستطيع أن يطرح السؤال الصحيح الذي يدفع الطالب لاكتشاف ذاته وحدوده المعرفية.
 
أما في الجانب البحثي، فالدور الأكاديمي يتجاوز مجرد إنتاج النصوص العلمية. الأبحاث تتطلب صياغة مشكلات جديدة، فهم فجوات المعرفة، بناء فرضيات، تقييم النتائج ضمن سياق فلسفي وأخلاقي، وهذه جميعها عمليات عقلية معقدة متجذرة في التجربة الإنسانية لا يمكن اختزالها في قدرات إحصائية أو حسابية. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يعزز قدرتي كباحث في الوصول إلى معلومات أعمق وتحليل بيانات أعقد، لكنه لا يستبدل حدسي العلمي أو رؤيتي الفلسفية.
 
في الواقع، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يدفعنا كأساتذة أكاديميين إلى إعادة تعريف أدوارنا،لم نعد مجرد ناقلين للمعلومة، بل أصبحنا مهندسي معرفة وموجهين لطرق استخدامها، وقادة لفهم أعمق لأبعادها الفلسفية والاجتماعية. هذا التحول يفرض علينا أن نتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا أن نخشاها، وأن ندمجها في التعليم والبحث كجزء من بيئة معرفية جديدة.
 
إذا اعتبرنا أن الذكاء الاصطناعي ينافسنا، فإن ذلك يعكس نظرة ضيقة للصراع بين الإنسان والآلة. أما إذا رأينا فيه امتداد لقدراتنا البشرية، فإنه يصبح قوة تحريرية تتيح لنا التركيز على المهام الفكرية العليا التي لا يمكن للأتمتة أن تبلغها. يعني ان الذكاء الاصطناعي قد يهدد الأكاديمي الذي يكتفي بإعادة إنتاج المألوف، لكنه يمنح قيمة مضاعفة للأستاذ الذي يسعى إلى الإبداع، التوجيه، وصناعة المعنى في عصر يتغير بسرعة مذهلة.
 
رووداو: هل تعتقد ان تطبيقات الذكاء الصطناعي سوف تطور من الحياة العملية والعلمية في العراق؟

تحسين الشيخلي: بلا شك، أعتقد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمتلك القدرة على إحداث نقلة نوعية في الحياة العملية والعلمية في العراق، شريطة أن يتم تبنيها بشكل استراتيجي ومدروس. الذكاء الاصطناعي اليوم أصبح ركيزة أساسية لنهضة الاقتصادات الحديثة وتحويل المجتمعات نحو أنماط أكثر كفاءة وابتكار.
 
في الحياة العملية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم بشكل كبير في تطوير البنية التحتية للخدمات الحكومية عبر أتمتة المعاملات وتقليل الفساد البيروقراطي من خلال أنظمة إدارة ذكية وشفافة. الدول التي اعتمدت أنظمة ذكاء اصطناعي في إدارة البيانات الحكومية شهدت انخفاض ملحوظ في الفساد وزيادة في كفاءة الخدمات بنسبة تصل إلى 30%. العراق يمكنه أن يستفيد من هذه التجارب لإطلاق منصات حكومية ذكية تربط المواطن مباشرة بالخدمات، مما يقلل من الاحتكاك البشري ويزيد الثقة في مؤسسات الدولة.
 
أما في المجال العلمي والأكاديمي، فإن العراق يمتلك قاعدة بشرية من الباحثين والطلبة يمكن أن تزدهر إذا أُتيح لها الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. استخدام تقنيات مثل تحليل البيانات الضخمة والنماذج التنبؤية يمكن أن يعزز البحث العلمي، خاصة في مجالات حيوية مثل الطاقة، الزراعة، الطب، والآثار. على سبيل المثال، استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأقمار الصناعية يمكن أن يساعد في إدارة الموارد المائية والزراعية بكفاءة أكبر، وهو أمر حاسم في ظل التحديات البيئية التي يواجهها العراق.
 
إضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل سوق العمل العراقي عبر خلق فرص جديدة في مجالات مثل تطوير البرمجيات، تحليل البيانات، والصناعات الإبداعية الرقمية، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالعمل عن بُعد. هذا التحول قد يكون مفتاح لاحتواء البطالة بين الشباب إذا تزامن مع برامج تدريبية متقدمة لتأهيلهم لاستخدام هذه الأدوات.
 
لكن، لا يمكن تجاهل التحديات التي ستواجه العراق في هذا المسار. غياب البنية التحتية الرقمية الكافية، وضعف الاستثمار في البحث والتطوير، وقلة التشريعات التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، قد تعيق هذا التطور ما لم توضع استراتيجية وطنية واضحة. هنا تبرز الحاجة إلى سياسات حكومية تدعم التعليم الرقمي، وتعزز الشراكات مع الجامعات العالمية وشركات التكنولوجيا الكبرى لنقل المعرفة وتوطينها.
 
من وجهة نظري، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العراق ليست مجرد فرصة لتحسين الخدمات أو رفع الكفاءة، بل هي فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس حديثة. إذا أحسنّا استغلال هذه المرحلة، يمكن أن يتحول العراق من متلقٍ للتكنولوجيا إلى مشارك فعال في إنتاجها، خصوصًا مع وجود طاقات شبابية هائلة قادرة على التكيف مع هذه الثورة المعرفية.
 
رووداو: انتم من المشجعين بقوة لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فهل تنصح بان يتم ذلك تحت مراقبة مشددة ام ان يترك الموضوع على سجيته؟

تحسين الشيخلي: أرى أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي يجب أن يتم ضمن إطار منظم وتحت رقابة ذكية ومتوازنة، وليس أن يُترك على سجيته بلا ضوابط، ولا أن يقيد بقيود خانقة تعيق الابتكار. السبب في ذلك أن الذكاء الاصطناعي يشبه الطاقة النووية، قوة هائلة يمكن أن تكون بنّاءة إذا استخدمت بحكمة، لكنها قد تكون مدمرة إذا تركت دون تنظيم
.
التاريخ يعطينا أمثلة واضحة على أهمية التوازن بين الابتكار والتنظيم. ففي تقرير عن حوكمة الذكاء الاصطناعي صدر عن الاتحاد الاوربي، أوصى بما يسمى التنظيم التكيفي، وهو نموذج يتيح تطوير التطبيقات بحرية مع فرض معايير واضحة للأمان، حماية الخصوصية، ومنع الاستخدامات المسيئة. هذا يختلف عن الرقابة المشددة التي قد تخنق الأفكار الجديدة، أو عن الانفلات الذي يفتح الباب أمام الفوضى التقنية.
 
هذا النموذج مرن لأنه يميز بين الاستخدامات، بدل فرض رقابة عامة تعيق كل شيء. من المهم أيضًا أن تكون هناك هيئات مستقلة متخصصة تضم خبراء في التقنية، القانون، والأخلاقيات لمتابعة تطور الذكاء الاصطناعي، بدل ترك الموضوع بالكامل بيد الحكومات أو الشركات التقنية الكبرى.
 
أما في سياقنا العربي والعراقي، فإنني أنصح بإنشاء مجلس وطني للذكاء الاصطناعي تكون مهمته وضع إطار قانوني مرن يواكب التطورات التقنية دون تأخير.ومراقبة التطبيقات عالية المخاطر خصوصًا في الأمن، الصحة، والبيانات الشخصية.كما يدعم الابتكار عبر حاضنات وشراكات مع الجامعات والشركات الناشئة، لتجنب تحويل الرقابة إلى أداة لقتل الإبداع.وإشراك المجتمع المدني لضمان الشفافية ومنع احتكار الذكاء الاصطناعي من قبل جهات محدودة.إذن، المطلوب ليس تركه على سجيته ولا تقييده بالحديد، بل حوكمة ذكية مرنة تتيح التطوير والإبداع، وتحمي المجتمع من التجاوزات. وهذا ما تنادي به أحدث الدراسات في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
 
رووداو : ما هي مجالات تطبيقات الذكاء الاصطناعي حتى اليوم في العراق؟

تحسين الشيخلي: حتى اليوم، لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في العراق في مراحله الأولية مقارنة بالدول المتقدمة، لكنه بدأ يشق طريقه في عدد من القطاعات الحيوية، مستفيد من البنية التكنولوجية المتنامية وتزايد الوعي بأهميته في دعم التنمية.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

محمد عيسى - كمال أتروشي

مستشار لرئيس حكومة إقليم كوردستان: أسعار النفط ستستقر لعامين ولا فائدة لسوق العراق من أحداث فنزويلا

قال المستشار الحالي لرئيس وزراء إقليم كوردستان لشؤون الطاقة ووزير الثروات الطبيعية السابق في إقليم كوردستان، كمال أتروشي، إن أسعار النفط العالمية مرشحة للاستقرار (عند حدود 60 دولاراً للبرميل) خلال العامين 2026-2027، مؤكداً في الوقت ذاته أنه "لا فائدة لسوق العراق من أحداث فنزويلا"، فيما يتعلق بارتفاع الأسعار.