السفير الروسي لرووداو: إقليم كوردستان بثرواته الطبيعية ووضعه الداخلي له مستقبل اقتصادي واعد

05-11-2025
الكلمات الدالة العراق روسيا اقليم كوردستان أوكرانيا
A+ A-
رووداو ديجيتال

رأى السفير الروسي في العراق ألبروس كوتراشيف أن إقليم كوردستان بثرواته الطبيعية ووضعه الداخلي له مستقبل اقتصادي واعد، مشيراً إلى أنه يجب تشجيع الشركات الروسية على العمل في إقليم كوردستان.
 
جاء ذلك في مقابلة للسفير الروسي ألبروس كوتراشيف، مع شبكة رووداو الإعلامية، أجرتها معه شهيان تحسين، تطرق فيها الى عدة ملفات سياسية واقتصادية وما يحدث في المنطقة ورأي روسيا بها، فضلاً عن علاقات روسيا مع إقليم كوردستان والعراق.
 
وأدناه نص المقابلة:

رووداو: السيد كوتراشيف، أريد أن أعرف في البداية، قبل مجيئكم إلى كوردستان والعراق، أتحدث عن فترة ما قبل عشرين إلى اثنين وعشرين عاماً، ربما أكثر، ما الفكرة التي كانت لديكم عن هذه المنطقة؟ 

ألبروس كوتراشيف: بطبيعة الحال، كانت لدي فكرة، لكنها كانت فكرة نظرية. أنا عملت في بغداد كملحق، وبعد ذلك سكرتير ثالث، من عام 1999 إلى 2002. طبعاً، في تلك الظروف، لم تكن هناك أدنى فرصة لزيارة كوردستان. فأول مرة زرت كوردستان كانت بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2004 على ما أعتقد.
 
رووداو: كيف كان تصوركم عن الكورد وكوردستان؟ وعندما أتيت، ماذا رأيت؟

ألبروس كوتراشيف: الشعب الكوردي ليس شعباً غريباً. نحن نعرفه جيداً، لدينا باحثون كثر في القضية الكوردية، وكثير منهم من أصل كوردي. توجد جالية كوردية كبيرة في روسيا، وخاصة في زمن الاتحاد السوفيتي كانت أكبر، لكن حتى الآن في روسيا الاتحادية، في موسكو وسانت بطرسبرغ، ومنطقة كراسنودار وغيرها من المناطق، يوجد الكورد كمواطنين روس كجزء من المجتمع الروسي.
 
رووداو: هل تعرف ما عددهم؟

ألبروس كوتراشيف: عندنا في روسيا 300 لغة، لكنْ أعتذرن فليس لديّ عدد معين، وبالتاكيد هو موجود في الإنترنيت. لكن أريد أن أقول هنا إنه خلال عملي في الخارجية الروسية، التقيت في إطار عملي مع ما لا يقل عن ثلاثة كورد من أصل روسي، وبالمناسبة، كلهم كانوا من الإيزديين. لا أعرف ما سبب الجاذبية الخاصة للخارجية الروسية للإيزديين، لكنهم كانوا شباناً جيدين. أحدهم كان في الشرطة الخاصة بحماية الوزارة، والثاني كان مدرباً لنا في الفنون القتالية بقسم الرياضة في الوزارة، والثالث كان يعمل حتى وقت قريب كدبلوماسي. وربما عددهم أكبر، لكن هؤلاء من أعرفهم.
 
رووداو: هل للكورد دور واضح في الحصول على عمل وإدارة العمل وتسنُّم المناصب؟

ألبروس كوتراشيف: طبعاً، الشعب الكوردي معروف بطاقاته وطموحاته وانتشاره عالمياً، فلا أستغرب أبداً. روسيا بلد تُحترم فيه حقوق الأقليات بشكل جيد، والفرص متساوية للجميع في العمل والترقية. وبطبيعة الحال، موسكو، كأي عاصمة في دولة كبيرة، توجد فيها أقليات بأعداد كبيرة، حتى أنهم أحياناً لا يبدون كأقليات.
 
رووداو: حضرة السفير، لغتك العربية جيدة جداً، هذا لا يعني أني أقيّمك، لكن لغتك العربية جيدة جداً، ولغتك الإنكليزية جيدة جداً أيضاً. أريد أن أعرف إن كنت تعلمت اللغة الكوردية.

ألبروس كوتراشيف: بصراحة، أشكركم على هذا التقييم. لغتي العربية متواضعة. اللغة من الأشياء التي تحتاج إلى ممارسة مستمرة. أول أحرف عربية تعلمتها كانت في عام 1992، ونحن الآن في عام 2025، فقد حان الوقت لأتحدث بشكل أفضل قليلاً مما كان في السابق. فيما يخص اللغة الكوردية، طبعاً لو بدأت تعلمها في الجامعة لكان وضعي أسهل، لكن لم تكن لدي هذه الفرصة. أنا مقيم في بغداد وأتردد بزيارات إلى كوردستان، وطبعاً أعتذر لأنني لم أتعلم الكثير غير "زور سباس". بالمناسبة، كلمة "سباس" شبيهة بكلمة نستخدمها في اللغة الروسية، نحن نقول "سباسيبا" شكراً. 
 
رووداو: ما المفردة الأُخرى التي تعرفها، لأن بعض اللغويين يقولون إن بين اللغتين الكوردية والروسية أكثر من 300 كلمة مشتركة. هل تعرف كلمة أُخرى مشتركة بينهما؟

ألبروس كوتراشيف: بصراحة، أنا لا أستغرب من وجود 300 كلمة مشتركة، بل أستغرب أنها 300 فقط، كنت أعتقد أنها أكثر. خاصة في الزمن الذي نعيش فيه الآن، أصبحت كل اللغات متقاربة، وهناك تبادل بين الشعوب والبلدان، ليس تجارياً فقط، بل بالكلام كذلك. للأسف، لم يكن لدي مجال لتعلم اللغة الكوردية، فإذا أتيحت لي الفرصة، بالتأكيد سأتعلمها. لقد أصبح لدي علاقة خاصة تجاه الإقليم وتجاه الأصدقاء الكورد، وهذه العلاقة بدأت منذ عام 2003، عندما تعرفت في بغداد إلى مسؤولين كورد وممثلي الأحزاب الكوردية. تواصلت غالباً مع الاتحاد الوطني والاتحاد الإسلامي الكوردستاني. كان ذلك من باب الصدفة، لأنه في تلك الفترة، زمن الاحتلال، كان الوضع فوضوياً جداً، لم يكن الإنترنت يعمل بشكل طبيعي ولا الهواتف. وفي عملي الدبلوماسي، كان عليّ أن أركب السيارة وأتجول في شوارع بغداد بحثاً عن لافتات الأحزاب. وهكذا، بالصدفة، دخلت مقر الاتحاد الوطني والاتحاد الإسلامي، وزميلي أليكسي سلاماتين دخل مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي كان رئيس مكتبه هوشيار زيباري. هكذا حدث انفتاحنا على القوى الكوردية. بعد مرور سنة، ذهبنا كوفد رسمي إلى كل من أربيل والسليمانية، وهكذا انطلق تبادل الزيارات. ربما لم يزورونا كثيراً في بغداد، لكننا ترددنا بزيارات إلى كوردستان. 
 
رووداو: ألا تزال تلك العلاقات الجيدة حتى الآن؟

ألبروس كوتراشيف: هذه العلاقات ليست فقط مستمرة، بل أعتقد أنها في حالة صعود مستمر. فإذا كانت في البداية علاقات سياسية وصداقة، فالآن أصبحت صداقة أكثر منها سياسية. 
 
رووداو: أنتم - روسيا - دائماً تقولون لا نتعامل مع الدول، لكننا نتعامل مع القوميات، والكورد بصفتهم قومية رئيسة في المنطقة،  ألا ترون أن هناك ابتعاداً بين روسيا والكورد، في إقليم كوردستان خاصة؟

ألبروس كوتراشيف: لم يكن هناك أي ابتعاد أبداً. أولاً، نحن لسنا في حالة منافسة مع أي دولة، وننظر بكل هدوء، بل ورحب، إذا كانت دولة ما لها نشاط أكثر من نشاطنا في كوردستان العراق. المهم أن يكون هذا النشاط لصالح الإقليم وفي مصلحة شعبه. نحن مرتاحون لوضعنا وعلاقاتنا في كوردستان. أستغرب من كلمة "ابتعاد". لقد افتتحنا القنصلية منذ زمن طويل، في عام 2007، وحتى الآن نشاطها معروف وعلاقاتنا طيبة مع كل القوى السياسية في الإقليم، بالإضافة إلى نشاط اقتصادي كبير، فاستثمارات روسيا في النفط والغاز في كوردستان بالبلايين، لا ملايين الدولارات.
 
رووداو: سنتحدث عن المسائل الاقتصادية، لكن على سبيل المثال، لماذا لم يحدث لقاء بين رئيس روسيا فلاديمير بوتين ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني؟ هل هناك خطة؟ وهل تنظمون لأمر كهذا؟

ألبروس كوتراشيف: في ما يتعلق بعدم عقد هذا اللقاء يجب أن نستفسر من السيد الرئيس، لماذا لم يتم مثل هذا اللقاء. ربما هو مشغول بقضايا مثل أوكرانيا، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وموضوع الحرب والسلام، وموضوع بقاء الإنسانية على كوكب الأرض، لأن التطورات الحالية التي تدفع بها الدول الغربية التي تقف ضدنا، تدفع العالم بغباء نحو حرب عالمية ثالثة. هذا الشيء يقلقنا. أما في ما يخص مستوى زيارات السيد بوتين، فقد أصبح في الآونة الأخيرة لا يسافر إلى الخارج إلا في الحالات الضرورية. في هذا الصدد، أبواب موسكو مفتوحة أمام الأصدقاء من كل العالم، بما في ذلك العراق بشكل عام وإقليم كوردستان بشكل خاص. صدقيني أن الأصدقاء في كل من أربيل والسليمانية يعلمون هذا الشيء، وقاموا بأكثر من زيارة على مستويات مختلفة. ليست لدينا أي أجندات تمنع القيام بتبادل الزيارات والتفاوض والتعاون بكل الأشكال مع إقليم كوردستان، لا أجندات سياسية ولا غيرها.
 
رووداو: تحدثت عن المسألة الاقتصادية، وتصدير نفط إقليم كوردستان، حيث بدأ عن طريق تركيا، أريد أن أعرف كيف تنظر روسيا إلى هذا الموضوع؟

ألبروس كوتراشيف: بطبيعة الحال، نحن نرحب مبدئياً بكل الحلول التي يتم التوصل إليها بالطريقة الدبلوماسية والتفاوضية، خاصة إذا كان الموضوع قيد النقاش بين أبناء بلد واحد. هذا بشكل عام. أما بشكل خاص، فطبعاً كانت لدينا مصلحة في استئناف هذا التصدير لأن شركاتنا تعمل في كوردستان ولها استثمارات هائلة. هذه الشركات، مثل شركات أخرى، عانت هذه المشاكل، خاصة وقف التصدير وعدم استئنافه. وبطبيعة الحال، نرحب ترحيباً حاراً ونريد مواصلة العمل في هذا المجال. الفرق بين روسيا والدول الأخرى هو أننا منذ البداية اعتبرنا هذا الشأن داخلياً عراقياً، ولم نسمح لأنفسنا بالتدخل فيه. أنا كسفير، تناولت هذا الموضوع أكثر من مرة خلال لقاءاتي في بغداد وأربيل والسليمانية مع المسؤولين، وقدمت موقفاً داعماً لإعادة تصدير النفط، لكن لم يكن لدينا موقف لتسويقه علنياً كما فعلت بعض الدول. هذا الموضوع كان حساساً وداخلياً، ونحن قدر المستطاع ساهمنا في إيجاد الحل. لا أقول إننا لعبنا دوراً كبيراً أو أكبر من آخرين، لكن هذا الموضوع كان في مركز اهتمامنا منذ بداية المشكلة.
 
رووداو: أتعرفون كم شركةً روسية وبكم مبلغاً تضررتْ، خلال مدة توقف تصدير النفط؟  

ألبروس كوتراشيف: الشركات تدعي أنها خسرت مئات الملايين، البلايين، لكنهم لا يقولون الحقيقة. بطبيعة الحال، قد تكون هناك مبالغة في هذا الموضوع، وربما لا. لست مسؤولاً عن معرفة خسائرهم. التعامل مع شركاتنا مبني على أنه إذا أرادوا شيئاً مني، فأنا في خدمتهم بصفتي سفير روسيا الاتحادية، لكن إذا لم يريدوا مني شيئاً، فأنا بصراحة لا أعرف كثيراً عن عملهم، خاصة في ما يخص المال والنفقات والأرباح. فأي رجل أعمال، خاصة من يملك أموالاً كبيرة، إذا سألته عن وضعه فسيقول إنه مسكين ولا يملك شيئاً.
 
رووداو: هل تسبب فرض عقوبات أميركا والدول الغربية، بعرقلة لعمل الشركات الروسية الموجودة في إقليم كوردستان والعراق؟

ألبروس كوتراشيف: بخصوص العقوبات، هي شيء سيء. نعتبر العقوبات غير شرعية. العقوبات الشرعية لا يمكن أن يفرضها إلا مجلس الأمن الدولي بقرار منه. أما العقوبات خارج قرار مجلس الأمن، فهي عقوبات أحادية الجانب، غير شرعية، فعلاً من ناحية الشرعية الدولية، لأنها أسلوب لمعاقبة التجارة الحرة والتعامل الحر وأسلوب غير شرعي للضغط على الدول. لكن ما حدث مع عواقب هذه العقوبات المفروضة على روسيا، أولاً، نفتخر بأن نقول إن روسيا الاتحادية تحتل المرتبة الأولى عالمياً من ناحية حجم العقوبات المفروضة عليها، فهي أكثر من العقوبات المفروضة على إيران أو كوريا الشمالية أو كوبا أو غيرها من الدول. لدينا تجربة كبيرة في هذا الموضوع. تبين أولاً أن العقوبات غير ناجحة، لأنها أضرت بمن فرضها، فأوروبا أصبحت أول ضحية لها، ووضْعُ اقتصادها المتعب دليل واضح على ذلك، وكذلك المشاكل التي حدثت لاقتصاد الوايات المتحدة. نحن بطبيعة الحال عانينا من هذه العقوبات، لكننا استغربنا أن تأثيرها الحقيقي كان أقل بكثير من التوقعات. في البداية، عندما بدأت حرب العقوبات ضد روسيا، كانت معنوياتنا غير مستقرة، وكان هناك خوف، خاصة في أوساط رجال الأعمال، لكن بعد ذلك تبين أن الوضع ليس سيئاً جداً ويمكن تجاوز هذه العقوبات. والمهم أن هناك رغبة عالمية لتجاوزها. أما في ما يخص العراق، فالعقوبات التي فُرضت على الشركات الروسية تعرقل نشاطها، لكن لننظر إلى واقع الأمر: استثمارات شركة "لوك أويل" في العراق تتجاوز 11 مليار دولار، وهذا جزء مهم من القدرات الصناعية العراقية. فإذا فُرضت عقوبات على "لوك أويل" من قبل الأميركيين، هل سيرد العراق بالقول "لا نستطيع التعامل مع هذه الاستثمارات"؟ أم سيقول "يجب الحفاظ على هذه الـ 11 مليار دولار"؟ بل هي ليست مجرد 11 مليار دولار مجمدة، بل رقم قابل للزيادة. فهناك مفاوضات بين جهات عراقية وروسية لفتح مشاريع جديدة باستثمار روسي. إذاً، هذه العقوبات خطوة غير منطقية وغير عقلانية، لا تأخذ بعين الاعتبار لا وضع روسيا ولا وضع شركائها في العالم، ولذلك مصيرها الفشل.
 
رووداو: ألا تزال شركة لوك أويل وغاز بروم تعمل أم لا؟

ألبروس كوتراشيف: شركات "غازبروم" و"روسنفت" و"تي بي سي" لنا فيها 60% من الأسهم، كلها تعمل في كوردستان. طبعاً لا أقدر أن أقول إن وضعهم ممتاز، لأن كوردستان بوضعها الحالي ليست دُبي، فوضعها الاقتصادي معقد نتيجة أحداث معروفة لكم جيداً. لكن الشركات ما زالت موجودة، ورغم الصعوبات، ستستمر في عملها لأنها في نهاية المطاف استثمرت مئات الملايين من الدولارات في مشاريع. هذه الاستثمارات لا يمكن سحبها ونقلها إلى مكان آخر. هذا الرأسمال تم وضعه في الأرض. هي استثمارات مهمة جداً، بالإضافة إلى أن قطاع الأعمال يجب أن ينظر إلى ما بعد اليوم، إلى الغد، مهما كانت المشاكل. من هذه الناحية، نحن نعتقد أن الإقليم بثرواته الطبيعية ووضعه الداخلي له مستقبل اقتصادي واعد، ويجب أن نشجع شركاتنا على العمل.
 
رووداو: ما عدا النفط والغاز، في أي قِطاع تريدون أن تعملوا؟ والاستثمار في أي مكان آخر من كوردستان؟

ألبروس كوتراشيف: بصراحة، هذا السؤال يوجه لرجال الأعمال. لو كنت قوياً في مجال الأعمال، لما كنت سفيراً، بل كنت مديراً في إحدى الشركات. 
 
رووداو: رجال الأعمال يأتون إليكم، بصفتكم ممثلين لبلدهم، من روسا إلى العراق، هم يطلبون العمل في أي قِطاع، أو العراق يطلب منهم العمل في أي قِطاع للاستثمار؟ أقصد، أي مجال آخر يمكن أن يعملوا فيه؟ 

ألبروس كوتراشيف: بالنسبة لنا، الاقتصاد العراقي ليس شيئاً غريباً ونعرفه جيداً، ولدينا تجربة منذ زمن الاتحاد السوفيتي في أكثر من مجال، خاصة الطاقة الكهربائية والمياه والصناعة. لأسباب معروفة، كاحتلال الكويت والحصار المفروض على العراق، ثم احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها والفوضى التي تبعته، ثم حرب الشعب العراقي على "داعش"، كل هذه الأحداث لم تسمح بالعودة السريعة إلى تلك المجالات التي كنا حاضرين فيها. ثانياً، هناك ما أسميه "قوانين بيولوجية"؛ فالذين عملوا في العراق من السوفييت والروس في الستينيات والسبعينيات، بعضهم على قيد الحياة وبعضهم لا، لكنهم بالتأكيد لا يعملون الآن. بسبب المشاكل التي بدأت في التسعينيات حتى الآن، رحل الجيل القديم الذي يملك خبرة في العراق، والجيل الجديد الحالي ليس لديه خبرة، فحدثت هذه الفجوة بين الأجيال. هذا شيء يمكن تجاوزه لأن هناك قبولاً لروسيا في العراق حتى من الناحية المعنوية. عندما نقول كلمة "العراق"، يشعر بعضهم بالخوف، لكن بالنسبة للروس، الموقف العام تجاه العراق إيجابي جداً، لأننا نتذكر زمن التعاون بيننا، وبشكل عام، لم يصدر من العراق شيء ضد روسيا معروف لدى الناس. نحن نشجع شركاتنا على المجيء إلى العراق والعمل في مجالات مختلفة وعدم الاقتصار على النفط والغاز. لكن هناك مشاكل وحواجز يجب تجاوزها. بعض هذه الحواجز لا تخص العراق، مثل مشكلة العقوبات. فأي رجل أعمال روسي يتعامل مع العراق، سؤاله الأول هو كيف يدفع الأموال أو يحصل عليها. لكن يمكن إيجاد حل لهذا الموضوع، فالنظام المالي العالمي من المستحيل أن تسيطر عليه الولايات المتحدة أو حلفاؤها. الموضوع الثاني، وأنا أتحدث معكم بصراحة كصديق للعراق، هو أن جذب المستثمرين يحتاج إلى بذل بعض الجهود وتشكيل آلية معينة. لا يمكن لأي شخص غريب أن يأتي إلى العراق ويستثمر وينجح بسهولة، وأنتم تعرفون الأسباب. لهذا البلد خصوصياته. لكن كلامي ليس انتقاداً أبداً، فلدينا في روسيا تقريباً نفس الحالة. روسيا الاتحادية دولة كبيرة جداً، وأجواء الاستثمار تختلف من منطقة إلى أخرى. لدينا بعض المناطق الروسية التي أجواء الاستثمار فيها أسوأ بكثير من العراق. لذلك، كلامي ليس انتقاداً، بل نصيحة.
 
رووداو: تحدثت عن التعاون بين العراق وروسيا، وتحدثت عن الحرب ضد داعش أيضاً. في أثناء الحرب على روسيا، كيف تواصل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، حينها، مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. هل يمكنك أن تخبرني عن دور روسيا، في ذلك الوقت، في مجال مساعدة العراق؟

ألبروس كوتراشيف: هذا موضوع يمكن تصوير أفلام ومسلسلات عنه. حتى نحن الذين كنا شهود عيان على تلك الأحداث، إذا عدنا 11 سنة إلى الوراء، نستغرب كيف تطورت الأحداث بهذا الشكل. هذا ما قاله لي أصدقائي العراقيون، عندما اندلعت الحرب مع "داعش" وأصبح التنظيم يهدد بغداد، تبين أنه لا الأميركيون ولا حلفاؤهم يريدون مساعدة العراق بطريقة مادية. كما قال رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أكثر من مرة، رفضوا إعطاءنا حتى طلقة واحدة. سبب ذلك صعب التعليق عليه. رأيي أن "داعش" كظاهرة هو صناعة أميركية، وربما ليس كل الأميركيين يعرفون هذا الشيء، لكنني أعرف أسلوبهم ولا أستغرب مثل هذا العمل من قبلهم. هذا يفسر عدم رغبتهم في قتال "داعش" في بداية الأحداث، أو ربما كان قتالاً مشروطاً. ربما فكروا، وهذا تفكير قصير النظر كالعادة، أن "داعش" هو أسلوب ضغط على حكومة مؤيدة لإيران في بغداد. كان الوضع هكذا، فتوجه نوري المالكي إلى الرئيس بوتين بشكل مباشر وطلب منه المساعدة، وكان قرار الرئيس بوتين سريعاً جداً. قال إنه ليس لدينا وقت لصناعة طائرات حربية لكم، وليس لدينا احتياطي منها، لذلك سنأخذ طائرات موجودة حالياً في جيشنا ونرسلها لكم. وفعلاً أرسلها. وصلت الطائرات الروسية إلى الأجواء العراقية قبل توقيع العقد، وكان الطيارون عراقيين. وصلت في البداية 5 أو 6 طائرات، لم يكن العدد كبيراً، لكن المهم أنها جاءت وغيرت معنويات الطرفين: الطرف الداعشي والطرف العراقي. المقاتل العراقي شعر أنه ليس وحده، وأن الطائرات جاءت من روسيا وتقصف مواقع "داعش". أما "داعش" فأدرك أن العراقي ليس وحيداً في قتاله وأن لديه أصدقاء وحلفاء.
 
رووداو: هذا كان في أي يوم، في أي شهر، وكم يوماً استمر القصف؟

ألبروس كوتراشيف: في تلك الفترة، كنت في سوريا وكان الوضع لدينا معقداً جداً ومتوتراً. طبعاً، كنا من دمشق نراقب الأوضاع في كل المنطقة وعلى رأسها العراق. لكن صدقيني، في تلك الفترة كانت أفكاري تدور حول: هل سأستطيع، لا سمح الله، إذا دخلت جماعة إرهابية إلى دمشق، أن أجمع أغراضي وأرحل؟ أم سأرحل بدون أغراضي؟ أم ربما يقتلونني؟ وإذا أسروني، كنت أفكر: ليقتلونني بسرعة بدون تعذيب. كانت هذه أفكاري، ولذلك أعتذر عن عدم معرفتي بتفاصيل الحرب على "داعش" في العراق. لكنها كانت حربنا المشتركة على أي حال. مساهمة روسيا في سوريا كانت أكبر بكثير من مساهمتها في العراق، حيث كان الدور الرئيس للجيش العراقي والحشد الشعبي وما يسمى بالتحالف الدولي، لكن مساهمتنا كانت موجودة أيضاً، وفي جزء حساس جداً من هذه الأحداث أدينا دوراً كبيراً.
 
رووداو: في إطار التحالف الدولي الغربي، أين كانت روسيا؟ 

ألبروس كوتراشيف: نحن لم نكن جزءاً من ذلك التحالف لأنهم لم يدعونا إليه. كما تعرفين، كانت تلك فترة اختلفت فيها مواقفنا تماماً، وأقولها بكلمة دبلوماسية، حول الأحداث في سوريا وحتى حول موضوع "داعش". فتاريخ "داعش" غريب جداً، وهناك اعترافات أميركية بأنهم صنّاعه، فلا أستغرب أن الأميركيين لم يكونوا يريدون أي تنسيق مع روسيا. لكن أقول لكم بكل مسؤولية، وهذا انطباعي القوي، لولا انتصارات روسيا في سوريا على "داعش" والجماعات الإرهابية، وأقصد انتصاراتنا المشتركة: روسيا، سوريا، القوات الرديفة من إيران ولبنان ودول أخرى، لولا انتصارنا معاً على الإرهاب في سوريا، لما تحرك الأميركيون. لقد شجعهم ذلك على أن يعملوا شيئاً، لأنه لولا ذلك لكانت كل الانتصارات روسية. أليست هذه مساهمة روسية إضافية في الانتصار على الإرهاب في العراق؟.
 
رووداو: ما أود معرفته هو أن نوري المالكي ابتاع حينها طائرات حربية، أو مروحيات حربية، من روسيا. لكن أظن أن العراق لا يشتري السلاح من روسيا الآن أو توقف عنه. ما هو السبب؟ لماذا توقف بيع السلاح الروسي للعراق؟ ألم تعد لدى روسيا أسلحة؟

ألبروس كوتراشيف: بصراحة، أولاً، هذا الموضوع حساس. طبعاً، الإعلام يريد أن يحصل على كل ما يمكن من السفير. سأتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل بعد مرور 20-30 سنة عندما يُرفع رمز السرية عن هذه الملفات. لكن بشكل عام، أقول إن علاقات التعاون العسكري الفني بين روسيا والعراق مستمرة، وهناك أكثر من جهة تعمل على هذا الموضوع. هذا التعاون بيننا طبيعي جداً، وليس جديداً ولا استثنائياً، بل هو موضوع روتيني جداً. طبعاً، في الظروف الحالية، يمكننا القول إنه منذ 2003، عندما حاول الأمريكيون احتكار مجال التسليح في العراق، أصبح التعاون أصعب مما كان في السابق. لكن نفتخر بالقول إنه مهما كانت جهود خصومنا، فالتعاون الروسي العراقي مستمر، لأن الصديق العراقي، وأكرر هذا، الصديق العراقي يحب السلاح الروسي ومعتاد على السلاح الروسي. بعد مرور 22 سنة من السيطرة الأمريكية بشكل أو بآخر، أو محاولات السيطرة الأمريكية بشكل أو بآخر على كل مجالات الحياة في العراق، وعلى رأسها موضوع التسليح، فشلوا في هذا الموضوع. فرغم وجود سلاح من مختلف الأنواع في العراق، نرى أن الجزء الأكبر من هذا السلاح لحد الآن هو من أصل روسي-سوفيتي. قد يكونون اشتروا نماذج من هذا السلاح من دول أخرى، لكن أصول هذا السلاح روسية. بل أكثر من ذلك، هناك توجه ورغبة مشتركة لزيادة هذا التعاون. بطبيعة الحال، قد تكون هناك فترات لا يستطيع العراق فيها الشراء. مثلاً، في زمن الحرب على "داعش"، اشترى كثيراً لأنه أولاً كانت هناك حاجة ملحة، وثانياً لم تكن هناك تدخلات غربية كبيرة في هذا الموضوع. الآن، ربما أصبحت التدخلات قوية جداً. وأنتم في كوردستان العراق تعرفون كيف يتعامل الأمريكيون أحياناً حتى مع الأصدقاء، فما بالك بغير الأصدقاء. بهذا الصدد، المهم هنا، لا أريد أن أطيل كثيراً، لكن المهم هنا هو أنه في موضوع تسليح العراق، ليس لدى روسيا الاتحادية أي أجندات تمنعنا من تزويد العراق بأي شيء يريده. كمتابعة لهذا الموضوع، قد يكون العراق الآن لا يملك القدرات، أو ربما روسيا، التي تواجه الآن حرباً بالوكالة ضد حلف الناتو بأكمله، نحن لا نقاتل ضد أوكرانيا، بل ضد منظومة الناتو بكامل ترساناتها وصناعاتها العسكرية وبكل تعدادها السكاني وقدراتها المالية. نحن نواجه حرباً شاملة، وأحياناً لا تستطيع بيع أنواع معينة من السلاح لأننا نحتاجها على الجبهة. لدينا جبهة يقاتل فيها 600 ألف مقاتل يومياً.
 
رووداو: تحدثتم عن الحرب، روسيا تتقدم على جبهة الحرب مع أوكرانيا. هل تنوي روسيا، أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إيقاف الحرب؟

ألبروس كوتراشيف: أولاً، الخطة الأولى كانت إجبار أوكرانيا على السلام في بداية الأحداث. لم تكن هناك خطة لشن حرب طويلة، خاصة لثلاث سنوات ونصف السنة أو أكثر. وبصراحة، هذه الخطة نجحت في البداية. بدأت الأعمال القتالية، وبعد شهر أو شهرين تقريباً، توصلنا مع الأوكرانيين، بوساطة بيلاروسية وتركية، إلى صيغة معاهدة سلام. في مشروع المعاهدة هذا، كان كل ما تريده روسيا مثبتاً. بل ليس سراً أن الأوكرانيين سبقونا في تقديم بعض النقاط في هذا المشروع والتي كنا نريدها، لأنهم كانوا يعرفون ماذا تريد روسيا وكانوا يريدون حلاً سريعاً. بعد ذلك، جاء بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة، الذي كان يواجه مشاكل في الداخل البريطاني وأراد تسويق نفسه كدبلوماسي كبير، وفرض حظراً على الحكومة الأوكرانية فيما يخص توقيع هذه المعاهدة. أنا لا أريد أن ألقي كل المسؤولية على بوريس جونسون، رغم أن ما فعله كان عملاً شيطانياً، فهو سبب إطالة الحرب. يمكننا أن نمزح حول هذا الموضوع، لكن إذا عدنا وحسبنا حجم الدمار وعدد القتلى والمصابين والأرامل والأيتام، فبوريس جونسون له دور كبير في كل هذا، لا أريد مواصلة الحديث عن هذا الموضوع لأنني ليست عندي عبارات لائقة لمواصلة الحديث عنه. لذا لنعد إلى الأوكرانيين، هذا لا يبرر موقفهم، لأنه كان من المفترض أن يكون قرارهم سيادياً، لا أن يأتي شخص أجنبي ويفرضه عليهم. لكن تم فقدان هذه الفرصة وخرجت الأحداث عن السيطرة. كنا نقصد إجبار النظام الأوكراني على الاتفاق، وعلى رأسه عدم الهجوم على مناطق دونباس (دونيتسك ولوغانسك)، لأننا سبقنا الأوكرانيين بالهجوم لأنهم كانوا على وشك شن هجوم على هذه المناطق والقيام بتصفية ديموغرافية هناك.
 
رووداو: حسناً، تحدثتم عن قتلى ومصابين وأرامل وأطفال وأيتام وكل أولئك الشباب. هل تنوون أو هل تخططون لتتوقف الحرب؟

ألبروس كوتراشيف: هناك أكثر من خطة. هناك خطة روسية لإيجاد حل شامل لهذه الحرب والخروج منها وإقامة سلام دائم. وهناك خطط أخرى لخداع روسيا، بناءً على تجارب أخرى، حيث يعتقدون أن الروس أغبياء ويمكن إقناعهم بوقف الحرب وإعطاء أوكرانيا فرصة أخرى لإعادة التسلح وإعادة انتشار قواتها.
 
رووداو: باتجاه أي سيناريو تمضي روسيا حالياً، وما هو الخيار الروسي، وكيف تريد تحقيق هذا السلام؟

ألبروس كوتراشيف: كل العالم يعلم أننا نريد السلام في أوكرانيا، لكننا نريد سلاماً شاملاً يعالج الأسباب الأصلية لهذه الحرب. كل المقترحات الحالية من أطراف مختلفة لا تعالج الأسباب بل تعالج العواقب فقط، ونحن لا نؤمن بمثل هذه الحلول لأن لدينا تجربة سيئة. إذا سمحت لي، في عام 2014، حدثت انتفاضة للشعب في شرق أوكرانيا، وتم قمعها بالسلاح. أنتم في كوردستان تعرفون جيداً كيف تحدث هذه الأشياء. تدخلت روسيا وأوقفت الحرب. وفي عام 2015 توقفت الحرب، وبدأت عملية تسوية بين كييف وشرق أوكرانيا (منطقة دونباس ذات الأغلبية الروسية) في إطار دولة واحدة. كان الوضع شبيهاً جداً بوضع كوردستان في العراق، في تلك الفترة كان عدد سكان أوكرانيا هو نفس عدد سكان العراق، وعدد الروس، من أبناء القومية الروسية الذين يحملون الجنسية الأوكرانية، كان مثل عدد الشعب الكوردي، ونفس الموقع الجغرافي. نفس الموقف من المركز: موقف شديد ودموي وقاسٍ. عندما خرج الناس إلى الشوارع مطالبين بحقوقهم اللغوية، تم توجيه القوات المسلحة ضدهم. الكورد في العراق في زمن عملية الأنفال لم يكن لديهم من يتدخل لحمايتهم، أما الروس في أوكرانيا فكان لديهم "أخ كبير" بجانبهم، فتدخلنا لحمايتهم، ليس لتمزيق أوكرانيا، بل لطلب إيجاد حل بين شرق أوكرانيا والمركز. تم تشكيل إطار للتسوية بمشاركة فرنسا وألمانيا، وبعض الأطراف الأخرى وبمشاركة الأمريكيين. وكلهم خلال ثماني سنوات كانوا يكذبون، مدعين أنهم يريدون الحل، بينما كانوا يزودون أوكرانيا بالسلاح ويدربون قواتها ويجهزونها لحرب ضد روسيا. وبعد ذلك، اعترف كل من ميركل وأولاند بعد استقالتهم بذلك، قائلين: "لم نكن نريد السلام، ولم نكن نريد الحل، بل كنا نريد إعطاء أوكرانيا فرصة ثانية". هل الآن، بعد كل ما حدث، نكرر نفس التجربة؟ الشعب الروسي ليس حماراً، قد نخطئ مرة، لكن ليس مرتين أو ثلاث.
 
رووداو: سعادة السفير، هناك تقارير ومقاطع فيديو وصور تقول بوجود مواطنين عراقيين يقاتلون إلى جانب روسيا في جيهات القتال، ما قولكم في هذا؟

ألبروس كوتراشيف: أنا لا أستغرب هذا الموضوع، لأنه إذا كانت هناك رغبة كبيرة، يمكن البحث في الإنترنت بطريقة أعمق، يمكنك إيجاد أشخاص من جنسيات كثيرة جداً يشاركون في هذه الأحداث مع كلا الطرفين، وهم موجودون لحد الآن، مثلاً، هناك متطوعون من إسرائيل يقاتلون إلى جانب الطرف الأوكراني.
 
رووداو: كم عراقياً يوجد في جبهات القتال إلى جانب الجيش الروسي؟
 
ألبروس كوتراشيف: لقد طرحت هذا الموضوع بالتفصيل في لقاء صحفي في بغداد قبل فترة قصيرة. أكرر، لا جديد لدي. توجد هذه الحالات، لكنها فردية، وحجمها ليس كما يحاول البعض تسويقه. نحن نعرف ذلك لأننا، حسب ما أتذكر، أصدرنا تأشيرات دخول لذوي القتلى الذين ذهبوا لاستلام جثامينهم، ربما ثلاث أو أربع مرات. هذا هو حقيقة الأمر، وهو دليل على وجودهم. لكن ما عددهم؟ ليس لدي أرقام. هناك أمر مهم أريد التأكيد عليه، وهو أن هذه الحرب بالنسبة لنا ليست حرب نظام ضد نظام، بل هي حرب شعبنا من أجل مصالحه الحيوية. كل روسي لديه إما أصدقاء أو أقارب يقاتلون على الجبهة. أنا لدي الكثير منهم. نحن على تواصل معهم باستمرار، حتى من باب الدعم المعنوي. أيضاً نبعث لهم مساعدات، المقاتل على الجبهة يعرف أنه مدعوم من وطنه، ليس فقط من الحكومة بل من الشعب أيضاً. تأتي من هناك أخبار كثيرة، لكنني لم أسمع شيئاً عن وجود أجانب بشكل ملحوظ على الطرف الروسي. على الطرف الأوكراني، الأجانب موجودون، ولدينا أسرى وجثامين ووثائق منهم، وبعضهم معروف بالاسم، ومعروفة مناصبهم العسكرية والاستخباراتية. أما على الطرف الروسي، فلا يوجد شيء يذكر بصراحة. التلفزيون الروسي ينشر من حين لآخر تقارير عن متطوع من أمريكا اللاتينية انضم للجيش الروسي ويقاتل، وله صور مع أصدقائه، وكلهم روس، وهو قد جاء لوحده. لذلك أقول إنها حالات فردية، وليست ظاهرة واسعة النطاق. لكن إذا سمحت لي، في هذا الصدد، يجب أن أشكر المواطنين العراقيين الذين لديهم هذا الموقف الداعم لروسيا. طبعاً، أنا آسف إذا سقط بينهم جريح أو قتيل، لكن أكرر مرة أخرى، لسنا نحن من جندناهم، بل جاؤوا كمتطوعين.
 
رووداو: ألا يحصلون على مكافأة على مشاركتهم؟

ألبروس كوتراشيف: أولاً، إن حصول شخص ما على راتب لا يعني أنه مرتزق. الشرطي والجندي يحصلان على راتب وليسا مرتزقين. حتى المذيع في هذا الاستوديو يحصل على راتب، والسفير يعيش على الراتب. نحن كدولة، حتى المتطوعين، نعطيهم راتباً قدر المستطاع. طبعاً هناك مجالات ليست فيها فرصة لمنح راتب للمتطوع، مثل المتطوع الذي ينظم مناسبات دينية إسلامية في موسكو، هناك متطوعون من موسكو يشاركون في ترتيب الأمور خارج الجامع أو داخله، لكن لا يعطى لهم شيء. لكن إذا عمل أحدهم في مكان معين لسنوات أو لأشهر فلا بد من أن يمنح راتباً وإلا من أين ينفق ليعيش.
 
رووداو: بقي عندي سؤال واحد عن العراق، ولي أسئلة كثيرة عن سوريا، لا أدري إن كان ممكناً أن ننتقل إلى الموضوع السوري على عجل، لدي أسئلة عن سوريا. بقي معي سؤال واحد عن العراق، الحصول على التأشيرة الروسية من قبل المواطن العراقي له بعض الشروط، وأن تكون هناك دعوة له من روسيا. ما هي الشروط؟ وكيف يستطيع المواطن العراقي الحصول على التأشيرة الروسية؟

ألبروس كوتراشيف: بصراحة، هذا ألمنا المشترك. أنا أريد فتح الأبواب أمام العراقيين لزيارة روسيا للسياحة والأعمال والثقافة. لكن للأسف الشديد، هناك قيود مفروضة على هذا. أنا "أقاتل" من أجل الطرف العراقي، لكن الموضوع صعب. أنا أمزح جزئياً، لكن بجزء كبير هذا شيء جدي. المشكلة ليست أن لدينا أي شيء ضد العراقيين كضيوف، أبداً، بل بالعكس، العراقيون معروفون لدينا بأنهم أناس محترمون. سمعة الطلبة العراقيين في روسيا جيدة جداً. في إحدى مقابلاتي، قلت مازحاً إن الطلبة العراقيين مهتمون بالصديقات الروسيات أكثر من المحاضرات. اضطررت لقول ذلك في اللقاء الصحفي لأن المذيعة كانت مصرة على موضوع مشاركة العراقيين في الحرب في أوكرانيا. وصل الأمر إلى ورود أخبار تتحدث عن إجبار الطلبة على ترك المحاضرات والذهاب إلى القتال، فرددت بأن الطالب العراقي إذا ترك المحاضرات فليس بسبب الحرب بل بسبب الصديقات. هذا الأمر طبيعي. ما شاء الله، من يدرس في روسيا ويعود إلى وطنه نجدهم ذوي سمعة ومناصب، هذا الشيء مرحب به. نعود إلى موضوع التأشيرات، الوضع الأمني في روسيا معقد الآن. روسيا لا تتعرض فقط لحرب إعلامية وحرب عقوبات، بل أيضاً لحرب دامية بالوكالة على الأراضي الأوكرانية، بالإضافة إلى حرب إرهابية. هناك محاولات للقيام بأعمال إرهابية في الداخل الروسي من قبل المخابرات الأوكرانية ومن يقف وراءها. في هذا الصدد، علينا كروس أن نكون على أهبة الاستعداد القصوى. لا داعي، بل هناك داعٍ لتذكيركم بالأحداث الدامية في مركز "كروكوس سيتي هول" التجاري، الذي تجتمع فيه العوائل للاستجمام، حيث دخل إرهابيون وبدأوا بقتل الناس بإطلاق النار عليهم، وبلغ عدد الضحايا أكثر من مئة. تم القبض عليهم قبل عبورهم الحدود الأوكرانية. تبين أن هؤلاء الإرهابيين ليس لديهم أي سوابق إرهابية، بل هم أناس بسطاء تم تجنيدهم بطريقة ما، ودخلوا روسيا بطريقة شرعية وزودهم أحدهم بالسلاح، فدخلوا المركز التجاري وبدأوا يقتلون الناس ويصورون محاولين تصوير أنفسهم كأنهم دواعش، حتى أنهم ذبحوا بعض الضحايا بالسكين ولكن بطريقة تبين أنه ليست لديهم خبرة بهذا الموضوع. لهذا السبب، من الإجباري على روسيا تشديد القيود الأمنية وليس الانفتاح أكثر. لكن أعدكم أنه بعد خروجنا من الأزمة الأوكرانية واستقرار الأمور، قد يكون العراق من أوائل الدول التي نفتح أمامها موضوع التأشيرات وكل شيء. لدينا الآن انفتاح على العرب بشكل عام، ومع بعض دول الخليج وصلنا إلى إلغاء نظام التأشيرات بالكامل. فكيف لا يمكن أن نتعاون مع صديقنا القديم العراق في هذا المجال؟
 
رووداو: إلى متى تريد روسيا إبقاء قواتها في سوريا؟ مثلاً القوات الروسية في بانياس وحميميم كيف هو وضعهم الآن وكيف هي أحوالهم؟

ألبروس كوتراشيف: أما عن وجود قواتنا في سوريا، فبطبيعة الحال، لم تعد هناك حاجة عسكرية لوجودها الآن، لأنها كانت موجودة للقتال ضد الجماعات الإرهابية والوضع تغير ونحن لا نشارك في أي حرب على الأرض السورية، هذا من جهة. من جهة أخرى، هذه القواعد لها بعد استراتيجي وليس خاصاً بسوريا فقط. خصومنا يعرفون هذا. المهم هو ما يريده النظام السوري الجديد. كانت هناك توقعات في البداية بأنه قد يطلب مغادرة روسيا، وهذا كان معقولاً في حينه وفي البداية، لكن مع مرور الوقت تبين أن القواعد باقية، وفيها قوات. عدد القوات الموجودة في القواعد أقل بكثير مما كان في السابق، لكنها موجودة.
 
رووداو: كم هو عددهم؟

ألبروس كوتراشيف: قد يكون نصف العدد السابق أو أكثر هذه معلومات سرية أيضاً. هذا الموضوع سنتحدث عنه بعد 20 سنة أو بعد إقالتي أو استقالتي من الخارجية. عدده ليس كبيراً جداً، ولكنهم موجودون هناك. بقاؤهم في سوريا أصبح له الآن بعد سياسي واستراتيجي أكثر بكثير من البعد العسكري. هذه القواعد هي دليل على أن علاقاتنا ما زالت باقية حتى في هذا الموضوع الحساس، رغم تغير النظام في سوريا. التواصل نشط وتبادل الزيارات مستمر مع الحكومة السورية الحالية. مؤخراً، زار أحمد الشرع موسكو، وقبل ذلك زار أكثر من وفد روسي رفيع المستوى دمشق. كانت هناك لقاءات ومفاوضات مفصلة على مستوى قيادات الأجهزة الاستخباراتية ووزراء الدفاع والخارجية، تم الدخول في تفاصيل كثيرة، لكن لم يتم طرح موضوع إغلاق القواعد.
 
رووداو: في زيارة أحمد الشرع لروسيا، هل طلبت الحكومة السورية تسليم بشار الأسد لها؟

ألبروس كوتراشيف: أعتقد أنهم خلال زيارة أحمد الشرع لم يطلبوا تسليم بشار الأسد. أقول ذلك بنسبة 99%. تم بحث الموضوع سابقاً خلال زيارة ممثل الرئيس الروسي، وكيل وزير الخارجية السيد بوغدانوف، إلى دمشق، وهو الآن متقاعد وشخصية سياسية معروفة عالمياً، وكان التفسير الروسي أن لجوءه إنساني وليس سياسياً يستطيع ممارسة النشاط السياسي، وبالتالي لا يمكن تسليمه لبلده لأن ذلك يشكل خطراً على حياته. هذا الكلام كان مرضياً للقيادة السورية الجديدة، فبشار الأسد باقٍ في موسكو وليس له حق في أي نشاط إعلامي أو سياسي. هل سمعتم شيئاً عنه؟ لم تسمعوا، لأنه لا يملك هذا الحق، لكنه في مكان آمن ويعيش.
 
رووداو: علاقاتكم مع قسد جيدة، أليس كذلك؟ حدثنا عن علاقاتكم مع قسد، مثلاً تطالب أمريكا وفرنسا الآن بالاعتراف بحقوق الكورد من قبل الحكومة السورية في دمشق وأن تتحول قسد إلى جزء من مكونات الجيش السوري. أنتم في روسيا، كيف ترون كل هذا؟

ألبروس كوتراشيف: علاقاتنا مع "قسد" علاقات طبيعية وودية، هي علاقات حوار. أما الولايات المتحدة، فهي التي تزود "قسد" بالسلاح وترعاها، ويبدو أنها تريد استعمالها لمصلحتها كنوع من شركة عسكرية خاصة، هذا هو موقف أمريكا. موقفنا من "قسد" هو أنها قوة عسكرية وسياسية، وبهذا الصدد، نحن نشجع الحوار بين دمشق و"قسد". كنا نشجع هذا الحوار في زمن نظام بشار وشاركنا كوسطاء، والآن أيضاً نشجع على هذا الحوار رغم أننا الآن لسنا بوسطاء.
 
رووداو: هل تشارك روسيا في الرأي القائل بالاعتراف بالكورد في إطار السلطة السورية الجديدة وأن تصبح قسد جزءاً من الجيش السوري؟

ألبروس كوتراشيف: هذا أولاً أمر مهم جداً، ونحن ننطلق من أن هذا الموضوع يجب إيجاد حل له في إطار حوار وطني، وأنه شأن داخلي سوري، وليس هل أن روسيا ترى هذا الرأي أم لا، وما نراه ليس للنشر. موقفنا العلني هو أن روسيا دولة فيدرالية ذات 300 لغة وأكثر من 80 إقليماً، عندكم في الهراق إقليم واحد ونحن عندنا 80 إقليماً، لذا فإننا بطبيعة الحال نطالب بضمان حقوق كل قومية، وعلى رأسها الحقوق اللغوية، لأن حرب أوكرانيا بدأت بسبب فرض حظر على اللغة الروسية. تصوروا لو تم فرض حظر على استخدام اللغة الكوردية في العراق، ليس فقط في بغداد والبصرة، بل في أربيل والسليمانية ودهوك، ماذا كان سيحدث؟ انتفاضة وحرب. الحقوق اللغوية، الثقافية، الاقتصادية، الإدارية، والسياسية، كلها يجب أن تُضمن بالدستور والقانون. أما التفاصيل، كدمج "قسد" في الجيش السوري أو بقائها كجهة مستقلة، فالحمد لله ليس لدينا حاجة للتدخل فيها، بل نطلب حلها عبر الحوار، لأنه في غياب الحوار تحدث الحرب.
 
رووداو: قلتم فيما سبق إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تراقبكم في القنصلية أو في سفارتكم في بغداد والعراق، هل هذا لا يزال مستمراً الآن؟

ألبروس كوتراشيف: يجب أن تسألوهم هم، فلست على تواصل معهم بهذا الخصوص.
 
رووداو: وكيف عرفت وقلت إنهم يراقبونكم، والآن لا تعرف هل أنهم مستمرون في مراقبتكم أم لا؟

ألبروس كوتراشيف: أقول إن هذا الشيء معروف للجميع والحياة الدبلوماسية هي حياة تحت المراقبة المستمرة، ونحن معتادون على ذلك. خاصة في عصرنا هذا، مع الهواتف المحمولة التي هي أفضل آلية للتجسس في العالم، حيث يمكن تشغيل هاتفك المحمول بدون علمك، وبينما هو في جيبك يستخدم فيه لاقط الصوت والكاميرا أيضا إذا تطلب الأمر ويمكن قراءة كل مراسلاتك ومتابعة كل اتصالاتك. نحن نعيش في عالم شفاف جداً وهناك تركيز على الشخصيات المهمة، ومن بينهم الدبلوماسيين ولا نستغرب من هذا. لكن لدينا أدواتنا لمواجهة هذه المحاولات. لا أدري مدى فاعلية هذه المحاولات، لكن الأمريكان لم يشتكوا علي، لأنني لا أمنحهم الفرصة لذلك، وضعنا في العراق ممتاز، ونشكر العراق قيادة وشعباً على حسن الاستقبال والضيافة. لدينا سفارة في بغداد وقنصليتان عامتان في الإقليم والبصرة. نحن في بيئة صديقة ولدينا الكثير من الأصدقاء والمؤيدين. نلتقي مع الطلبة ومع الجمهور، والانطباعات دائماً إيجابية، ونكتسب عن طريق العمل في العراق خبرات قيمة جداً لمواصلة عملنا في مناطق أخرى ودول أخرى، والدبلوماسي الروسي الذي يعمل في العراق يتردد عليه فيما بعد في زيارات، لدينا في دائرة الشرق الأوسط بالخارجية الروسية عائلة عراقية وعائلة سورية، فكل من عمل في إحدى الدولتين يشكل مع الآخرين الذين عملوا فيها جماعة، لكن لدينا دبلوماسيين عملوا في بلدان مختلفة، لكن فقط الدبلوماسيون الذين عملوا في سوريا والعراق عندما يعثرون على آخرين عملوا في سوريا والعراق يشعر تجاهه بمشاعر أخوة، حتى مع الدبلوماسيين الأجانب الذين عملوا في سوريا أو العراق وإن كانوا من دول غير صديقة، لا أستطيع التعامل معه على أنه غريب بل أشعر بأنه قريب إلي، هو ليس صديقاً ولكنه قريب. العمل في العراق له بالطبع بعد أمني، في 2006 خسرنا خمسة أفراد من العاملين في سفارتنا، خطفتهم القاعدة وقتلتهم، لذا فإننا هنا نعيش ظروفاً أمنية خاصة، لا نستطيع العيش مثل المواطن العراقي، لولا العناية الأمنية من الجهاز الأمني العراقي، لما استطعنا أن نعمل. أما عن نشاط الـ CIA أو غيرهم، فالله يعطيهم العافية، لكن على الأقل وضعنا هنا أفضل من وضع زملائنا في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الذين يتعرضون لضغط مباشر وغير أخلاقي من قبل أجهزة الاستخبارات المحلية، أحد أصدقائي في إحدى دول البلطيق جاءه شخص من الاستخبارات وقال له إما أن تعمل معنا أو نطردك، فرد صديقي وقال وهل تظن أن بلدك مهم لدرجة أن تخيرني أنت بين خيارين؟ وبعد ثلاثة أشهر جاء ردهم أن هذا الشخص غير مرحب به في ذلك البلد. هناك عمليات مطاردة في العديد من الدول التي تعلن عن عشرات الدبلوماسيين على أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم دفعة واحدة. الحمد لله، لا وجود لهذا الشي في العراق. نحن مرتاحون جداً، و CIA خرب الله بيتهم.
 
رووداو: ليكن سؤالي الأخير عن الانتخابات. هناك الآن انتخابات، حملة انتخابية، وهناك أيام قليلة تفصلنا عن يوم الانتخابات. أريد معرفة رأيك في الحملات الانتخابية وهل تتصورون انتخابات بعيدة عن التدخلات؟

ألبروس كوتراشيف: أنا لا أشارك في هذه الانتخابات لا كمرشح ولا كناخب، لكننا دُعينا للمراقبة وسنشارك كمراقبين، ولدينا مشاركة سابقة كمراقبين. نحن كضيوف في هذا البلد، نؤيد ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، ونتمنى أن تكون ناجحة. واجبنا الدبلوماسي هو متابعة التطورات لتقييم الوضع في العراق. الحمد لله، حتى الآن لا نرى شيئاً خطيراً. أما الاتهامات المتبادلة، فهذه ظاهرة موجودة في كل حملة انتخابية. المهم أن لا يتعرض المرشحون في العراق لأعمال اغتيالات. من ينتقد العراق، أريد أن أذكره أنه في أمريكا حاولوا اغتيال ترامب مرتين قبل انتخابه. فإذا قارنا العراق بدول أخرى، فموقفي هو "الحمد لله الأمور ماشية بشكل طيب". انطباعي الشخصي أن هذه الحملة هادئة بالمقارنة مع الحملات السابقة. هذه انطباعاتي الشخصية وقد أكون على خطأ، وإن كنت خاطئاً فأعتذر.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب