في معرضه الشخصي الـ 23 أطلق الفنان التشكيلي الكوردي الأكاديمي محمد فتاح عنواناً واحداً على لوحاته الـ 24 التي ضمتها صالة ميديا في أربيل، وهو (الصياد)، وترك لوحاته بلا عناوين فرعية، تماماً مثلما يكتب الشاعر ديوانه بدون أن يعنون قصائده، أو يترك القاص حكاياته بمضامين سردية عديدة لكنها تعوم في فضاء مفتوح لجوهر حكائي حدده الرسام ليترك المتلقي هو من يستكشف التفاصيل ويدونها في ذاكرته الصورية ويستنتج الأسئلة والأجوبة في آن واحد.
"الصياد"، حسب حديث فتاح لشبكة رووداو الإعلامية اليوم، الأربعاء 17 كانون الأول 2025، هو "محور لوحاتي في هذا المعرض، قد يبدو ظاهراً هنا وهناك أو متخفياً بين شخوص اللوحات، أو مختبئاً كعادة أي صياد خلف لون أو شجرة أو صخرة أو ظل.. هنا الكل صيادين."
لكن المفاجأة هي أن فتاح حوّل المشاهد، المتلقي، إلى صياد للتفاصيل التي تزدحم بها لوحاته. تفاصيل لونية ورموز بيئية وطلاسم مجسدة باللون والفكرة. يقول "هذه التفاصيل والتضاريس بعضها رسمتها عن دراية ودراسة والبعض الآخر ظهرت فجأة أثناء تنفيذي للعمل، وهي تنتمي لبيئتي، لكوردستان فأنا كفنان كوردي ولدت وعشت في مدينة السليمانية، تنتمي لطبيعة جبلية مزدحمة بالتفاصيل الدقيقة والمعقدة."
يستدرج الرسام محمد فتاح، المتلقي، ربما بلا قصدية، ليتمعن أكثر، ليضبط تركيزه على جزئية من زي امرأة كوردية بألوانه البهيجة، قد يكون هذا الزي ثوباً لضحية من ضحايا الأنفال، أو تذكيراً بحادثة تخص الفنان ذاته، دون أن يهمل بعض أشكال الزينة النسائية المكملة لزينة الكوردية. كما لا ينسى نقوش غطاء الرأس لزي الرجل الكوردي (جامادانة)، ممزوجاً باللون الخاكي، في إشارة واضحة إلى المقاتل (البيشمركة)، لكنه لا يفعلها بهذه المباشرة، بل بأسلوب رمزي بحت. والأكثر من هذا هو يستفز المتلقي لأن يخلق أسئلته التي لا جواب عنها إلا في تفسير العمل الفني ذاته.

عليك كمتلقي، ومثلما فعلت أنا، أن تتمتع برؤية مستكشف، أن لا تفوت زوايا ومركز اللوحة، فالألوان التي هنا لها دلالاتها الرمزية إضافة إلى مدلولاتها الجمالية. ثمة نقاط سوداء على سطح أصفر تتحول إلى ثقوب تحيلنا إلى فعل الرصاص، رصاص الصياد، فالصياد هو القاتل الباحث عن الفريسة، وقد يكون الإنسان ذاته هو الفريسة، أو رصاص الأعداء، وربما بفعل الطبيعة.
تنتمي أعمال الفنان محمد فتاح، أسلوبياً، للتعبيرية، وهي أكثر قرباً للتعبيرية الألمانية، وإن كان يصفها هو باعتبارها تنتمي للواقعية السحرية، ويهتم كثيراً باللون أو التلوين، مهملاً تماماً إنشاء اللوحة، موضحاً "اللون عندي مهم ومهم جداً، وبيئتي الكوردستانية منحتني طاقة لونية مدهشة، فأنا عندما أسكب الألوان في وعاء التلوين (الباليت) أشعر ببهجة داخلية، أتحدث مع ألواني وأحتفي بها، وأبدأ بفرشها على قماش اللوحة بدراية أو أحياناً بتلقائية، فالموضوع هو الذي يقرر مواقعها وأحياناً اللون هو من يحدد الموضوع، خاصة وأنني لا أخطط أعمالي بالقلم، ولأني أنتمي لبيئة ملونة ومشرقة تأتي الألوان واضحة وحادة، الأصفر هو أصفر تماماً وكذلك الأحمر أو الأخضر، بيئتنا في كوردستان ملونة خلال فصول السنة ولا لبس أو تشويه مناخي يغير اللون، أنا أرى الفضاء الذي حولي من خلال الألوان، ولا أهتم بإنشاء اللوحة، فعندما يكون القماش (الكانفاص) أمامي أجده فضاءاً مفتوحاً، أحياناً يقلقني وفي أحيان كثيرة يغريني لأن أرسم وأرسم بلا قيود أسلوبية."
توازن الشخوص والأشكال داخل لوحات فتاح غير محسوب بطريقة رياضية، هنا تتوزع كتل بكثافة وفي الجانب الآخر نجد فراغات هي بحد ذاتها تمنح المتلقي شعوراً بوجود أشكال حتى من خلال لون ينتشر ببذخ واضح. لوحاته مقسمة إلى عدة لوحات وفي مجموعها، وعندما تتفحصها عن بعد، سوف تجد العمل مستكملاً تماماً، فهو وكما يقول "أدير اللوحة وأقلبها رأساً على عقب وبزاوية 180 درجة باحثاً عن منظور يمنحني الرضا، الرضا الذي لا يتحقق حتى وإن عرضت العمل على الجمهور، فاللوحة عندي مشروع لا يكتمل بل يبقى فضاءاً مفتوحاً. هنا في هذا المعرض لوحات بقياسات مختلفة، متر في متر أو 3 أمتار في 2، أعمال نُفذت عام 2020 وصولاً إلى 2025، أشعر أن بعضها يتواصل موضوعياً أو لونياً مع بعضها."

انتماؤه للبيئة لا يقلقه، وهو انتماء غير متطرف، والرموز والإشارات البيئية تظهر في لوحاته تلقائياً، وهذا لا يقف حائلاً دون أن يكون منجزه التشكيلي إنسانياً أو عالمياً، خاصة وأنه عرض أعماله في دول مختلفة من العالم وشارك في أكثر من 300 معرض، وسيقام له معرض في إيطاليا الشهر القادم، منبهاً إلى "أنا إنسان وأعمالي إنسانية، نعم أنا فنان كوردي لكنني لا أتقيد بالجغرافيا بقدر اهتمامي بالانتماء، هذا الانتماء الذي يفتح أمامي أفق إنسانية."
الفنان التشكيلي الكوردي محمد فتاح لا يتقيد بأطر ثقافية محددة، بل هو يوسع آفاقه الفكرية ويوسع من بحوثه ومحاضراته الأكاديمية في الفن التشكيلي وعلاقته بالمجتمع والثقافة، وحصوله على الكثير من الجوائز والشهادات التقديرية، مؤكداً على "أهمية الثقافة للفنان التشكيلي، عليه أن يطالع ويقرأ ويبحث كثيراً، خاصة في مجالات القصة والرواية التي تنمي مخيلة الفنان التشكيلي"، ذاكراً "أنا منذ طفولتي، ومن ثم فتوتي وشبابي وحتى اليوم، أقرأ الكثير من الأعمال الروائية، حتى إن المتلقي يستطيع أن يرصد تأثري بالحكايات الشعبية التي كنت أسمعها من جدي أو جدتي أو أمي في طفولتي، ومنذ سنوات أقرأ وأتابع باهتمام كبير أدب أميركا اللاتينية المعروف بـ (الواقعية السحرية)، خاصة الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والروائية التشيلية إيزابيل أليندي، والروائي البرازيلي بابلو كويلو، وغيرهم، وهذا ما جعلني أتحول في الرسم في غالبية أعمالي من الأسلوب الواقعي إلى الواقعية السحرية."
معرباً عن أسفه "لأننا نرى اليوم جيلاً من الفنانين التشكيليين لا يقرأ ولا يهتم بالبحوث ولا بالثقافة ويتحدث أكثر مما يعرفه، وأقول هنا إن القراءة والبحث العميق يمنح الفنان أو حتى الكاتب والشاعر عمقاً ثقافياً يقوده إلى اختيار الموضوع وبناء الأسلوب بعمق".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً