مهرجان بغداد السينمائي يستهل احتفاءه بالسينما التونسية بفيلم "صمت القصور"

16-09-2025
معد فياض
معد فياض
الكلمات الدالة تونس
A+ A-
رووداو ديجيتال

شهدت صالة (مسرح الرشيد) اليوم الثلاثاء (16 أيلول 2025) بداية الاحتفاء بالسينما التونسية، ضيفة شرف مهرجان بغداد السينمائي بنسخته الثانية وذلك بعرض فيلم (صمت القصور) الذي يعتبر من كلاسيكيات السينما التونسية.
 
الفيلم المنتج عام 1994،من سيناريو واخراج مفيدة التلاتلي، وشاركها في الكتابة نوري بوزيد، وجسد أدواره كل من: أمل الهذيلي، هند صبري، ناجية ورقي، سامي بوعجيلة، كامل فزعة، فاطمة بن سعيدان، كامل التواتي وسامي بو عجيلة.
 
تستهل مشاهد فيلم (صمت القصور) بالعودة الى الماضي والنبش في تفاصيله ومحاكمته من قبل الشابة علياء، وهي مغنية، كانت حاملاً، ويطلب منها رفيقها الإجهاض. هنا هي موجودة بعد ان علمت بنبأ وفاة سيدها السابق الأمير علي، والذي هو والدها غير الشرعي وغير المعلن، فتعود، لتعزية عائلته، إلى القصر الذي نشأت فيه. 
 
بعودتها إلى القصر تتسابق ذكريات أمُها التي كانت خادمة فيه فقد كانت طبٌاخة وعشيقة الامير وراقصة، كما تتذكر طفولتها وقد كانت ولدت من أب مجهول الهوية وكل ما نتج عن ذلك من حيرة وأسرار في القصر الكثيرة والمتداخلة.
 
يكشف الفيلم قضايا التنوع الاجتماعي والطبقي واستغلال السيد للخدم، خاصة الخادمات، من خلال حياة جيلين من النساء في قصر أمير. من خلال عيون مغنية أحياء الاعراس، شابة جذابة، كاشفاً عن العبودية الجسدية والاجتماعية لمجموعة من النساء في قصر محصن خلال الحماية الفرنسية لتونس، حيث تدور الاحداث في الخمسينيات من القرن الماضي.
 
كانت علياء قد فرت من القصر قبل عشر سنوات، حيث قضت ذلك الوقت في دفن ذكريات طفولتها المعذبة. في زيارتها لتقديم الاحترام لوفاة الأمير، تتجول علياء في القصر المهجور إلى حد كبير حيث تواجه هذه الذكريات الممثلة على شكل ذكريات مفصلة من طفولتها. 
 
تبدأ في تجميع قصة الاختلاف الطبقي، وتستيقظ من جديد على تساؤلاتها المستمرة حول هوية والدها في محاولة للتصالح مع ماضيها، وفي ذات الوقت تتعامل أيضاً مع علاقتها الحالية بحبيبها لطفي، الذي طلب منها إجراء ما يبدو أنه عملية إجهاض أخرى.
 
وهكذا، ضمن إطار العرف القائم، تسير الحياة في هذا القصر، وكان يمكن لها أن تسير إلى الأبد لولا أن ذلك الزمن المفصل شهد تظافر حدثين لا علاقة لهما ببعضهما بعضاً: فمن ناحية كانت تونس تعيش زمناً انعطافياً هو زمن الانتفاض ضد المحتل الفرنسي بقيادة الحزب الدستوري. ومن ناحية ثانية، كانت أروقة القصر تشهد ولادتين: في الطوابق العليا ولادة سارة ابنة الباي سيدي علي، وفي الطوابق السفلى ولادة علياء، ابنة الخادمة خديجة. 
 
ولئن كنا عارفين أن سارة هي ابنة رب القصر، فإننا سنجهل من هو والد علياء، لأنها طفلة الخادمة خديجة تأتي، كما ينبغي للوضع أن يكون في تلك الأمكنة، من اللامكان، من العلاقة التي يسمح لسادة القصر الذكور بإقامتها مع الخادمات، علاقة تظل مستورة بالتكتم، محاطة بالغموض لا يجرؤ أحد، ولا حتى صاحبة العلاقة نفسها، على البوح بها.
 
خلال بحثها المضني والصامت عن أبيها، وبسبب وضعيتها الخاصة تتمكن علياء من التنقل بحرية بين طوابق القصر جميعاً، وتحظى بلفتات حائرة من السيد الكبير، وتعامل من قبل سارة وكأنها أخت لها. وكل هذا يعدنا بمصير لعلياء يختلف عن مصير أمها، فالأم خادمة ابنة خدم جاءت إلى القصر وهي في الـ12 ولا ترى أن لها أي مكان آخر خارج القصر، رحلتها الوحيدة ستكون تلك التي تقودها من صمت القصور إلى صمت القبور. 
 
غير أنها بصمتها، بكلام عينيها، بخضوعها، ستسهم في زرع بذرة التوق إلى الحرية في نفس ابنتها، تلك البذرة التي سينميها حب الفن، واكتشاف عليا باكراً لوضعيتها المميزة.
 
ولكي يظل السحر قائماً يجب على علياء أن تظل علياء، ويجب على حياتها أن تسير تحديداً على الطريق الذي رسمته لها المخرجة مع شريكها المميز في كتابة السيناريو المخرج نوري بوزيد. وحياة علياء هي الحياة الوحيدة في القصر التي تخرج عن إطار العلاقات النمطية القائمة منذ أبد الآبدين. لماذا اختارتها مفيدة التلاتلي هي بالذات؟ أمر قد لا يهم التوقف عنده كثيراً، لكن لا بأس من الإشارة إلى المنعطف التاريخي الذي تطابق مع ولادة علياء وكان هو الدافع الأساس، لأن فتاة مثلها تولد في منعطف تلك الظروف ستكون هي أداة خرق اللعبة، وعلى يديها سينكسر صمت القصور، وليس من قبيل المصادفة هنا أن تصبح عليا مغنية وأن يحررها الفن من مصير أمها.
 
فيلم "صمت القصور" شريط روائي غاضب بصمت ودون صراخ أو شعارات، نسجت خيوطه امرأة، المخرجة تيلاتي، تروي بعذوبة وإتقان وجرأة ما لا يقدر رجال على قوله، وخصوصا في كونهم، هم أنفسهم، وفي استعبادهم للجسد الأنثوي، ضحية من ضحايا تقاليد اجتماعية وثقافة ذكورية، جعلتهم يتجاوزون مشاعرهم الإنسانية، ويحرمون أنفسهم من عواطفهم.
 
الشخصيات في الفيلم مكتوبة بحرفية عالية فلا مجال للتسطيح والنمطية والثرثرة الكلامية. إنها تمضي نحو خطوطها ومصائرها ولا تقول ولا تفعل إلا ما يلزم قوله وفعله. المفردات والعناصر الفنية للفيلم مترابطة ومتشابكة ومتناغمة بشكل لا يجعل عنصرا يعلو على الآخر أو ينشز عليه، فلا بطولة إلا لما يريد الشريط قوله عبر مخرجة مايسترو تتحكم في إيقاع الفيلم.
 
ولدت مفيدة التلاتلي عام 1947 بسيدي بوسعيد في الضاحية الشمالية لمدينة تونس. حصلت على دبلوم في المونتاج من معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس سنة 1968 والتحقت بالتلفزيون الفرنسي لسنوات عديدة قبل العمل كمديرة مونتاج مع مخرجين تونسيين وعرب، ومن هنا نشاهد تأثير السينما الفرنسية عليها في اخراج "صمت القصور" من حيث حركة الكاميرا والجرأة في طرح المواضيع المتشابكة وكذلك في المونتاج الذي يعتبر الاخراج الثاني للفيلم السينمائي .
 
عرف الفيلم نجاحاً كبيراً في تونس وفي العالم حيث توج بالتانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية سنة 1994، وجائزة أفضل فيلم طويل خلال الدورة الخامسة لمهرجان السينما الأفريقية بميلانو 1995، وجائزة أفضل فيلم في مهرجان شيكاغو 1995، بالإضافة إلى الجائزة الخاصة للجنة تحكيم الكاميرا الذهبية في مهرجان كان 1994. وفي سنة 2000 أخرجت التلاتلي فيلماً جديداً بعنوان "موسم الرجال" توج بدوره بالجائزة الكبرى لمعهد العالم العربي. وقد عينت سنة 2001 عضواً في لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي.
 
الناقدة التونسية نجلة قموع، قالت لرووداو بعد عرض فيلم "صمت القصور" إن "المخرجة التلاتلي في هذا الفيلم تذهلنا في خلق حكاية من رحم حكاية سابقة، لكنها ليست كأولئك المخرجين الذين يريدون أن يقولوا في عملهم الأول كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد، وكأنهم بذلك يكتبون وصيتهم الأخيرة"، مضيفة أنه "فيلم من صنع امرأة، منسوج بحساسية امرأة ثورية، والمرأة التي تشكل العمود الفقري وراء الكاميرا إنسانة ناضجة مثل الفيلم الذي يطوي عالماً نسوياً يموج بالمعاناة والعبودية والأمنيات المجهضة والآمال البعيدة في عالم صامت، أو محافظ".
 
وترى الممثلة صابرين غنودي، التي حضرت مهرجان بغداد السينمائي، بأن "قوة أداء الممثلات، خاصة هند صبري، جسدت جزء من روح الفيلم وأحداثه"، مشيرة الى أن "السينما التونسية لم تقفز من العدم بل لها جذور ثقافية في المجتمع التونسي، وأن الشباب الشغوفين يواصلون الابداع لصناعة أفلام تعالج مشاكل المجتمع".
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

دحام عبد الفتاح يتسلم جائزة تكريمه من اتحاد كتاب كوردستان سوريا

تكريم الباحث الكوردي دحام عبد الفتاح بجائزة اتحاد كتاب كوردستان سوريا

كرّم اتحاد كتاب كوردستان سوريا الباحث واللغوي الكوردي، دحام عبد الفتاح، بمنحه الجائزة السنوية لعام 2026، وذلك خلال احتفالية خاصة أُقيمت في مدينة قامشلو بمناسبة يوم اللغة الكوردية، تقديراً لمسيرته العلمية في خدمة اللغة الكوردية.