رووداو ديجيتال
في مشهد ختامي هادئ لمسيرة صاخبة بالمواقف والأفكار، أسدل الستار يوم الأربعاء، 13 آب 2025، على حياة أحد أبرز أعمدة الرواية العربية الحديثة، الأديب المصري الكبير صنع الله إبراهيم، الذي توفي في القاهرة عن عمر يناهز 88 عاماً. لم يكن رحيله مجرد فقدان لكاتب مبدع، بل هو صمتٌ لضمير ثقافي ظل مشتبكاً مع قضايا مجتمعه ووطنه حتى أنفاسه الأخيرة، تاركاً خلفه إرثاً من الأدب المقاوم الذي لا يشيخ.
الرجل الذي عاش كما كتب: سيرة من الاشتباك والمبدأ
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، في زمن كانت فيه مصر تغلي بالتحولات. منذ نعومة أظفاره، تشكّل وعيه على وقع انحيازه لليسار، وهو الانحياز الذي لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان التزاماً وجودياً كلفه حريته. ففي عام 1959، وجد نفسه ضمن آلاف المعتقلين السياسيين الذين ألقى بهم نظام جمال عبد الناصر في غياهب السجون. خمس سنوات قضاها في سجن الواحات لم تكسر إرادته، بل صقلتها، وحوّل المحنة إلى منحة، معتبراً السجن "جامعته الحقيقية" التي تخرج فيها بمشروع أدبي واضح المعالم: أن تكون الكتابة شهادة، ومساءلة، وفعل مقاومة.
هذا المبدأ لم يغادره قط. وتجلى بأكثر صوره ضجيجاً وخلوداً في عام 2003، حين صعق المشهد الثقافي برفضه "جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية" على الهواء مباشرة من مسرح دار الأوبرا. لم يكن رفضاً للجائزة في حد ذاتها، بل كان بياناً سياسياً مدوياً ضد السائد. في تلك اللحظة التاريخية، كرّس صنع الله نفسه كنموذج للمثقف الذي لا يمكن شراؤه أو ترويضه، وظل صوته رمزاً للنزاهة في زمن المساومات.
مؤرخ الهامش: حين تصبح الرواية وثيقة اتهام
لم يكن صنع الله إبراهيم الذي بدأ مسيرته المهنية كصحفي، روائياً تقليدياً يسرد الحكايات، بل كان "مؤرخ اللحظة" بامتياز. ابتكر أسلوباً فريداً يقع على الحدود الملتبسة بين الأدب والتوثيق، فقام بتطعيم سرده الروائي بالوثائق الخام: قُصاصات الصحف، والإعلانات التجارية، والتقارير الرسمية، والأرشيف المنسي. بهذه التقنية، حوّل رواياته إلى بانوراما حية ومؤلمة لتاريخ مصر المعاصر، كاشفاً ما حاول التاريخ الرسمي إخفاءه.
أما لغته، فكانت السهل الممتنع؛ لغة تقريرية، جافة، ومتقشفة عن عمد، تشبه برودة تقارير التشريح، وكأنه أراد أن ينزع عن السرد أي عاطفة قد تحجب الحقيقة القاسية. وتحت هذا السطح الحيادي، كانت تغلي عوالم كافكاوية خانقة، حيث الفرد مسحوق تحت وطأة بيروقراطية عبثية، وحيث المجتمع يتآكل ببطء، وتفقد الأشياء معناها.
من "تلك الرائحة" إلى "اللجنة": علامات في طريق التمرّد
ترك صنع الله إبراهيم مكتبة من الأعمال التي أصبحت كل منها علامة فارقة في الأدب العربي. روايته الأولى "تلك الرائحة" (1966) كانت صرخة مبكرة ضد الاغتراب والفراغ الوجودي، وصودرت لعشرين عاماً لجرأتها. أما روايته الأيقونية "اللجنة" (1981)، فكانت تحفة رمزية كابوسية عن آليات السلطة والاستجواب، وعن الفرد الذي يُجبر على أكل نفسه في مواجهة نظام لا مرئي.
في ملحمته الاجتماعية "ذات" (1992)، قدّم تشريحاً دقيقاً للمجتمع المصري وتحولاته من الناصرية إلى الانفتاح الساداتي، وصولاً إلى عصر مبارك، عبر حياة بطلته التي تعمل في قسم الأرشيف، لتصبح الرواية نفسها أرشيفاً لتآكل الطبقة الوسطى وأحلامها. ولم يحصر قلمه في الشأن المصري، بل امتد إلى هموم المنطقة في "بيروت بيروت" التي غاصت في الحرب الأهلية اللبنانية، و"وردة" التي استعادت تاريخ ثورة ظفار المنسية في عُمان.
وقد نال الراحل العديدَ من الجوائز العربية المهمة، مثل «جائزة ابن رشد للفكر الحر» عام 2004، و«جائزة كفافيس للأدب» عام 2017.
إرث لن يرحل
برحيل صنع الله إبراهيم بعد معاناة مع المرض، فقدت الثقافة العربية أكثر من مجرد كاتب. فقدت صوتاً نقدياً شجاعاً، ومثقفاً عضوياً بقي وفياً لمبادئه حتى النهاية، وعاش حياة متواضعة تشبه أبطاله، بعيداً عن أضواء الشهرة الزائفة. لقد كان مشروعاً أخلاقياً متكاملاً، أثبت أن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن الأدب يمكن أن يكون سلاحاً. ورغم صمت الجسد، فإن صوته سيظل يتردد عالياً في كل صفحة كتبها، شاهداً على زمنه، ومدرسة في الشرف الأدبي والصلابة الإنسانية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً