رووداو ديجيتال
قليلة، إن لم تكن نادرة، هي الأفلام المستمدة من الروايات أو الحياة الحقيقية التي تقترب من إبداع الكاتب أو تجسد، ولا أقول تنقل، روح الرواية أو الكتاب أو المذكرات، قياساً إلى نسبة ما مُنجز من روايات ومذكرات مع ما مُنتج من أفلام سينمائية. الأمثلة كثيرة التي لا يمكن حصرها هنا عن هذا الجانب أو الجانب الآخر. فهذا ليس موضوعنا الآن.
كتاب البروفيسورة الإيرانية الأميركية آزار نفيسي "قراءة لوليتا في طهران" Reading Lolita in Tehran، مذكرات في كتب، أحد الأمثلة الحية والقريبة على إجادة المخرج عيران ريكليس بتحويله إلى السينما، إنتاج 2024، مع أن الأحداث عبارة عن سيرة ذاتية كُتبت بأسلوب قريب للرواية بسبب ازدحام الأحداث دراميّاً وتلاقي الشخوص التي تتحكم بهم النزاعات.
"قراءة لوليتا في طهران" هي مذكراتٌ صدرت عام 2003 للكاتبة آزار نفيسي، أستاذة الأدب الأمريكية من أصل إيراني، صاغتها كرواية تحكي خلالها تجاربها في إيران ما بعد الثورة. الكتاب الذي بقي على قائمة صحيفة "نيويورك تايمز" باعتباره الكتاب الأكثر مبيعاً على مدى أكثر من مئة أسبوع وتُرجم إلى 32 لغة، ينقسم إلى أربعة أقسام: "لوليتا"، "جاتسبي"، "جيمس"، و"أوستن"، وكذلك الفيلم.

يستهل الفيلم الذي يحمل ذات اسم الكتاب "قراءة لوليتا في طهران" بهبوط الطائرة التي تقل آزار نفيسي، تجسد شخصيتها الممثلة (غولشيفته فرحاني)، أستاذة الأدب الإنجليزي التي ستعمل في كلية الآداب بجامعة طهران، وزوجها المهندس المدني بيجان، يجسده الممثل (آراش مارندي). وقبل وخلال ذلك تظهر مشاهد مصورة لقيام الثورة الإسلامية ووصول الخميني إلى إيران وصوره المنتشرة في كل مكان، بعدها تنتقل الكاميرا إلى داخل المطار حيث نشاهد حقيبتها مفتوحة على طاولة التفتيش ويعبث بها أحد رجال أمن المطار بينما هي وزوجها يراقبان الأحداث بصبر وانزعاج، يحدق بقلم أحمر الشفاه ويرميه في الحقيبة، تخبره بأن لا يعبث هكذا بمحتويات الحقيبة فينظر بوجهها شزراً وبأسلوب تهديدي يقول لها "انزعجت؟"، تصمت بلا رد، يسألها عن الكتب التي تحملها كونها باللغة الإنجليزية فتخبره بأنها ستعمل أستاذة للأدب الإنجليزي بجامعة طهران ليفرج عن الحقيبة.
هذا الاستهلال وأحداثه المتلاحقة يعطي صورة واضحة للأوضاع الحالية، وقتذاك، والقادمة ولما سيحدث لاحقاً تحت ظل "الثورة الإسلامية". عام 1980 تلتحق نفيسي بجامعة طهران، كلية الدراسات الإنسانية والآداب، وهي متفائلة بتدريس الأدب الإنجليزي، تتحدث عن رواية "غاتسبي العظيم" للكاتب الأميركي فرنسيس سكات فيتزجيرالد والتي نُشرت لأول مرة في عام 1925 وتُعتبر واحدة من كلاسيكيات الأدب الأميركي، وعن رواية "لوليتا" للكاتب الأميركي من أصل روسي فلاديمير نابوكوف، نُشرت في عام 1955 في باريس والتي أحدثت ضجة كبيرة حين صدورها كونها تتحدث عن علاقة جنسية بين مراهقة ورجل كبير. وكذلك تضع في منهاجها دراسة الروائية الإنكليزية جين أوستن.

تبدأ متاعب الأستاذة نفيسي مع اعتراضات بعض طلبتها الملتحين من أعضاء اللجنة الطلابية الثورية في الجامعة والذين يحتجون على الروايتين وعلى كل مؤلفات الكُتاب الأميركان والأدب الأميركي باعتباره "نصير الشيطان الأكبر.. وأن مثل هذه الروايات تُشيع الفساد بين الطلبة وفي المجتمع"، لكن هذا لم يحبط من عزمها كون هذه الكتب مقررة من قِبلها في المنهج الدراسي.
الصدمات ستأتي تباعاً، في مقدمتها خروج مظاهرة طلابية لمواجهة أنصار الثورة المعترضين على نهج الجامعة مما يؤدي إلى ضرب الطالبات والطلاب بالهروات وإلقاء القبض على عدد كبير منهم في سجن إيفين واغتصاب الطالبات وتعذيبهن وإجبارهن على توقيع اعترافات مزيفة أو يتعرضن للإعدام "كانوا يأخذون ثلاثة منا ونسمع أصوات طلقتين ولا نعرف مصير الثالثة ومن تكون"، حسب أقوال نرجس إحدى طالبات نفيسي التي نجت بأعجوبة من السجن وبفضل جهود والدها.
خلال هذه المظاهرة التي تراقبها الأستاذة آزار من عتبة الجامعة تتعرف على أستاذ الدراما في الجامعة (رضا ديكو) زميلها في الجامعة، المصاب باليأس بسبب الممارسات والمناهج التي لا تناسبه والذي سترتبط معه بعلاقة صداقة نزيهة ومحافظة ومخلصة، والذي سيُسدي لها الكثير من النصائح كونه أكبر سناً منها ومقيم في طهران حيث يعرف ما لا تعرفه عن المجتمع والسياسة، لهذا تقتصر أحاديثهما عن الكتب والأدب.

تُعمم السلطات الرسمية أوامر صارمة على وجوب وضع الحجاب في كل مؤسسات الدولة بضمنها الجامعة والمدارس والحياة العامة. كانت هذه الصدمة الثانية التي تواجهها نفيسي والتي لم ترضخ لها في البداية لكنها تُمنع من الدخول إلى الحرم الجامعي، فتضطر إلى الانصياع للأوامر ووضع الحجاب وارتداء الزي الإسلامي، ومع ذلك ستبقى تواجه اعتراضات وتهديدات اللجنة الثورية الطلابية.
تشتعل الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) وتعاني البلاد من آثار الحرب التي تتسبب بالمزيد من الضغوطات على الناس بصورة عامة وعلى نفيسي والجامعة بصورة خاصة، حيث يعود أحد طلبتها (بهري) من جبهات القتال ويده اليمنى مبتورة، بينما يُقدم طالب آخر كان متحمساً للثورة ويضايقها باستمرار على الانتحار وحرق نفسه في إحدى قاعات الجامعة وهو يصرخ "لقد كذبوا علينا".
كل هذه الأحداث والظروف تدفع الأستاذة نفيسي إلى تقديم استقالتها من جامعة طهران والعمل في جامعة العلامة الطباطبائي عام 1981، التي اعتقدتها أكثر انفتاحاً من جامعة طهران، لكنها تكتشف أن الظروف ذاتها فتُقدم استقالتها عام 1987.
الاستقالة لم تكن نهاية المطاف لطموحاتها ولم تُبعدها عن بعض طالباتها المؤمنات بها والحريصات على تلقي دروس الأدب الإنجليزي، هي الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما مغادرة البلد والعودة إلى أميركا من أجل إنقاذ نفسها من الانهيار النفسي وحماية ابنتها وابنها، وترك إيران التي تحبها وأمها العجوز، أو الإصرار على المطاولة والبقاء نزولاً عند طلب زوجها وإخلاصاً لطالباتها، لهذا تقرر استضافة نادٍ قراءة سرّي في بيتها لسبع من طالباتها الجامعيات السابقات تلتقي بهن كل يوم خميس.

تتحدث نفيسي في كتابها عن هذا النادي قائلة "في خريف عام 1995، بعد استقالتي من منصبي الأكاديمي الأخير، قررت أن أُريح نفسي وأحقق حلماً لطالما راودني. اخترت سبع من أفضل طالباتي وأكثرهن حرصاً، ودعوتهن إلى منزلي كل صباح يوم الخميس لمناقشة الأدب. كُن جميعهن من النساء - فكان من الخطورة إقامة دروس مختلطة في منزلي، حتى وإن كنا نتحدث عن أعمال أدبية خيالية غير ضارة".
بعيداً عن أجواء الجامعات المقيدة والقمعية، تقرأ المجموعة وتناقش الأدب الغربي الكلاسيكي، بما في ذلك أعمال جين أوستن، وإف. سكوت فيتزجيرالد، وهنري جيمس، وفلاديمير نابوكوف. ومن ضمن الروايات تتشابك المذكرات بين حياة الطالبات الشخصية وتجاربهن في إيران (الثورية) والأعمال الأدبية التي يدرسنها، لتُمثل في نهاية المطاف شهادةً على قوة الفن والكلمة. حيث تُعتبر قراءة روايات مثل لوليتا وغاتسبي العظيم في مجتمع يخضع لحكم إسلامي صارم فعلاً رمزياً عميقاً للتمرد ووسيلة لاستعادة الحرية الفكرية.
تطابقت أحداث قصة "قراءة لوليتا في طهران" للكاتبة آزار نفيسي، المقيمة في الولايات المتحدة، مع حياة بطلتا الفيلم، الممثلتان الإيرانيتان، غولشيفته فرحاني، التي تُجسد دور الكاتبة نفيسي، وزارا أميري، كلاهما تقيمان خارج إيران، ومع ما سردته الكاتبة، فرحاني قالت عند العرض الأول للفيلم في باريس: "هذه القصة هي، قبل كل شيء، قصتنا".
وأضافت: "في الفيلم، الأهم بالنسبة إلى هؤلاء الفتيات هو الالتقاء حول الأدب. أما أنا، فكان الأهم بالنسبة لي الاجتماع مع عائلتي وصديقاتي الأقرب إليّ حول السينما". بالرغم من أن نفيسي تقول في مذكراتها وخلال حديثها مع طالباتها "لا تقللوا من قيمة أي عمل أدبي خيالي، ولا تحاولوا تحويله إلى نسخة طبق الأصل من الواقع، فما نبحث عنه في الأدب ليس الواقع نفسه، بل إدراك الحقيقة".
كانتا الممثلتان، فرحاني وأميري، صديقتين على الشاشة، كما في الحياة الواقعية، وقد فرّتا من إيران عام 2008، بعد أن جعلت السلطات استمرارهما في مسيرتهما الفنية مستحيلاً. ومنذ ذلك الحين، ظهرت غولشيفته فرحاني (41 عاماً)، في حوالى أربعين فيلماً من مختلف الأنواع، من الفيلم الأميركي الناجح "قراصنة الكاريبي"، إلى الفيلم الفني "باترسون" للمخرج جيم جارموش، فيما أصبحت زارا أميري (43 عاماً)، في عام 2022، أول إيرانية تفوز بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان السينمائي، عن دورها في فيلم "ليالي مشهد" للمخرج علي عباسي. وحصلت الممثلتان معاً على جائزة هامبورغ للحرية الثقافية في آذار 2019.
على الرغم من شهرته العالمية وترجمته إلى 32 لغة، لم يتم تحويل كتاب "قراءة لوليتا في طهران" إلى فيلم حتى عام 2024، ويعود السبب الرئيسي إلى أن نفيسي لم تُعجبها العروض التي تلقتها. ثم، قبل سبع سنوات، ظهر ريكليس بهذا المشروع، حيث نجح في إقناع نفيسي برؤيته، ثم حصل على التمويل اللازم، وجمع فريقاً من الممثلين الإيرانيين المناسبين، واختار روما مكاناً للتصوير، لأن طهران لم تكن خياراً ممكناً.
في نهاية أحداث الفيلم، نشاهد الكاتبة آزار نفيسي، التي تُجسد شخصيتها فرحاني، تراقب من شباك شقتها أحد شوارع واشنطن التي وصلتها مع عائلتها عام 2003، وهو العام الذي نشرت فيه كتابها "قراءة لوليتا في طهران"، الذي حرص زوجها على مفاجئتها ووضع بعض نسخ منه على مكتبها.
مجموعة الطالبات أجدن أداء أدوارهن باحترافية عالية، كما قربت الموسيقى روح الأحداث من المتلقي.
الغريب أن بعض من كتب عن الفيلم، عربياً، انتقده لسبب محدود وغير منطقي كون المخرج، عيران ريكليس، الذي أبدع في تحويل مذكرات نفيسي إلى فيلم سينمائي مهم، إسرائيلي الجنسية، بل هناك من ذهب إلى إطلاق هوية "الفيلم الإسرائيلي" على فيلم "قراءة لوليتا في طهران" وتجريده كما تجريد القصة والكاتبة والممثلين من هويتهم الإيرانية، مع أن القصة والأحداث واللغة والممثلين كلهم إيرانيون.
وريكليس مخرج سينمائي، وكاتب سيناريو، وُلد في القدس، من أفلامه نهائي الكأس (1991)، العروس السورية (2004)، شجرة ليمون (2008) وعرب راقصون (2014).
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً