رووداو ديجيتال
هل فكّرتم كيف تصل الأحجار الكريمة، بمختلف أسمائها ومواصفاتها وألوانها وأسعارها، يبلغ ثمن بعضها ملايين الدولارات، إلى تيجان الأباطرة والملوك وأسواق المجوهرات المعروفة في أنتويرب البلجيكية التي تُلقّب بعاصمة الألماس، إضافة إلى لندن وباريس ونيويورك؟
زميلتنا الصحفية في شبكة رووداو، بيام سربست، سألت نفسها ذات السؤال عن مصادر الأحجار الكريمة النادرة والغالية وكيف يتم استخراجها، خاصة بعد مشاهدتها للفيلم الأميركي "الألماس الدموي Blood Diamond"، صدر في 2006، من إخراج إدوارد زويك، وبطولة ليوناردو دي كابريو وجينيفر كونيلي ودجيمون هونسو. والذي يجسّد معاناة الأفارقة في سيراليون للتنقيب على الألماس وكم من الدماء تُهدر بسببه.
من هذا السؤال، بدأت بيام تبحث وتتابع وتقرأ وتفتّش عن الإجابات حتى تكوّنت عندها حصيلة غنية من المعلومات، تقول عنها: "وجدتها أكثر من كافية لكتابة سيناريو فيلم وثائقي يجيب عن أسئلة الآخرين حول أحد أهم مصادر الأحجار الكريمة". منبّهة إلى أن فيلم "الألماس الدموي" Blood Diamond، ألهمها للمضي بمشروعها.
بعد عام من العمل الجاد بجمع المعلومات والتحري عن مناطق التنقيب عن الأحجار الكريمة النادرة أنتجت شبكة رووداو الفيلم الوثائقي "الجوهرة الزرقاء" والذي تصدّت بيام سربيست للمضي خلاله في رحلة مزدحمة بالمغامرة والمخاطرة بحثاً عن الحقيقة، تصفها بقولها: "مشوّقة وخطرة".
"الجوهرة الزرقاء" العنوان الذي وضعته بيام نفسها لفيلمها الوثائقي، إخراج وتصوير الزميل أحمد يونس، شريط سينمائي مزدحم بالمعلومات الغنية المقدّمة بأسلوب مشوّق يحتوي على مشاهد مغامرة وخطيرة وسط أدغال سريلانكا، شريط وثائقي حقيقي بلا حبكة خيالية أو تزويق في المونتاج.
قطعت بيام مع فريق التصوير والإنتاج من أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، إلى كولومبو عاصمة سريلانكا، أكثر من عشر ساعات للوصول إلى مدينة راتنابورا في إقليم سايارغاموا، "المدينة الأشهر عالمياً التي تحتوي أرضها على أنواع نادرة من الأحجار الكريمة"، حسب إيضاح بيام.
عندما شاهدتُ الفيلم الوثائقي "الجوهرة الزرقاء" فكّرتُ بيام، زميلتنا التي ألتقيها كل يوم تقريباً في غرفة الأخبار برووداو، الشابة الهادئة والرقيقة، وهي صحفية متميزة في نقل آخر القصص والأخبار إلى جمهور رووداو من قلب الحدث، وسألتُ نفسي كيف لها أن تجتاز كل هذه المسافات لتنام في فندق مهجور وسط الغابة، بالرغم من مرافقة فريق إنتاج رووداو لها، وفي غرفة تزدحم جدرانها بالسحالي (أبو بريص) الذي تخشاه غالبية النساء بل والرجال.
لكن الأكثر خطورة في مشاهد الفيلم والذي لا يمكن تنفيذه حتى في الأفلام الروائية، هو ما تتحدث عنه بيام نفسها: "كانت أكثر المشاهد أو فصول الفيلم خطورة نزولي في حفرة ضيقة إلى عمق 22 متراً بلا أيّة وسائل أمان على الإطلاق، كنتُ أتلمّس بقدمي درجات السلم البدائي المصنوع من أغصان الأشجار والحبال، وأن أتمسّك بكل ما في يدي من قوة بجوانب السلم كي أضمن عدم سقوطي فيما إذا زلّت قدمي أو تزحلقتُ خاصة أنه ليس هناك حبل يَشُدّني لضمان عدم سقوطي إلى القاع المظلم جداً".

كنتُ أتخيل مشاعرها وأنا أشاهد تفاصيل وجهها في الشريط الوثائقي وهي تهبط درجة درجة ماضية إلى قاع المنجم الذي لا تعرف عنه أي شيء لترصد مراحل البحث عن الأحجار الكريمة بكل مصداقية، كان بإمكانها أن تكتفي بتوجيه الأسئلة لروهيتا، العامل الذي رافقها في رحلتها من بيته إلى المنجم أو الحفرة، والذي يعمل في التنقيب لأكثر من 22 سنة، وأن تنقل عنه وعن غيره أدق التفاصيل، لكنها فضّلت أن تشاهد وتعيش التفاصيل بنفسها وكأنها تنقل لنا نحن المتلقين سبقاً صحفياً في فيلم وثائقي.. ترقّبناها وهي تنزل بهدوء وبثقة وأيضاً بحذر لتصل إلى القاع بعد نصف ساعة ومعها زميلنا المصوّر أحمد يونس المعروف بتفانيه في خوض أي مغامرة من أجل نقل الحدث بعدسته وبإبداع حتى لو كان هذا الحدث على عمق 22 متراً تحت أرض غابة في سريلانكا.
توضح بيام قائلة: "عندما كتبتُ سيناريو الفيلم لم أكن قد قررتُ فيما إذا سأنزل بنفسي إلى الحفرة أم لا وتركتُ هذا القرار حتى وصولنا إلى هناك، وبالرغم من التحذيرات والإنذارات الشديدة اللهجة من العمال والمشرفين على المنجم الحفرة بخطورة نزولنا إلا أني قررتُ المضي حتى النهاية لمعرفة تفاصيل التنقيب ومدى الخطورة التي تُلحق بالعمال الذين غالياً ما يفقدون حياتهم نتيجة انهيار الحفرة وكذلك لقلّة الأوكسجين وتصاعد نسبة غاز الميثان وعمق المياه الجوفية في الحفرة التي تحتنا والتي هي الأخرى يبلغ عمقها 22 متراً ومغطاة بحاجز خشبي كنا نقف عليه، وبسبب كل هذه الظروف كان عددنا محدوداً في عمق الحفرة لضمان أقلّ ما يمكن من شروط السلامة".
وعلى ما يبدو أن وجود بيام سربست وفريق رووداو جلب الحظ لصاحب المنجم، وهو من الأثرياء عادة، حيث تم العثور على ياقوتة زرقاء ثمينة للغاية.
تقول بيام: "بينما يحصل صاحب المنجم الذي يمتلك مناجم أخرى مئات الآلاف من الدولارات من خلال بيع هذه الياقوتة أو غيرها من الأحجار الكريمة فإن العمال الذين يضحّون بحياتهم من أجل العثور على هذه الكنوز ينالون مبالغ تافهة قد تصل إلى 7 دولارات أميركية في الأسبوع”. موضحة بأن: “هناك 200 نوع من الأحجار الكريمة الملوّنة في العالم، 70 منها في أراضي سريلانكا".
وفي توضيح لها تذكر بيام بأن: "التاج البريطاني كله مُزيّن بالأحجار الكريمة السريلانكية". ووفقاً لجمعية القصور الملكية التاريخية البريطانية، فإن تاج الدولة الإمبراطوري المصنوع من الذهب، مرصّع بـ 2868 ماسة، و17 ياقوتة، و11 زمرداً، و269 لؤلؤة، وأربع ياقوتات. ويحتوي على بعضٍ من أشهر الأحجار الكريمة في العالم، بما في ذلك ياقوتة الأمير الأسود، وياقوتة ستيوارت عيار 104 قيراط، وماسة كولينان الثانية عيار 105.6 قيراط. وتُقدّر قيمة الأحجار الكريمة في هذا التاج أكثر من 4 مليارات دولار أميركي.
ما يجعل الفيلم الوثائقي “الجوهرة الزرقاء” متميزاً ومشوّقاً هو أن الكاتبة بيام سربيست لم تكتفِ بموضوع التنقيب، وهي مهمة، بل نقلت لنا كمتلقين تفاصيل من الحياة الاجتماعية لسكان مدينة راتنابورا وعاداتهم وأسلوب حياتهم المتقشف للغاية، ذلك أن "عمال المناجم هم الأكثر فقراً في سريلانكا". وتعبيراً عن حرصها على إيصال المعلومة كاملة، تواصل بيام متابعة مصير الياقوتة الزرقاء فتنقلنا عبر كاميرا أحمد يونس إلى معامل صقل الأحجار الكريمة وتقطيعها ومن ثم طريقة بيعها وصولاً إلى سوق بيع الأحجار الكريمة.
لقد أجادت الزميلة بيام سربست صياغتها الاحترافية لسيناريو فيلم "الجوهرة السوداء" كما أبدعت في تقديم تفاصيله حياتياً في سريلانكا وحرصها المهني الدقيق لإيصال المعلومة. ولأنني من المتابعين والمهتمين بالأفلام الوثائقية فإن تقييم هذا الشريط الوثائقي يستحق الثناء والمشاركة في مهرجانات فنية عالية المستوى عالمياً تتناسب ومستوى إنتاج شبكة رووداو الخلّاقة.
وإذا كانت بيام وعبر المعلومة والتقديم المتميز قد قدّمت لنا شريطاً مهماً فإن ذلك ما كان ليتحقق لولا كاميرا وإبداع زميلنا مخرج الفيلم المصوّر أحمد يونس الذي حوّل اللغة المكتوبة والمحكية إلى شريط مرئي، مركّزاً على تفاصيل ذكية ومغامراً هو الآخر بالنزول إلى قاع المنجم.
وإذا كانت بيام وعبر المعلومة والتقديم المتميز قد قدّمت لنا شريطاً مهماً فإن ذلك ما كان ليتحقق لولا كاميرا وإبداع زميلنا مخرج الفيلم المصوّر أحمد يونس الذي حوّل اللغة المكتوبة والمحكية إلى شريط مرئي، مركّزاً على تفاصيل ذكية ومغامراً هو الآخر بالنزول إلى قاع المنجم.


