لماذا لا تعود عائدات النفط إلى العراق مباشرة؟

منذ 21 ساعة
محمود بابان @MahmoodBaban2
الكلمات الدالة العراق أميركا
A+ A-
رووداو ديجيتال

تذهب إيرادات العراق إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لا إلى إجمالي احتياطياته النقدية. إن التأخر الذي يتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر في استرداد عوائد النفط العراقي يرتبط بآلية شركة تسويق النفط (سومو) في البيع، أكثر من ارتباطه بإجراءات "دولار النفط" للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
 
في (23 آذار 2026)، وأثناء إجابته على سؤال حول موعد وصول العوائد النفطية الشهرية، صرح وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء العراقي، فؤاد حسين، قائلاً: "يُباع (النفط) اليوم، وتصل إيراداته بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر". إلا أن هذا التأخير في وصول الإيرادات يعزى إلى طبيعة العمليات البيع لشركة "سومو" أكثر منه إلى حساب العراق المصرفي في نيويورك؛ ففي اليوم الذي يتم فيه تحميل الشحنة النفطية، تمنح "سومو" المشترين فترة سماح تتراوح بين 30 إلى 60 يوماً لسداد قيمة النفط الذي تم شحنه بالدولار.
 
لذا، بلغ حجم السيولة العراقية في بنك نيويورك حتى نهاية شباط 2026 نحو ملياري دولار، بينما تتراوح فيه الإيرادات النفطية الشهرية بين ستة إلى ثمانية مليارات دولار، ويصل إجمالي احتياطي العملات الأجنبية إلى 97.6 مليار دولار.
 
في الواقع، تكمن خطورة فرض عقوبات اقتصادية أميركية على العراق في إمكانية عزله عن النظام المالي العالمي، أكثر من كونها تهديداً مباشراً لعائدات النفط واحتياطياته؛ لأن احتياطي النقد الأجنبي العراقي شهد تنوعاً كبيراً منذ العام 2016.
 
ووفقاً لأحدث بيانات البنك المركزي العراقي، فإن نسبة احتياطيات النقد الأجنبي (الدولار، السندات المالية، والذهب) المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك لا تتجاوز 34%. وهذا يعني أن 64% من احتياطيات العملات الأجنبية العراقية مودعة خارج المصارف الأميركية، في فرنسا والصين وبريطانيا، علماً أن هذه النسبة كانت تقارب الصفر قبل عقد من الزمن.
 
العلاقة بين بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك والبنك المركزي ووزارة المالية العراقية معقدة وتسمل مجموعة من الحسابات المتعددة. فمنذ لحظة إيداع المشتري لقيمة النفط بالدولار في حساب نيويورك وحتى تسلم وزارة المالية للمبالغ بالدينار العراقي من البنك المركزي لتغطية النفقات، تمر العملية بعدة حسابات مصرفية.

 

 
إيراد واحد وحسابات متعددة.. آلية عودة أموال النفط إلى العراق
 
يقوم العراق بتحويل إيرادات نفطه إلى حساب في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك (FRBNY)  يُعرف بحساب عائدات مبيعات النفط  (ORRA)، والذي يُدار بشكل مشترك بين البنك المركزي العراقي ووزارة المالية. بعد ذلك، يتم تحويل العائدات المستحصلة داخل البنك نفسه إلى حساب آخر يسمى (Iraq2) الذي يديره البنك المركزي العراقي، ثم إلى حساب وزارة المالية (بالدولار) داخل البنك المركزي العراقي، وفي المرحلة الأخيرة، تقوم وزارة المالية ببيع الدولار للبنك المركزي مقابل الحصول على الدينار، وهو ما يمثل الحساب الفعلي الذي يموّل النفقات العامة.
 
هذان الحسابان العراقيان في (FRBNY) حلا محل الحساب العراقي السابق الذي أُنشئ بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 بعد الغزو الأميركي في 2003، تحت مسمى صندوق تنمية العراق (DFI).
 
قبل عقدين، كان القرار الأميركي يهدف لحماية العراق من الديون المتراكمة للنظام السابق (التي تقدرها وزارة المالية بـ130 مليار دولار)، ورغم أن الأمم المتحدة ألغت هذا القرار في 2011 وأعادت السيادة القانونية والإدارية للعراق على ثرواته الآتية من نفطه، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس السيطرة النهائية على العائدات المستحصلة، وهو إجراء جدد الرئيس الأميركي جو بايدن العمل به في العام 2024.
 
نقطة أخرى محورية في آلية هذا الحساب المالي العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك تتعلق بعملية التدقيق في الإيرادات والنفقات. فكل معاملة مالية بالدولار تخضع لعملية تدقيق صارمة من قبل (FRBNY) لضمان خضوع الأموال المستحصلة، سواء أكانت إيرادات أو نفقات، لقوانين مكافحة غسل الأموال (AML) وعدم انتهاكها لبروتوكولات العقوبات الأميركية. لهذا السبب، تدخل الكونغرس الأميركي في 2024 عقب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" حول تدفق أموال النفط لجماعات مسلحة، مطالباً بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك بتقديم توضيحات.
 
هل يحتفظ الفيدرالي الأميركي بالإيرادات الشهرية أم بالاحتياطيات العراقية؟
 
بلغ إجمالي الاحتياطيات العراقية بالعملة الأجنبية حتى شباط 2026 نحو 97.6 مليار دولار. وبحسب بيانات البنك المركزي العراقي، فإن رصيد العراق النقدي في حساب الفيدرالي الأميركي بلغ 1.5 مليار دولار، إضافة إلى 0.7 تريليون دينار (حوالي 0.5 مليار دولار)، أي أن إجمالي السيولة في ذلك الحساب يبلغ ملياري دولار.
 
ويشير الباحث الأقدم في المجلس الأطلسي، د. أحمد الطبقجلي، إلى أنه إذا افترضنا أن بنك الاحتياطي الفيدرالي هو الحافظ (Custodian) لكل النقد والسندات وأذونات الخزانة الأميركية المملوكة للبنك المركزي (والتي تمثل 20% من إجمالي الاحتياطيات)، بالإضافة إلى احتياطي الذهب (14% من الأصول المالية)، فإن إجمالي الحصص من الاحتياطي العراقي المرتبطة بالولايات المتحدة يصل إلى حوالي 36%. وهذا يؤكد أن 64% من العملة الأجنبية العراقية وذهب العراق موجود خارج أميركا، في مصارف فرنسا وبريطانيا وأستراليا والإمارات، وهولندا.
 
من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي والنفطي نبيل المرسومي، أنه من حيث السلطة العليا أو السيطرة على احتياطي العملة الأجنبية العراقي، فإن "العراق يمتلك السيادة القانونية، لكن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يمتلك السيطرة التشغيلية (Operational Control)".  وينطبق هذا الوصف على عائدات النفط بشكل أكبر من انطباقه على احتياطيات العملة الأجنبية.

 

 
لقد نجح العراق في السنوات الأخيرة في تنويع سلة احتياطيات العملة الأجنبية. حيث بات للمصرف فرنسا، ومصرف انكلترا، والمصرف الشعبي الصيني حصص كبرى في احتياطيات العملة الأجنبية لدى العراق.
 
فاحتياطي العراق في مصرف فرنسا يصل إلى 10.2 مليار دولار، وفي مصرف انكلترا 3.3 مليار دولار، وفي المصرف الشعبي الصيني 10.49 مليار دولار، ما يعني أن هذه الدول الثلاث تحتضن نحو ربع الاحتياطي العراقي من العملة الأجنبية، بعد أن كانت أرصدة العراق فيها صفراً قبل عشر سنوات.
 
ووفقاً لتقرير (MEES)، فإن نسبة ضئيلة من احتياطيات البنك المركزي العراقي مودعة في نيويورك كسيولة نقدية  (Cash)، بينما تتركز المبالغ الضخمة في السندات المالية واحتياطي الذهب. فإذا كان إجمالي الاحتياطي 100 مليار دولار، فإن 36 ملياراً منه مودع في هذا البنك.
 
تعتمد تقلبات الاحتياطي العراقي من العملة الأجنبية على عوائد النفط وتغيرات أسعار الذهب، وليس على ادخار العراق للأموال سنوياً. فعلى سبيل المثال، قفز الاحتياطي من 69 مليار دولار إلى 108 مليارات دولار في 2022 نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وقد تراجع إلى 97 ملياراً بنهاية 2025. كما أن زيادة احتياطي الذهب وارتفاع قيمته بنسبة 55% جعل العراق يحتل المرتبة الرابعة عربياً بإجمالي 170 طناً في العام 2025.
 
التعامل مع إيرادات العراق النفطية وغير النفطية بالدولار، ولم يقم رؤساء أميركا حتى الآن بإعادة السيادة الإدارية لعائدات النفط (وليس الاحتياطي النقدي العراقي) ولم يقوموا بإلغاء قراراتهم المتعلقة بالحفاظ على عائدات النفط المستحصلة، ويمكننا القول إن العراق يتمتع بالحق القانوني والبنك النيويوركي يتمتع بالسلطة الإدارية على المال العراقي.
 
بينما يظل النظام المالي العراقي مرتبطاً بالسياسات الأميركية، فإن التأخير في وصول العوائد النفطية (من شهر إلى ثلاثة أشهر) هو نتاج لآليات البيع المتبعة من قبل "سومو" بالتنسيق مع الفيدرالي الاحتياطي بنيويورك.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

حقل نفطي في كركوك

أسعار النفط تنخفض مع التفاؤل بإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران

"حتى مع بقاء مضيق هرمز مغلقأ جزئياً".. قادت هذه الجملة أسواق النفط إلى موجة تفاؤل ترجمت إلى انخفاض في الأسعار، وبحسب ما أفادت وول ستريت جورنال فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران، حتى مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً جزئيا"ً.