عمر أحمد*
بينما نتجه نحو عام 2026، سجلت أسعار الذهب في عام 2025 واحدة من قفزاتها التاريخية منذ عام 1971. ففي هذا العام، كسر الذهب أعلى مستوياته التاريخية أكثر من 50 مرة، ومنذ بداية العام حتى نهاية شهر تشرين الثاني، ارتفع بنسبة تزيد عن 60%، مسجلاً رابع أقوى ارتفاع سنوي له منذ عام 1971.
ويعود هذا الارتفاع الملحوظ إلى عدة عوامل متزامنة مثل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتفاقم المشاكل الجيوسياسية والجيواقتصادية، وانخفاض قيمة الدولار الأميركي، وارتفاع طلب المستثمرين والبنوك المركزية.
والآن مع اقترابنا من عام 2026، يطرح هذا السؤال نفسه: "هل سيستمر ارتفاع أسعار الذهب؟".
المؤسسات المالية ترى أن أسعار الذهب في العام المقبل تعتمد كلياً عما إذا كان الاقتصاد العالمي سيستقر أم سيتجه نحو عدم الاستقرار.
عام تاريخي
يعتقد معظم الخبراء أن الطلب الذي شهده شراء الذهب هذا العام لم يكن فقط لحماية رأس المال من غموض وعدم استقرار الأسواق، بل أصبح الذهب أصلاً استراتيجياً عالمياً. ويشير مجلس الذهب العالمي، الذي نشر أحدث تقاريره الأسبوع الماضي، إلى أن ارتفاع سعر الذهب بنسبة 60% في عام 2025 كان سببه القلق الجيوسياسي والجيواقتصادي بنسبة 12%، بينما يعود 10% منه إلى انخفاض قيمة الدولار الأميركي والعوائد الحقيقية للسندات المالية الأميركية.
ما يظهر في التقرير المميز لمجلس الذهب العالمي هو أن ارتفاع سعر الذهب هذا العام لم يكن له سبب واحد فقط، بل كانت مجموعة من العوامل مثل عدم اليقين، والوضع الاقتصادي، وخفض أسعار الفائدة، وارتفاع الطلب، كلها شكلت أسباباً متساوية في ارتفاع سعر المعدن الأصفر.
من ناحية أخرى، اشترت صناديق الاستثمار في الذهب أكثر من 700 طن من الذهب في عام 2025، وهناك مجال أكبر لزيادة مشترياتها في العام المقبل. كما واصلت البنوك المركزية شراء الذهب. هذه العوامل تجعل أساسيات سوق الذهب قوية، وتشير المعطيات لعام 2026 باتجاه ارتفاع أسعار الذهب أكثر من انخفاضها.
توقعات المراكز المالية العالمية
توقعت البنوك والمراكز المالية العالمية الكبرى أسعار الذهب لعام 2026 على النحو التالي:
-جي بي مورغان: 5055 دولاراً
-بنك أميركا: 5000 دولار
-بنك يو بي إس: 4500 دولار
-دويتشه بنك: 4450 دولاراً
-مورغان ستانلي: 4400 دولار
-غولدمان ساكس: 4000 دولار
على الرغم من اختلاف التوقعات عن بعضها البعض، إلا أن شيئاً واحداً واضح، وهو أن سعر الذهب متوقع أن يكون فوق 4000 دولار، ومن الصعب أن يعود إلى أقل من ذلك المستوى. حتى تلك المراكز المالية التي توقعت ارتفاع أسعار الذهب بحذر شديد، لا تخفي أن اشتداد الصراعات الجيوسياسية والجيواقتصادية يمكن أن يرفع سعر الذهب بنسبة ملحوظة.
أربعة سيناريوهات لعام 2026
بالنظر إلى تقرير مجلس الذهب العالمي ومعلومات وكالة بلومبرغ وشركة الاستشارات (أكسفورد إيكونوميكس)، يمكن رؤية 4 سيناريوهات لأسعار الذهب:
1- الاستقرار الاقتصادي، استقرار سعر الذهب.
إذا تحققت التوقعات بشأن النمو العالمي والتضخم والسياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي، على سبيل المثال كما هو متوقع أن يقوم البنك الفيدرالي بخفض الفائدة في 2026 إلى حوالي 3.0% - 3.5%، وبقاء النمو الاقتصادي العالمي عند حوالي 3.2% مع ارتفاع طفيف في قيمة الدولار، فمن المتوقع أن يتم تداول الذهب في نطاق محدود العام المقبل وأن يستقر دون تغييرات كبيرة.
2- تراجع اقتصادي طفيف، ارتفاع سعر الذهب بنسبة 5% - 15%.
إن التباطؤ التدريجي لسوق العمل الأميركي وتراجع الطلب وانخفاض قيمة أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، سيشجع المستثمرين على التوجه لشراء الذهب كتحوط من غموض الأسواق. هذه العوامل يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الدولار وارتفاع الذهب. في هذه الحالة، من المرجح أن يقترب سعر الذهب من توقعات بنك (UBS) ودويتشه بنك، ليصل إلى 4500 دولار.
3- ركود الاقتصاد العالمي، ارتفاع سعر الذهب بنسبة 15% - 30%.
تحدث التوقعات بارتفاع كبير وسريع جداً لأسعار الذهب عندما تتفاقم المشاكل الجيوسياسية والجيواقتصادية بشكل يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود وتباطؤ عميق. في وضع كهذا، ستنعدم الثقة في الأسواق المالية العالمية، وسيضطر البنك المركزي الأميركي لخفض أسعار الفائدة بنسبة أكبر، مما سيدفع جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال في تلك الأسواق نحو سوق الذهب. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يرتفع سعر الذهب حتى يتجاوز أعلى التوقعات وقد يصل إلى 5500 دولار.
4- الانتعاش الاقتصادي، انخفاض الذهب بنسبة 5% - 20%.
السيناريو الوحيد المتوقع لانخفاض سعر الذهب يحدث عندما يتجه الاقتصاد الأميركي نحو نمو ملحوظ بسبب سياسات دونالد ترمب، مما يؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية.
قد يجبر عودة التضخم في أميركا البنك المركزي ليس فقط على وقف خفض الفائدة، بل النظر في زيادتها. في هذه الحالة، ستتغير وجهة الأموال من سوق الذهب إلى أسواق أخرى، وتهبط أسعار الذهب نحو أدنى مستوياتها، مع احتمالية انخفاضها إلى حوالي 4000 دولار، وهو ما يحقق توقعات غولدمان ساكس.
توقعات صاغة الذهب في إقليم كوردستان
على الرغم من أن العوامل الدولية هي المسبب للتغيرات في أسعار الذهب، إلا أن صاغة الذهب في إقليم كوردستان يتوقعون أسعار الذهب للعام المقبل بهذا الشكل وآراؤهم مثيرة للاهتمام:
-يونس أحمد، صائغ في دهوك ولديه قراءة أكاديمية لسوق الذهب، يشير إلى توقعات البنوك لسعر الذهب بحدود 4500 إلى 5000 دولار في العام المقبل، لكنه يقول إن التوقعات الحالية قد تتغير كما حدث في السنوات السابقة. ويرى أن سعر الذهب مرتبط جداً بعاملين: الفائدة الأميركية والأحداث الجيوسياسية، ويشير بشكل خاص إلى اجتماع جيروم باول، رئيس البنك المركزي الأميركي، يوم 10 من هذا الشهر، حيث يمكن لتصريحاته أن تحدد اتجاه الذهب للعام المقبل. ويقول يونس سيد أحمد إنه في كل الأحوال من الصعب أن ينخفض سعر الذهب إلى أقل من 3750 و4000 دولار.
-سالار حاجي عثمان، صائغ من السليمانية، يشير إلى ابتعاد الصين عن العملات الرقمية، ويقول إنه إذا انكسرت أسعار العملات الرقمية، فإن الذهب لن يحافظ فقط على مستوياته المرتفعة قرب 4200، بل يمكنه الارتفاع إلى 5000 وما فوق.
-سعد جلال، صائغ في أربيل، يقول إن سعر الذهب وفقاً لتوقعات البنوك سيصل في نهاية 2026 إلى 4900 - 5000 دولار. ويضيف هذا الصائغ أنه إذا هدأت المشاكل الجيوسياسية مثل حرب أوكرانيا أو تهديدات أميركا لفنزويلا، فإن ذلك سيترك أثراً عكسياً على أسعار الذهب في العام المقبل.
-الشيخ وريا، صائغ آخر من أربيل، يقول إن انخفاض التضخم في أميركا وتراجع سعر الدولار وصعوبة الأحداث الجيوسياسية، سترفع سعر الذهب في العام المقبل إلى قرابة 5000 دولار.
*مسؤول القسم الاقتصادي في شبكة رووداو الإعلامية
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً